خلاف عميق بين المعترضين والكتلة الصدرية: حكومة وطنية أم توافقية؟
بغداد ـ «القدس العربي»: تترقب الأوساط السياسية العراقية، إعلان المفوضية العليا المستقلة، النتائج «النهائية» لانتخابات تشرين الأول/أكتوبر الماضي، للمضي في حوارات «جدّية» تُفضي إلى تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر في مجلس النواب «البرلمان» الجديد، والتي تمهد الطريق نحو اختيار رئيس وزراء وكابينة وزارية جديدة، وسط تشنّج ملحوظ في العلاقة بين القوى السياسية «المعترضة» و«الفائزة» الأمر الذي يُنذر بخيارات تصعيدية جديدة، ما لم تتوصل الأطراف- الشيعية تحديداً- إلى توافقٍ جديد.
وتعمل القوى السياسية العراقية منذ عام 2003 بمبدأ «المحاصصة» أو ما يسمى دستورياً «التوازن» في تحديد الرئاسات الثلاث، إذ تقاس الشيعة والسنّة والأكراد المناصب الثلاثة الرئيسة في البلاد (رئاسة الحكومة للشيعة) و(رئاسة الجمهورية للأكراد) و(رئاسة البرلمان للسنة) كعرفٍ سياسي.
في الأعوام الأولى التي سبقت 2003 لم يشهد العراق أزمات سياسية «معقّدة» في اختيار تلك المناصب، عندما كان البيت الشيعي موحّداً بـ«التحالف الوطني» والسنّي بـ«القائمة الوطنية» والكردي بـ«التحالف الكردستاني» غير إن الأمور بدأت تأخذ منحاً آخر بعد تشظي تلك التحالفات، والانقسامات التي عصفت بها.
وتترقب القوى السياسية الفائزة في انتخابات تشرين الأول/أكتوبر 2021 ما ستؤول إليه الأمور لدى البيت الشيعي، للبدء في مفاوضات حسم «الحصص» في الحكومة والبرلمان الجديدين.
وعلى هذا الأساس، ينشغل السياسيون الشيعة بإيجاد مخرج قانوني أو سياسي، للأزمة التي خلّفتها نتائج الانتخابات الأخيرة، وحصول التيار الصدري، بزعامة مقتدى الصدر، على أعلى المقاعد البرلمانية (أكثر من 70 مقعداً) فيما لم تحصل القوى السياسية الشيعية الأخرى، المنضوية في «الإطار التنسيقي» الذي يضم تحالف «الفتح» بزعامة هادي العامري، وقادة الفصائل الشيعية المسلحة، بالإضافة إلى زعيم ائتلاف «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، على (أكثر من 50 مقعداً) وفقاً للنتائج «شبه النهائية».
السيناريو الأكثر قرباً لدى «الكتلة الصدرية» هو عقد تحالفٍ مع تحالف «تقدّم» بزعامة رئيس البرلمان المنتهية ولايته، محمد الحلبوسي، (نحو 40 مقعداً) والحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود بارزاني (أكثر من 30 مقعداً) لضمان أغلبية برلمانية تؤهله تسمية رئيس وزراء وحكومة جديدين.
في الطرف المقابل، اتخذت القوى السياسية المنضوية في «الغطار التنسيقي» خطوة الاحتجاج والاعتصام أمام بوابات المنطقة الخضراء، للضغط على الحكومة والمفوضية، باعتماد آلية العدّ والفرز اليدويين للأصوات، وعدم الاعتماد على النتائج الإلكترونية المُعلنة.
هذه الخطوة سرعان ما تحولت إلى صدامات بين قوات الأمن والمحتجين- جمهور القوى الشيعية- أدت إلى مقتل وإصابة أكثر من 100 من المحتجين وقوات الأمن.
التطور السريع للأحداث دفع إلى عقد اجتماع لقوى «الإطار» مع رئيسي الجمهورية والحكومة، (برهم صالح ومصطفى الكاظمي) لتدارك الأزمة، والخروج بجملة توصيات أبرزها «التهدئة» وخفّض التصعيد.
ويدور الحديث لدى المتابعين للشأن السياسي العراقي، بشأن إمكانية حلّ الأزمة السياسية الخانقة، بمنح قوى «الإطار التنسيقي» مناصب في الحكومة الجديدة، فضلاً عن عدم مساءلتها في المرحلة المقبلة.
