لم يكن أحد ليتوقع أن يلتقط تنظيم “الدولة” أنفاسه بهذه السرعة، رغم كل الهزائم التي مُنِيَ بها على مدار السنتين الماضيتين في الساحتين العراقية والسورية، خلال المعارك الشرسة التي تعرّض لها وكانت نتائجها خسائر غير قليلة أُصِيبَ بها التنظيم بالعُدّة والعدد.
كيف عاد؟
يرى مراقبون أن التفسير المنطقي لعودة تنظيم “الدولة” لتنفيذ عمليات أمنية في مناطق صلاح الدين وكركوك، هو استفادته من الدرس الذي استخلصه من معركة الموصل، حيث قراره هناك القتال حتى النهاية من دون أن يتمكن من صد هجوم القوات العراقية الممثلة بالجيش والشرطة والحشد والمدعومة بغطاء جوي كثيف من التحالف الدولي، وقد خسر التنظيم خلال معركة الموصل جُل قياداته الميدانية والإدارية، فقرّر الانسحاب مما تبقى له من بلدات وقرى نحو مناطق ذات طبيعة جغرافية وعِرة يصعب على الطيران والقوات البرّية حسم المعارك فيها، وبالفعل انسحبت قوات التنظيم المتواجدة في محيط كركوك وشمال صلاح الدين نحو جبال حمرين ومكحول والجزيرة غرب العراق، مع ترك مجاميع “انغماسية” صغيرة هدفها المشاغلة وإيقاع أكبر قدر من الخسائر في المهاجمين، فضلا عن أن التنظيم رتّب خلاياه الأمنية في حزام بغداد وديالى منذ أن كانت أقدامه ثقيلة.
تصعيد
تصاعدت خلال الشهرين الماضيين العمليات الأمنية التي تحصل داخل مركز قضاء بيجي المدمّر ومحيطه، والتي سارع تنظيم “الدولة” إلى إعلان مسؤوليته عنها. ففي التاسع من شهر تموز/يوليو الماضي هاجم مسلحان يرتديان أحزمة ناسفة مقر لواء 31 التابع للحشد الشعبي في دور الـ 600 قرب مصفى بيجي، واشتبكا مع عناصر مقر اللواء ثم فجرا نفسيهما ما أسفر عن وقوع قتلى وجرحى خلال هذه الاشتباكات، وفي السياق نفسه تبنّى التنظيم تفجير عبوة ناسفة في قرية المزرعة جنوب مدينة بيجي وقال أنها تسببت في قتل وجرح 5 من قوّات التحالف، ثم تجلّت الأنباء عن حقيقة ما حدث، فإذا بالسيّارة المستهدفة هي سيّارة مصفّحة تابعة لرتل للأمم المتّحدة كان في طريقه إلى محافظة نينوى.
وكذلك تبنّى التنظيم خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر الجاري أكثر من 12 عملية استهدفت الجيش العراقي والحشد داخل مركز بيجي في أحياء السكك والتأميم والعصري والنفط والكهرباء وغيرها، وفي خارجها في الصينية والبوجواري وحاوي شويش والدبس وتل أبوجراد والذبّان وغيرها، وكانت آخر عملية تحصل داخل مركز قضاء بيجي حتى وقت كتابة هذا التقرير هي إصابة عقيد في الجيش العراقي مع نجله إصابات بليغة في الحي العصري وسط بيجي بانفجار عبوة لاصقة في سيارتهما، وهي عملية أعلن التنظيم في اليوم التالي مسؤوليته عنها.
شهادات سكّان محلّيون
وفي شهادة حصلت عليها “القدس العربي” من أحد السكّان المحليين (خالد القيسي 51 عاماً) وهو من سكنة حاوي شويش، شمال مدينة بيجي، لأخذ صورة عن الوضع الأمني في تلك المناطق، حدّثنا قائلا: “بعد فترة استقرار أمني شعرنا بها خلال الأشهر التي أعقبت طرد داعش من مناطقنا، بدأت عناصر مسلحة من التنظيم تُهاجم مناطقنا بشكل دوري منطلقة من جبال مكحول ومن جزيرة الصينية. فقبل أيام أفزعتنا أصوات إطلاق نار داخل قريتنا في منتصف الليل استمرت لفترة قصيرة، وبعد أن انقطعت الأصوات وصلتنا الأخبار أن عناصر مسلحة هاجمت بيت أحد أقربائنا الذي ينتمي ابنه للحشد الشعبي، وقد أردوه قتيلا بعد أن اقتحموا غرفة نومه”. ويضيف القيسي أن “هذه الحادثة سبقتها حالات مشابهة لهجوم مسلحين على قريتنا أو القرى المجاورة كالبُجواري وغيرها، واستهداف عناصر في الجيش والشرطة والحشد وحتى المخاتير، فضلاً عن انفجار عدد من العبوات الناسفة على القوات الأمنية. لقد صرنا بين مطرقة عمليات تنظيم الدولة وسندان ردّة الفعل من قبل الجهات الأمنية”.
