بغداد ـ «القدس العربي»: بعد منتصف ظهر أمس الثلاثاء، وارى جثمان الكاتب والباحث في شؤون الجماعات المسلحة، الدكتور هشام الهاشمي، الثرى في مقبرة وادي السلام في محافظة النجف، بعد تشييعٍ «بسيط» جرى أمام منزله في منطقة زيونة، شرقي العاصمة بغداد، تاركاً وراءه «نهاية مفتوحة» للجهة ـ أو مجموعة جهات ـ تقف خلف حادثة اغتياله.
وعلمت «القدس العربي» من مصادر متطابقة (صحافيون ومقاطع فيديو)، إن عملية اغتيال الهاشمي تمّت في الساعة 8 والنصف من مساء أول أمس، أمام منزله، عندما أقدم مسلحون (3) يستقلون دراجتين ناريتين، على انتظاره في زاوية الشارع أمام المنزل، قبل أن يقدم أحدهم على اغتياله.
ويظهر في مقطع فيديو لإحدى كاميرات المراقبة المثبّتة في منزل الراحل، الأخير وهو يركن سيارته الخاصة أمام منزله، قبل أن يُقدم أحد المسلّح بإطلاق النار عليه من سلاحٍ رشاش (كلاشينكوف)، لكن خللاً يطرأ على السلاح يدفعه إلى إكمال عملية الاغتيال بسلاح آخر (مسدس) كان يحمله معه أيضاً، ليطلق أربع رصاصات منه استقرت أغلبها في رأس الهاشمي.
ما إن تأكد الجاني من نجاح مهمته، حتى جلس خلف سائق الدراجة الذي كان بانتظاره عند الناصية، لينطلقا أمام مرأى المارة ومن انشغل بحمّل جثمان الهاشمي إلى مستشفى (ابن النفيس) أملاً بإسعافه، لكن دون جدوى.
الحادث الذي شكّل صدمة كبيرة لدى الصحافيين والناشطين والمدونين والسياسيين أيضاً، تم بعد أن أنهى الراحل مداخلة في نشرة أخبار قناة (يو تي في)، التابعة للسياسي السنّي البارز، ورجل الأعمال المثير للجدل، خميس الخنجر، تحدث خلاله عن «تمردّ خلايا الكاتيوشا»، ووقوف القوات الأمنية «موقف المتفرج بين من يطلق الصواريخ على السفارة الأمريكية في بغداد، وبين ردّ الأخيرة».
واتهم الهاشمي في حديثه «فصائل المقاومة الإسلامية» وشخصيات وكتل سياسية منضوية في تحالف «الفتح»، بالوقوف خلف «خلايا الكاتيوشا» والأعمال التي تُنفذها.
الهاشمي الذي عُرف بنشاطه على مواقع التواصل الاجتماعي، كتب في آخر «تغريدة» على صفحته الرسمية في «تويتر»، قبل دقائق على اغتياله يقول: «تأكدت الانقسامات العراقية بـ: أولاً (عُرف المحاصصة الذي جاء به الاحتلال «شيعة، سنة، كرد، تركمان، أقليات» الذي جوهر العراق في مكونات)».
وأضاف: « ثانياً: (الأحزاب المسيطرة «الشيعية، السنية، الكردية، التركمانية، التي أرادت تأكيد مكاسبها عبر الانقسام)».
وختم: «ثالثاً: (الأحزاب الدينية التي استبدلت التنافس الحزبي بالطائفي)».
اغتيال الهاشمي فتح الباب واسعاً أمام الجهة التي تقف خلف الحادث، إذ يسود الشارع العراقي في هذا الوقت رأيان؛ الأول يحمّل «الميليشيات» و«فصائل المقاومة الإسلامية» المسؤولية، فيما ينضمّ الفريق الآخر لفرضية وقوف تنظيم «الدولة الإسلامية» خلف الحادث.
واستند «المدونون» المؤيدون «للفرضية الأولى» في تحليلهم، إلى «غياب» أصدقاء ومقربي الهاشمي عن مراسم تشييع جنازته- باستثناء بضعة عشرات- خشية «استهدافهم»، خصوصاً إن شخصية مثل الراحل من الطبيعي أن يكون تشييعها «مهيباً»، بكونه يمتلك شبكة علاقات تمتد في الأوساط الصحافية والمدنية والسياسية والأمنية.
ويصب في مجرى هذا الرأي أيضاً، ما نشره الباحث في مجال الفكر الإسلامي، الكاتب والناشط المدني، غيث التميمي، على صفحاته في «تويتر» و«فيسبوك»، بعد دقائق من إعلان نبأ اغتيال الهاشمي.
و«غرد» التميمي مخاطباً رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي: «لدي وثائق تحدد الجهة المتورطة بقتل (الهاشمي) زودني بها الشهيد هشام وأنا على أتم الاستعداد لتزويدكم بكافة التفاصيل، وقد تم تهديدي قبل قليل من الجهة نفسها بسبب إعلاني عن وجود الوثائق».
«حزب الله» يرفض تحميله مسؤولية الاغتيال: أبواق متصهينة تلفق التهم لنا
وأضاف: «ننتظر منك (الكاظمي) الموقف وإذا قُتلت فأنت مسؤول عن دمي ودم هشام».
وبعد تلك «التغريدة» بثلاث ساعاتٍ فقط، نشر التميمي صوراً لمحادثة جرت بينه وبين الهاشمي ـ كما يقول، طلب منه الراحل «استشارة عاجلة» بشأن إرسال «كتائب حزب الله» تهديداً له بالتصفية، طالباً من التميمي «كيفية التصرف مع هؤلاء».