في هذا الشأن يقول الكاتب والمحلل السياسي، علي البيدر لـ«القدس العربي» إنه «قدّ تلجأ القوى السياسية الشيعية الخاسرة في انتخابات أكتوبر الماضي، إلى التصعيد أو محاولة إفشال أيّة خطوة باتجاه تشكيل الحكومة الجديدة، من دون حضورٍ أو تواجدٍ لها».
وأضاف: «هذه القوى تضغط للحصول على ضمانات في عدم محاسبتها أو مساءلتها في المرحلة المقبلة، في حال لجأت (القوى السياسية الشيعية) إلى المعارضة، رغم إن هذا الأمر مستبعد».
ويرى البيدر إنه «يمكن أن يذهب الجميع إلى خيار تسوية، عبر منح تلك الجهات مناصب أو نفوذ داخل الحكومة الجديدة، من خلال استحداث حقائب وزارية في الكابينة المقبلة وإعادة وزارات تم دمجها أو إلغائها سابقاً» لكنه حذّر من الذهاب إلى «ترهل وزاري من أجل إرضاء تلك الأطراف، وهذا أمر مخجل بحق التوجه الإصلاحي الذي تأمل في تحقيقه، فضلاً عن كونه سيُفقد الثقة في المنظومة السياسية بشكل مطلق».
وأشار أيضاً إلى إن «هذه القوة السياسية لن تصعّد أكثر إذا حصلت على ضمانات لمنحها المقاعد الشكلية في الحكومة الجديدة» معتبراً في الوقت عيّنه إن «محاولة اغتيال الكاظمي (الأحد الماضي) وردة فعل المجتمعات العراقية والإقليمية والدولية المستنكرة جعلت الكثير من الأطراف تخشى من التصعيد، فربما ستستسلم بدون تواجدها داخل الحكومة».
لكن في مقابل ذلك، ترفض قوى «الإطار التنسيقي» منحها مقاعد برلمانية كـ»هبّة أو صدقة» بل إنها تريد تدقيق نتائج الانتخابات التي تصفها بـ«المزوّرة» وكشف مصير أكثر من مليوني صوت لجمهورها.
علي فضل الله، المتحدث باسم حركة «حقوق» المنضوية في «الإطار التنسيقي» الشيعي، يقول لـ«القدس العربي» إنه «في خطابات القوى السياسية المعترضة قالت إنها لا تبحث عن صدقة أو منّ أو عطاء من بعض القوى السياسية» مبيناً إن «القوى السياسية المعترضة تريد الرجوع إلى النتائج الحقيقية التي صوّت عليها الشعب العراقي، ومنحها أصوات كُثر».
وزاد: «الجميع يعلم إن الوزن الانتخابي لقوى الإطار التنسيقي تتجاوز المليونين و250 ألف صوت، غير إن المقاعد التي حصلوا عليها (وفقاً للنتائج شبه النهائية) لا تتناسب وهذه النسبة» موضّحاً إن «المطلوب هو العمل على مراجعة المفوضية للنتائج المُعلنة، وتصحيح الأرقام التي أعلنت، بما يضمن سلامة النتائج، وليس منح القوى السياسية المعترضة صدقة أو وهبها مقاعد برلمانية. هذا الأمر مرفوض».
ووفقاً لفضل الله فإن «القوى السياسية المعترضة تريد النتائج الحقيقية التي صوت عليها الشارع العراقي كما هي، وليس كما أعلنتها المفوضية. هذه النتائج تم التلاعب بمضمونها، الأمر الذي أثّر سلباً على القوى السياسية المعترضة».
وعن الخطوات المقبلة للقوى السياسية المعترضة على نتائج الانتخابات، في حال جاءت الطعون «مطابقة» للنتائج المُعلنة، واحتمال تصعيد جمهور تلك القوى، أوضح فضل الله قائلاً: «القوى السياسية في الإطار التنسيقي المعترضة على نتائج الانتخابات، تتعاطى مع الأحداث بواقعية وموضوعية بعيداً عن التهور».