لماذا بيجي تحديداً؟
يرى مراقبون أن تركيز تنظيم “الدولة” العودة إلى بيجي ومحيطها له أسباب عسكرية مرتبطة بالجغرافيا والبيئة الاجتماعية، فموقع بيجي الذي يتوسط المحافظات السنية العراقية، ويُعدُّ حلقة ربط بين الصحراء (حيث معقل التنظيم الدائم) وبين جبال مكحول وحمرين التي لجأ التنظيم إلى أحضانها، بعد أن ضاقت عليه المُدُن والقرى بما رحُبَت عقب الهجمة الشرسة ضد معاقله أينما وُجِدَت، ومن الأسباب أيضاً أن مدينة بيجي يمر منها طريق بغداد-الموصل والذي سيطر عليه التنظيم بشكل شبه كلي قبل عام 2014 وبدأ بعمليات تصفية لعناصر الجيش والشرطة العراقيين الذين يمرون من ذلك الطريق للالتحاق بوحداتهم العسكرية، فوصل الجنود حينها إلى مرحلة أن من ينزل مجازا لا يلتحق بوحدته مرة أخرى ما سبَّبَ نقصاً عددياً ظهرت آثاره مع الزمن. ويضيف آخرون إلى تلك الأسباب استغلال التنظيم لمظلومية سكّان تلك المناطق المدمّرة مساكنهم بفعل العمليات العسكرية ولم يجدوا من يمد لهم يد العون للمساعدة في إعادة إعمار مدنهم وقراهم المدمرة والتي تفتقر حاليا لأبسط مقومّات الحياة”.
وفي السياق نفسه قال الناشط العراقي على وسائل التواصل الاجتماعي يونس خالد والذي يدير صفحة تتابع أخبار الموصل والمحافظات الشمالية، أن “الوضع في بيجي ومحيطها يزداد سوءاً يوم بعد آخر، وتنظيم الدولة يُكثِّف من نشاطه في تلك المناطق بعد أن أعاد ترتيب صفوفه واستوعب آثار الضربة القاصمة التي وجهتها له القوات العراقية المدعومة أمريكيا في العام 2017، فقد استفاد تنظيم الدولة من تجربته في القتال حتى الرمق الأخير في الموصل، واستبدلها باستراتيجية الاحتماء بالجغرافيا في حال العجز عن مجابهة القوات المهاجمة، ثم مهاجمتها بطريقة حرب العصابات التي أجاد التنظيم العمل عليها خلال السنوات التي سبقت العام 2014 وفي مختلف مراحل التحوّل التي مرَ بها”.
الجزيرة ومكحول
“لقد باتت سيارات البيك أب المعروفة بـ (العذاري) مألوفة في قرانا، فقد بتنا نشاهدها كما أننا في العام 2015. إنهم يتنقلون في تلك المناطق بنوع من الحرية، على الرغم من أن قرانا قريبة جداً من مصفى بيجي من جهة الغرب، وقريبة من ناحية الدبس شمال بيجي والتي تتواجد في داخلها قطعات كبيرة من الحشد الشعبي، لكن وقوع عناصر الحشد في كمائن أدّت إلى خسائر في صفوفهم جعلتهم يتغاضون عن المعلومات التي تصلهم عن تحركات التنظيم في مناطق محيطة بقواعدهم” يقول أبو محمد الشمري من قرية البودريب، غرب مصفى بيجي.
