العقوبات الأمريكية محرك عدم استقرار للاقتصاد العالمي

ابراهيم نوار
حجم الخط
1

توسعت الولايات المتحدة في استخدام العقوبات الاقتصادية ضد خصومها كوسيلة من وسائل الضغط السياسي منذ نهاية الحرب الباردة، حيث فرضتها على أكثر من 20 دولة من دول العالم منها قوى رئيسية مثل روسيا والصين. ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الآن كانت واشنطن وحدها مسؤولة عن فرض نحو ثلثي العقوبات على مستوى العالم. وعلى الرغم من أن العقوبات الاقتصادية تمثل إحدى وسائل الضغط الدولي بواسطة الأمم المتحدة، إلا أن توسع أمريكا في استخدامها كجزء من أدوات تحقيق أهداف سياستها الخارجية خارج نطاق الأمم المتحدة من شأنه أن يهدد استقرار الاقتصاد العالمي، وأن يضعف الثقة في النظام الاقتصادي الأمريكي، خصوصا الدولار والنظام النقدي، وهو ما يمكن أن يتسبب في نقص الإقبال على الاستثمار في سندات الخزانة وفي الأصول الأمريكية بشكل عام، خشية أن تستخدمها الولايات المتحدة كوسيلة للضغط السياسي على الحكومات والشركات، أو كوسيلة لعقاب مواطني الدول الخاضعة للعقوبات. كذلك فإن العقوبات تضعف مكانة الشركات الأمريكية في سلاسل القيمة والإمدادات العالمية، وتؤدي أيضا إلى تحول التجارة السلعية والخدمات عن الموردين الأمريكيين، نظرا لضعف الثقة فيهم.
وتؤدي العقوبات الاقتصادية ضد قوى اقتصادية رئيسية، وضد حقائق جيوقتصادية ثابتة، مثل التكامل الطبيعي بين دول أوراسيا، إلى نتائج سلبية منها تخفيض الطلب العالمي، وارباك سلاسل الإنتاج العالمية، وتحويل التجارة من منتجين ذوي كفاءة إلى آخرين أقل كفاءة بما يؤدي لإحداث تشوهات في هياكل المبادلات الدولية، والإضرار بفرص النمو الاقتصادي، وتراجع مستوى الرفاهية على المستوى العالمي، وهو ما نراه الآن بسبب موجات العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة، وتصاعدت بوتيرة سريعة مع فترة حكم دونالد ترامب، ثم جوزيف بايدن. وقد كانت العقوبات الأخيرة ضد روسيا، وهي عقوبات واسعة النطاق، المحرك الرئيسي لموجة ارتفاع الأسعار في العالم كله، شملت أسعار الحبوب والمواد الغذائية والمواد الخام والطاقة والنقل. ويؤدي التضخم في العادة إلى تآكل دخول الفقراء أكثر من الأثرياء، وإلى زيادة معدلات الفقر في دول العالم، وانخفاض مستوى الرفاهية في العالم ككل.