وبشأن التصعيد المرتقب أشار إلى إن «المقصود بالتصعيد هو العمل على الضغط على الحكومة والطبقة السياسية والمفوضية من أجل تصحيح مسار الانتخابات، على اعتبار إن هناك نتائج غير موضوعية وغير حقيقية، وتم التلاعب بهذه الأصوات من أجل إبعاد القوى المعترضة عن العملية السياسية، أو تحجيمها وتقويض وجودها في تلك العملية». ورجّح المتحدث باسم حركة «حقوق» إن «التصعيد المتوقع من هذه القوى هو التعاطي مع الأحداث شيئاً فشيئاً بصورة إيجابية، فعلى سبيل المثال إن التظاهرات اليوم في مكان واحد، في حين مستقبلاً قد تكون في أكثر من مكان، وهذا ما حصل بالفعل قبل أيام» مبيّناً إن «التصعيد سيكون قانونياً بعيداً عما يتخيله الكثيرون بأن التصعيد سيكون عسكرياً أو على شكل مواجهات عسكرية».
ومضى يقول: «هذه القوى لا تريد جرّ البلاد إلى الفوضى، بعكس ما يريده المتآمرون في دفع البلاد نحو فوضى أمنية وسياسية عارمة تؤدي إلى نسّف النظام السياسي. القوى المعترضة على نتائج الانتخابات حريصة على استقرار البلاد في كل الأحوال».
وفي سياق مباحثات تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر، واختيار الحكومة الجديدة، أشار فضل الله إلى إن «قوى الإطار التنسيقي تمتلك أريحية كبيرة جداً في عدد المقاعد التي تتجاوز الـ84 مقعداً قابلة للزيادة. هذا الأمر يعطيها دافعاً قوياً لان تكون هي نواة الكتلة البرلمانية الأكبر، خصوصاً إن تفسير المحكمة الاتحادية أكد على الكتلة النيابية الأكبر وليس الكتلة الفائزة، الأمر الذي سيعطي للإطار التنسيقي أريحية أكبر في مجال التفاوض، بعيداً عما إذا كانت المفوضية ستعمد من خلال الهيئة القضائية، إلى تصحيح النتائج وزيادة عدد مقاعد القوى السياسية المعترضة على نتائج الانتخابات (الإطار التنسيقي)».
ورأى إن «واحدة من الاحتمالات المتوقعة، هو الذهاب إلى حكومة توافقية شبيهة بسيناريو حكومة 2018 (كانت بزعامة عادل عبد المهدي) يكون مرتكزها القطبين (الإطار التنسيقي) و(التيار الصدري)» موضحاً إن «الغطار التنسيقي لا يرفض هذه الفكرة، من أجل احتواء الأزمة، لكن حتى الآن لا توجد بوادر موافقة لدى التيار الصدري». لكن الكاتب والمحلل السياسي علي البيدر، رجّح أن يتم اختيار رئيس الوزراء المُقبل، وفقاً لـ«شروطٍ صدرية» الأمر الذي يمكّن رئيس الوزراء الحالي، مصطفى الكاظمي، من البقاء في منصبه كـ»مرشّح تسوية» بين «الكتلة الصدرية» و«الإطار التنسيقي».
ويضيف: «الكاظمي هو مرشح تسوية مطروح وبقوة في حال لم تتفق الأطراف السياسية على شخصية أخرى» في حين لفت إلى إن زعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي، «يطرح نفسه كمرشح أساسي، خصوصاً إنه يحظى بدعم قوى سياسية شيعية وسنّية» فيما رأى إن حظوظ زعيم ائتلاف النصر، حيدر العبادي «ضعيفة جداً، خصوصاً إنه مرشح القوى الخاسرة، ناهيك عن كونه (العبادي) كان يتحدث عن السلاح المُنفلت وهو مرشح هذا السلاح» حسب رأيه.
وتابع: «الخيار الأقوى هو أن يكون مرشح رئيس وزراء صدري، أو بشروط صدرية» معتبراً إنه «يمكن للمالكي أن يكون هذا المرشح الصدري، لكن بشروط الكتلة الصدرية، فالمالكي والصدر أقرب إلى بعضهما في هذه المرحلة، منذ عام 2007».
وختم بالقول: «لا يمكن الذهاب إلى حكومة صدرية بعيدا عن المالكي أو حكومة مالكية بعيدا عن الصدر. الطرفان سيلجآن إلى التوافق فالمصلحة تتطلب ذلك. سيكون هناك رئيس وزراء بشروط صدرية سواء كان الكاظمي أو المالكي، ولا بد أن يأتي من خلال توافق بين الصدر والمالكي».