وفي السياق نفسه قال لنا مصدر في الحشد العشائري التابع لعشيرة الجيسات في بيجي ومحيطها، وطلب عدم الكشف عن هويته أن “جبال مكحول وجزيرة الصينية باتت ملاذات آمنة للتنظيم الإرهابي، وأنه يزداد قوة يوماً بعد آخر في تلك المناطق” وأضاف، “تعرضنا قبل أيام إلى مقاومة شديدة أثناء محاولتنا – كحشد عشائري يعمل بإمرة الحشد الشعبي- التوغل في جبال مكحول مما اضطرنا إلى التراجع، خصوصا وأنه يتوجب علينا التقدم راجلين من دون آليات لوعورة المكان، وقد شاهدنا مغارات شبيهة بالأنفاق يتخذها عناصر التنظيم أماكن للاحتماء من الطيران وكمائن للقوات المهاجمة”. وسألنا المصدر نفسه عن كيفية تمويل وتموين وتجهيز العناصر المتواجدة داخل الجبل أنفسهم بحاجياتهم للبقاء على قيد الحياة والدفاع عن النفس والهجوم أحيانا؛ فقال “لم نتمكن من اكتشاف طرق تموينهم الغذائية وتجهيزاتهم العسكرية لحد الآن، لكننا نعتقد أن هناك متعاونين معهم من السكان المحليين”.
فيديو في هاتف قتيل من التنظيم
وعثرت القوات العراقية على فيديو في هاتف أحد عناصر التنظيم المقتولين يوثّق كيفية حياتهم داخل الصحراء، ويظهر في الفيديو الحديث ما يقارب العشرين عنصرا من التنظيم جالسين في بيت شعر وهم يحتسون القهوة ويرددون أناشيد تتوعد القوات العراقية والحشد الشعبي، وقد تعرّفت القوات العراقية على خمسة ممن يظهرون في ذلك الفيديو واصفةً إياهم بأنهم من العناصر القيادية الخطرة التي ما زالت طليقة، واللافت في الفيديو أن سيارات التنظيم وبيت الشعر الجالسين فيه وملابس العناصر جميعها لا توحي بأي مظاهر عسكرية، مما يجعل اكتشافها من قبل الطيران الأمريكي أمرا صعبا جدا. يُذكر أن مسيّرات أمريكية تجوب الصحراء بشكل دوري لتحديد أماكن تواجد عناصر التنظيم.
حرب العصابات مرة أخرى
يقول مراقبون أن التنظيم بدأ يعود تدريجيا لأسلوبه القديم (قبل 2014) الذي يعتمد على مجاميع صغيرة تضرب ثم تختفي (أسلوب حرب العصابات) وهو ما يروم من ورائه التنظيم عمل استنزاف للقوات التي يُهاجمها، وتنويع أماكن الاستهداف لتشتيت جهودها العسكرية والاستخباراتية، وهو الأمر الذي يجعل القوات الأمنية تواجه تحديا جديدا في تحديد المنفذين الحقيقيين والذين يختفون بين المدنيين بعد تنفيذ عملياتهم ضد أفرادها، وما يتبع ذلك من حملات اعتقال يطال بعضها مدنيين أبرياء وعمليات دهم وتفتيش تنعكس بصورة كبيرة على حياة الناس العادية وتؤثر على ملف عودة النازحين.
الدمار والنزوح والاعتقالات أسباب لعودة التنظيم
وفي سياق آخر؛ على الرغم من مرور ما يقارب السنتين على تحرير مدينة بيجي، ومحيطها والتي تهدّم 90 في المئة من بنيانها، لم تباشر الحكومة العراقية بأي جهود لإعمار المدينة، بل لم تسمح لأغلب سكان المدينة بالعودة إلى منازلهم لإعادة إعمارها بجهود ذاتية، إذ ما زالت الأغلبية الساحقة من سكان المدينة يعيشون إما في المخيمات التي يزداد وضعها سوءاً، أو داخل مدن وبلدات وقرى محافظة صلاح الدين بشكل عام، وهي أمور جعلت الناس يقل حماسها عن الشعارات التي أطلقتها الحكومة العراقية إبان عمليات التحرير. ويقول مراقبون أن المخيمات باتت بيئة خصبة لرفد الجماعات المسلحة بالطاقة البشرية، إذ أن كثير من الشباب بات يمل من الإهمال والظلم والمعاناة داخل تلك الخيام البائسة. يُضاف إلى هذا أن الاعتقالات العشوائية التي يُنفذّها عناصر الحشد الشعبي بعد كل عملية أمنية يتعرضون لها في منطقة ما، جعلت عددا غير قليل من العوائل تترك مناطقها التي عادت لِتَوِّها إليها، وجميعها أمور لا تصب (حسب محللين) إلا في صالح تنظيم “الدولة” لاستقطاب مزيد من المتعاطفين والمؤيدين.