تأثير أزمة إمدادات الطاقة

تتوقع وكالة الطاقة العالمية أن تؤدي العقوبات إلى إزاحة ما يقرب من 3 ملايين برميل يوميا من النفط الروسي من تجارة النفط العالمية (روسيا تصدر ما يتراوح بين 4 إلى 5 ملايين برميل يوميا) وهو ما يمكن أن يسفر عن ارتفاع كبير في الأسعار، حيث تستحوذ روسيا على 10 في المئة تقريبا من سوق النفط العالمية. ولطمأنة السوق تناقش الولايات المتحدة مع حلفائها التعاون ضخ كميات إضافية لتعويض النقص في الإمدادات. وقرر الرئيس الأمريكي أن تسحب الولايات المتحدة من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي ما يقرب من 180 مليون برميل لتعويض تأثير العقوبات، بمعدل مليون برميل يوميا لمدة 6 أشهر اعتبارا من أول الشهر المقبل. هذه الكمية تعادل 31.7 في المئة من الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي الذي يبلغ 568 مليون برميل تقريبا، ومن المرجح أن يؤدي سحبها من المخزون إلى زيادة القلق في السوق من تأثير الهزات المحتملة في حال اضطراب الإمدادات لأي سبب، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار عن مستوياتها الراهنة، حتى لو شاركت دول أخرى مثل كندا والمكسيك في زيادة الإنتاج.
هذه هي المرة الثالثة التي تعلن فيها الولايات المتحدة استخدام السحب من الاحتياطي الاستراتيجي للتأثير على الأسعار في السوق خلال الأشهر الست الأخيرة، كما أن الكمية التي تعتزم سحبها هذه المرة هي الأكبر منذ إنشاء نظام الاحتياطي النفطي الاستراتيجي في الدول الصناعية الغربية قبل 50 عاما. لكن السحب من مخزون الاحتياطي الاستراتيجي في حد ذاته يزيد من عنصر المخاطرة في إمدادات الطاقة، ومن شأنه أن يرفع الأسعار، باعتبار أن الاحتياطي هو وثيقة تأمين رئيسية تعتمد عليها الدول الصناعية في توفير احتياجاتها العاجلة في حال زيادة الطلب المحلي، أو في مواجهة الحالات الطارئة لنقص المعروض من داخل أوبك أو خارجها. إضافة إلى ذلك فإن رفض أوبك تلبية طلب الولايات المتحدة بزيادة الإنتاج للمشاركة في تعويض أثر العقوبات يضع واشنطن في موقف ضعيف عالميا، خصوصا وأنها لا تستطيع وحدها أن تلعب دور «المنتج المرجح» لتحقيق التوازن بين العرض والطلب في السوق.
المفارقة الأخرى الخطيرة التي تنطوي عليها أزمة الإمدادات النفطية الحالية التي صنعتها العقوبات الأمريكية هي أنها تبرر استخدام سياسات تتعارض مع أهداف اتفاقية باريس للمناخ وتفاهمات المؤتمر العالمي لحماية البيئة COP-26 الذي انعقد في اسكتلندا في العام الماضي، وتثير غيوما قاتمة على أهداف مؤتمر COP-27 الذي سيعقد قبل نهاية العام الحالي في شرم الشيخ. ويشهد العالم الآن زيادة في الاستثمار في الوقود الكربوني بدعم من الولايات المتحدة، حيث يتم تشجيع البنوك على تقديم المزيد من التمويل للتنقيب عن النفط والغاز، كما يتم تشجيع الشركات على زيادة استثماراتها بشكل عام في تنمية حقول الإنتاج، بما فيها تلك غير الاقتصادية، للمساهمة في سد النقص، وهو ما يتعارض مع التوصيات ومذكرات التفاهم بين دول العالم التي تم التواصل إليها لتخفيض الانبعاثات الكربونية الجديدة إلى الصفر بحلول منتصف القرن الحادي.

