التغافل الدولي والحكومي المستمر عن أزمة النازحين في العراق يزيد من معاناتهم والتحديات التي تواجههم، فعلى الرغم من أن الحرب قد وضعت أوزارها منذ سنتين في أغلب مناطق العراق، إلا أن أكثر من ثلاثة ملايين نازح داخل وخارج العراق حسب أرقام إدارة الهجرة الدولية لم يستطيعوا لحد الآن العودة إلى ديارهم لأسباب مختلفة؛ أبرزها الثارات العشائرية، والمساومات المادية، وانعدام الخدمات، وعدم إعمار البنى التحتية، بالإضافة إلى خشية بعض النازحين من الملاحقات الأمنية، وأخطرها رغبة بعض الجهات الحكومية عرقلة كل المساعي الرامية لعودة النازحين وذلك لأسباب طائفية كما في ناحيتي جرف الصخر ويثرب وقرى في محافظة ديالى ومناطق أخرى.
لم يكن أحمد الجنابي النازح من منطقة جرف الصخر شمال بغداد يعلم أنه لن يعود إليها حتى بعد مرور خمسة أعوام على انتهاء المعارك فيها. أحمد قال لـ”القدس العربي”: “يبدو أننا في أمس الحاجة ليقوم مجلس النواب بتشريع قانون يُسمّى حقّ العودة لنضمن حقوقنا بالعودة يوما ما إلى ديارنا التي طُرِدْنا منها، إذ أننا بتنا متأكدين أن الحكومة العراقية هي التي تضع العراقيل أمام عودتنا إلى منازلنا وأراضينا على الرغم من مرور خمس سنوات على انتهاء المعارك فيها، ونحن لا نشك أن الأسباب الطائفية والرغبة بعمل تغيير ديموغرافي في محيط بغداد هي وراء عدم السماح لنا بالعودة، لكننا سنعود ولن نتخلّى عن هذا الحق مهما طال الزمن”.
المعاناة نفسها يتعرض لها المواطن عمر الدهلكي (أب لخمسة أطفال) من قرية أم الخنازير في محافظة ديالى. عمر تحدث أيضا لـ”القدس العربي” مدعيا أن هجمات ممنهجة تشنها ميليشيات على قراهم لإجبارهم على النزوح منها. وقد أكد عمر أنه صبر كثيرا لكي لا يترك داره ومزرعته، لكن مقتل أبناء عمه بداية عام 2018 على يد ميليشيات قرب القرية جعلته يتخذ قرار الهجرة إلى كركوك حفاظا على حياته وعائلته، مشيرا إلى أن من تبقى في القرية حتى اليوم يتعرضون إلى ضغوط شديدة لإجبارهم على تركها شأنها شأن عشرات القرى التي هجرها أهلها كُرهاً. وكان النائب كريم الجميلي قال في وقت سابق أن “الخروقات الأمنية تتكرر دائما في عدة مناطق من محافظة ديالى، وقد أودت بحياة الكثير من المواطنين الأبرياء، فضلا عن حرق المحاصيل الزراعية، وذلك بهدف عمل تغيير ديمغرافي عن طريق التهجير المبرمج”.
ادفع لتعود إلى بيتك
وفي الموضوع ذاته وفي منطقة أخرى قال نازحون إنهم توسطوا لدى جهات محسوبة على الحشد لأجل تسهيل إجراءات عودتهم إلى مناطق سُكناهم، لكنّ تلك الجهات طلبت مبالغ مادية لقاء تيسير أمور رجوعهم. النازح من قرية بلاوات الواقعة في سهل نينوى عبد السلام الطائي عرض تسجيل مكالمة هاتفية أجراها مع شيخ عشيرة هناك، حيث طلب منه مبلغ خمسة عشر ألف دولار مقابل السماح له بالعودة إلى داره في تلك القرية، وقال له ذلك الشيخ أن المبلغ هو للمسؤول في ميليشيا العصائب، عباس داؤود الذي سيسمح بعودة عبد السلام إن هو وفّر هذا المبلغ. وقال عبد السلام أنه “رفض ذلك العرض لأنه لا يملك المبلغ أولا، ولا توجد ضمانات إذا ما كان سيتم اعتقاله بعد عودته ثم مساومته على مبلغ آخر ثانيا” وأضاف أنه “يفضل المكوث في مكانه الحالي آمنا على نفسه وأهله في انتظار ما ستؤول إليه الأمور في قابل الأيام”.
النائبة عن محافظة نينوى نهلة الهبابي قالت لوكالة محلية إن “بعض أسباب عدم عودة النازحين تقف وراءها الحكومة المركزية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كتقصيرها الكبير في توفير الخدمات، وانعدام البنى التحتية في مناطقهم” وبينت أن “ضعف الوضع المادي بالنسبة للنازح يقف عائقاً أمام عودته إلى منطقته التي نزح منها، حيث أن أغلبهم وجد العمل المناسب في مكان نزوحه” مشيرة إلى أن “الكثير من النازحين ينتظرون إعمار مناطقهم من قبل الحكومة وتعويضهم عن الخسائر لتشجيعهم على العودة”.
تقصير الحكومة
العجز الحكومي الذي يراه المواطنون لإعادة إعمار ما خرّبته الحروب سواء البنى التحتية أو دورهم المهدمة هو أكبر عائق أمام عودتهم، حيث تغيب رؤية واضحة من قبل الحكومة العراقية لإعادة إعمار الجسور والدوائر الخدمية وآلاف المنازل التي تهدمت بفعل القصف الجوي أثناء الحرب على تنظيم الدولة. يشكو المواطن النازح رياض مظهر من أهالي منطقة حمام المنقوشة، في الموصل القديمة من انعدام ضرورات الحياة للعودة إلى منطقته، وقال أنه رجع إلى منطقته ليسكن فيها، إذ أن منزله لم يتعرض لأذى كبير، لكنه لم يجد هناك إلا بيوتات معدودة مسكونة، وقال أن الشارع الذي يسكن فيه لم يعد إليه إلا بيت واحد، وأن الماء والكهرباء لم يعودا للمنطقة لحد الآن، ويشتري الناس يوميا مياه من باعة جوّالة يحملون خزانات مياه صغيرة على سيارات حِمل محوَّرة لهذا الغرض تُسمَّى دنبر باللهجة الموصلية، فقرر عدم العودة.
أهالي المنطقة القديمة وسط الموصل يتهمون الحكومة المحلية بعرقلة عودتهم إليها لإجبارهم على الرضوخ لمشاريع وخطط تروم الحكومة المحلية تنفيذها داخل تلك المنطقة الأكثر تضررا بفعل الحرب. وضاح القصاب (47 عاما) يدعي أنه عُرض عليه أثناء مراجعته دائرة محافظة نينوى للمطالبة بتعويضه عن منزله المهدم بيعه للدولة، وأن أحد الموظفين قال له أن منطقتهم سيتم جرفها وعمل أبنية جديدة تتبع للدولة فوقها. وكان محافظ نينوى الحالي منصور المرعيد ظهر في تسجيل مصور مع عدد من سكنة المنطقة القديمة أثناء زيارته لها وهو يعرض عليهم بيع دورهم بغية عمل مشاريع استثمارية فوقها. وقد قام ناشطون وقتها بشن حملة استهجان على وسائل التواصل رفضا لهذه الفكرة. بينما دافع آخرون عن الفكرة قائلين أن لا حل لما حصل في المدينة القديمة إلا ببنائها من الصفر.
وصرّح علي خضير أحمد، عضو مجلس محافظة نينوى أن “الدوائر الحكومية تعاني من نقص الخدمات، والأهالي تعاني أيضا، كل شيء في المحافظة غير طبيعي، يرى الناس فقط المظهر وليس جوهره، إذا كانت الحياة طبيعية في المحافظة، فلا أعتقد أن العراقي يغادر منزله أو مدينته، وأنا أعلم جيدا أن المواطن في الموصل يحب مدينته كروحه، لكن الناس تتخلى عن أرواحها بسبب سوء المعيشة”.
المخيمات
ولا يختلف حال النازحين الذين يعيشون في المخيمات كثيرا عن أولئك الذين يعيشون في غير مناطق سكناهم الأصلية من الذين يسكنون في بيوت مستأجرة أو غير مكتملة البناء أو حتى في مدارس أو دوائر حكومية مهجورة تضررت بفعل الحرب. فمن يعيش في المخيمات يشكو من ضعف الخدمات والمساعدات والمشاكل التنظيمية داخل المخيم وشحة المياه وأذونات الدخول والخروج. صلاح اللهيبي هو نازح يسكن مخيم “حسن شام” في منطقة الخازر شرق الموصل تحدث عن الوضع في المخيم وقال: “نستيقظ أحيانا فلا نجد مياهاً للغسيل أو الشرب بسبب الانقطاع المتكرر، فننتظر لساعات حتى تأتي سيارات حمل لتوفير المياه للمخيم، ثم تبدأ معاناة التدافع على المياه”. وشكى مواطنون آخرون سألناهم من قلة المساعدات، والتجهيز المحدود للكهرباء الوطنية، وتفشي الأمراض الجلدية وخصوصا (الجرب).
الناشط زياد التميمي يُرجع أسباب استمرار أزمة النزوح إلى “صفقات فساد في عقود التجهيز التي تجريها جهات في بغداد مسؤولة عن تجهيز المخيمات بالغذاء والنفط وبقية المستلزمات” وأضاف أن “هناك إغراءات مادية تعطى للنازحين لأجل تشجيعهم على البقاء في المخيمات” وأردف “هذا ربما يفسر أسباب استعجال الحكومة المحلية في نينوى لإغلاق مخيمي الجدعة والنمرود خوفا من انتشار رائحة الفساد منهما”.
بينما رأت نائبة مدير مخيم حسن شام للنازحين، ماهاباد عبد الباقي أن “الناس تفضل العيش في المخيم بدلاً من الرجوع إلى منازلهم، لأنهم يجدون أمنا في المخيم، بالإضافة إلى أن وسائل المعيشة متوفرة في المخيم أكثر من المدينة، حيث يوجد هنا منظمات إنسانية توفر للنازحين ضرورات المعيشة فضلا عن الأمن والاستقرار” وأوضحت أن “مئات النازحين عادوا إلى المخيم بعد أن غادروه إلى منازلهم، وذلك بسبب ضعف الخدمات أو عدم الاستقرار الأمني”.
وتؤكد الحكومة العراقية في كل مناسبة أنها تبذل ما بوسعها لتهيئة الأجواء المناسبة لتيسير عودة النازحين، وأنها توفر داخل المخيمات عبر وزارة الهجرة والمهجرين والمنظمات الإنسانية التابعة لها كل ما من شأنه سد احتياجات النازحين وتوفير مستلزماتهم التي تضمن لهم عيشا كريما. وقالت إن حجم الدمار الذي خلفته الحرب في البنى التحتية ومنازل المواطنين يجعل الإعمار بطيئا، وبالتالي فإن عودة كل النازحين أمرٌ يحتاج إلى جهد ووقت. وأقرّ رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي أن الفساد المستشري هو أكبر عائق أمام تسريع عجلة الإعمار وتنفيذ المشاريع والخطط والبرامج التي وضعتها حكومته.