تسمية «خلايا الكاتيوشا»
وعُرف الهاشمي أنه من أطلق تسمية «خلايا الكاتيوشا» على المجاميع المسلحة التي تستهدف المنطقة الخضراء ومطار العاصمة العراقية بغداد بالصواريخ، بين الحين والحين الآخر.
كذلك، كتب أثيل النجيفي، محافظ نينوى الأسبق، المطلوب للقضاء العراقي، شقيق زعيم جبهة «الإنقاذ والتنمية»، أسامة النجيفي، «تدوينة» على صفحته في «فيسبوك» يقول: «الاستنكار الواسع لاغتيال د هشام الهاشمي في الإعلام وعبر منصات التواصل الاجتماعي، مع ضعف الحضور في تشييعه، مؤشر على سيطرة وإرهاب من قتلوه على الشارع».
وزاد: «لقد عاشت مناطقنا هذه الحالة أيام اغتيالات القاعدة لأعدائها»، مستغرباً «عدم حضور حتى معاهد الجهات الأمنية التي كان الشهيد يحاضر فيها».
وردت كتائب «حزب الله» العراقي، على اتهامها باغتيال الهاشمي، محملة وسائل إعلام «معادية» ما أسمته «تلفيق التهم».
وقالت الدائرة الإعلامية للكتائب، في بيان إن «مسلسل استهداف المعارضين للوجود الأمريكي عبر قذف الاتهامات بات واضحاً في نهج وسائل الإعلام المعادية للشعب العراقي، وهي التي توجه الأبواق المتصهينة للنيل من العراقيين الشرفاء عبر تلفيق التهم لهم، سيما أن سرعة تجهيز الاتهامات نحو الأطراف المناهضة لمشروع الاحتلال في العراق والمنطقة يؤكد دون شك أن أداة القتل والاتهام واحدة، وما حدث في التظاهرات من قتل بأساليب بشعة، تبين فيما بعد تورط الأمريكان والصهاينة بتلك الجرائم».
وأضافت إن «تاريخ أمريكا الإجرامي ومن يقف معها يفضح أساليب غدرهم وإجرامهم بحق الإنسانية، ويكشف خسة ودناءة صانع القرار عندهم، أما المجاهدون المقاومون فإنهم يتحلون بأخلاق الفرسان، والمبادئ الراسخة، والقيم الشرعية، ولن تثنيهم تخرصات السفاحين عن أداء واجبهم الشرعي والأخلاقي والوطني».
اغتيال الهاشمي، لاقى «ترحيباً» واسعاً لدى مجاميع على مواقع التواصل الاجتماعي «مؤيدة لفصائل المقاومة»، التي تعدّه «عميلاً مزدوجاً» وأحد أذرع السفارة الأمريكية مع مجموعة من الناشطين والصحافيين العراقيين، حسب زعمهم.
«القدس العربي» علمت من مصدرٍ مقرّب من عائلة الراحل، إن الهاشمي أخبرهم بتلقيه تهديدات من تنظيم «الدولة الإسلامية»، وهذا ما يتضامن معه أنصار «الفرضية الثانية»، الذين يحمّلون التنظيم والولايات المتحدة الأمريكية مسؤولية الحادث.
أبرز المؤيدين لهذه الفرضية، الباحث الاستراتيجي علي فضل الله، الذي أشار إلى «دلالات خطيرة» لحادثة اغتيال الهاشمي.
وأضاف لـ«القدس العربي»، إن «عملية الاغتيال التي وضحتها كاميرات المراقبة كانت بأريحية عالية للجهة التي قامت بالاغتيال وكأنها في صحراء خالية».
وزاد: «الأدهى من ذلك أن تتبنى داعش عملية الاغتيال، فقد أعلنت مؤسسة قريش الإعلامية التابعة لعصابات داعش والتي أكدت أنها نفذت الهدف الأول بنجاح إشارة للراحل هشام الهاشمي»، مشيراً إلى أن «ما يفهم من أحداث يوم أمس (الأول) هو هشاشة الحس الاستخباري لأجهزة الدولة، ونشاط مجاميع داعش في قلب العاصمة بغداد، ولم تكتف بذلك بل توعدت أن لها هدفا ثانيا وربما ثالثا وهكذا».
خرق كبير
وحمّل، الأجهزة الأمنية، مسؤولية، «هذا الخرق الكبير»، معتبراً إن الحادثة تأتي لـ«لخلط الأوراق مجددا، وهي لا تخدم سوى الجانب الأمريكي الذي يريد أن يوصل رسالة صريحة أن الأمن لن يستتب إلا بوجودهم (الأمريكان)، أي ما معناه وجوب إبرام اتفاقية استراتيجية معهم أو على الأقل مذكرة تفاهم لبقاء القوات الأمريكية لحين إجراء الانتخابات، على أمل أن يكون الكاظمي وفريقه حزباً في المرحلة القادمة، ليشترك في الانتخابات المقبلة ومن خلال سلسلة تغييرات يجريها ودعم إعلامي كبير داخلي وخارجي وتسخير الإمكانيات لذلك، على أمل أن يتحصل على أغلبية ساحقة، وقتها يتم إبرام اتفاقية استراتيجية بعيدة الأمد مع الأمريكان».
وختم: «هكذا تفكر أمريكا! فكيف يفكر ساستنا المبجلون؟ هذا إن كانوا يفكرون أصلاً!».