ارباك النظام
النقدي الدولي

أدت العقوبات إلى زيادة الميل العالمي لتنويع عملات تسوية المعاملات الدولية، والتقليل من الاعتماد على الدولار الأمريكي، ومحاولة استحداث منصات أخرى لتسوية المعاملات الثنائية والمتعددة الأطراف باستخدام العملات المحلية، وكذلك تقليل نسبة الدولار في سلة احتياطي العملات الأجنبية لدى البنوك المركزية على مستوى العالم. وكانت الدول المتضررة من العقوبات الأمريكية مثل إيران وفنزويلا وروسيا والصين وكوبا في طليعة تيار تقليل الاعتماد على الدولار، ومعها دول أخرى تسعى إلى تعزيز قوة عملاتها الوطنية مثل البرازيل والهند وجنوب أفريقيا. وقد أبرمت الصين وروسيا فعلا اتفاقيات ثنائية مع بعض شركائها التجاريين لتسوية المبادلات التجارية بالعملات المحلية وليس بالدولار.
وخلال زيارة لافروف الأخيرة للهند في نهاية الأسبوع الماضي (31 اذار/مارس – أول نيسان/أبريل) اتفقت روسيا والهند على البدء في تنشيط آلية جديدة لتسوية المدفوعات التجارية بديلة للدولار، حسبما ذكرت مجلة «ايكونوميك تايمز» الهندية، التي قالت أن الآلية الجديدة قد تصبح جاهزة للتعامل في أواخر الأسبوع الأول من الشهر الحالي. ومع انتشار الأنباء بخصوص الاتفاق أبدى داليب سينغ، نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي للشؤون الاقتصادية الذي كان يزور الهند استباقا لزيارة لافروف، انزعاج الولايات المتحدة من الاتفاق قائلا للمراسلين في نيودلهي أن الولايات المتحدة لا تريد أن ترى اتفاقا بين الهند وروسيا من شأنه أن يهدد الدولار الأمريكي، وأن ينقذ الروبل ويعيده إلى الحياة بعد هبوطه الكبير. وقال سينغ أن الولايات المتحدة مستعدة لمساعدة الهند في تنويع مصادر الطاقة والاعتماد على الوقود غير الكربوني، وذلك في محاولة لدفعها إلى تبني سياسة تقليل الاعتماد على النفط الروسي، الذي يشكل أهم مصادر الطاقة المستوردة في الهند. بصيغة أخرى فإن جوزيف بايدن أرسل سينغ إلى نيودلهي في محاولة لممارسة ضغط على الهند لتقليل الاعتماد على روسيا في إمدادات الطاقة على غرار ما يفعله مع ألمانيا.
ويتعرض الدولار منذ ظهور اليورو لمنافسة شديدة في سوق تسوية مدفوعات التجارة العالمية، حيث استحوذ اليورو على نحو 20 في المئة من احتياطي البنوك المركزية، كما يتعرض الدولار أيضا لضغوط قوية كعملة احتياطي دولي آمنة. وقد خسر خلال العقدين الماضيين جزءا كبيرا من مكانته كأكبر عملات الاحتياطي الدولي ليتراجع حجم الاحتياطي بالدولار من أكثر من 70 في المئة عام 1999 إلى أقل من 60 في المئة في العام الماضي، وذلك طبقا لورقة بحثية أخيرة أصدرها صندوق النقد الدولي في أواخر الشهر الماضي.
وتقف وراء تراجع مكانة الدولار، مع أنه ما يزال حتى الآن العملة العالمية الرئيسية، عدة عوامل أهمها انخفاض معامل الأمان السياسي بسبب العقوبات، وتراجع مكانته كعملة استثمار نظرا لانخفاض العائد عليه، إضافة إلى ميل محافظي البنوك المركزية ورؤساء صناديق الاستثمار إلى تنويع محافظهم المالية، تجنبا للمخاطر وسعيا لتحقيق الأمان وارتفاع معدل العائد. وقد لاحظت الدراسة أن معدل التحول من الدولار إلى عملات أخرى يظهر استحواذ اليوان الصيني وحده على 25 في المئة من معدل التحول عن الدولار، بينما تحصل العملات الأخرى جميعا بما فيها اليورو والين والاسترليني وغيرها على نسبة 75 في المئة. ومع أن الدراسة تظهر ارتباط نمو معدل التحول عن الدولار بعوامل اقتصادية بحتة مثل قوى السوق، وأسعار الفائدة، واتجاهات نمو التجارة العالمية، فإننا لا نستطيع إغفال تأثير تأثير العقوبات الاقتصادية التي تتوسع الولايات المتحدة في استخدامها لتحقيق أغراض سياسية. وقد درس كاتب هذا المقال تأثير العقوبات على التنمية في كل من ليبيا والسودان والعراق في دراسة نشرها مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في مصر عام 1997 وأظهر كيف أن تلك العقوبات أعاقت التنمية إلى درجة أننا نستطيع حتى اليوم أن نتتبع تأثيرها الممتد في كل القطاعات تقريبا، وأن نفسر لجوء حاكم مثل صدام حسين إلى تحويل معظم الاحتياطي النقدي لبلاده إلى ذهب، تمت سرقة كميات كبيرة منه بواسطة القوات الأمريكية التي احتلت العراق عام 2003.

زيادة تكلفة التمويل

وقد تسببت الحرب الأوكرانية حتى الآن في هبوط أسعار الأسهم وانخفاض السندات، وانتشار موجة من إعادة التقييم الائتماني لعدد كبير من الدول، أسفرت عن تخفيض جدارتها الائتمانية، ومن ثم ارتفاع تكلفة حصولها على التمويل الخارجي وعلى رأسها روسيا، وارتفاع أسعار الخامات والسلع الأولية والزراعية والغذائية. وارتفعت تكلفة التمويل بشكل عام لكل تلك الأسباب في سوق السندات السيادية حيث قفز العائد على سندات الخزانة الأمريكية بنسبة 20 في المئة من 1.5 في المئة إلى 1.8 في المئة، وهو ما أدى إلى موجة هروب من الاستثمار في السندات السيادية للدول النامية وانخفاض أسعار مؤشرات أسعارها بنسبة 5 في المئة في المتوسط، مما تسبب في صدمات اقتصادية قوية طالت دولا عربية مثل مصر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية