العلاقة بمسودّة الكتابة: كُتّاب يمنيون يروون الحكاية

أحمد الأغبري
حجم الخط
1

صنعاء ـ «القدس العربي»: تختلف علاقة الأدباء والكتاب بمسودة الكتابة؛ فبعضهم لا يسود ما يكتب، إذ يكتبون نصوصهم لمرةٍ واحدة، بل لا يحتاجون إلى أي تهذيبٍ أو تشذيب لما يكتبون، باستثناء التدقيق اللغوي؛ وبالتالي لا تحتاج كتاباتهم لما يعرف بالتبييض، ومنهم من يسود ثم يبيض ما كتب، سواءً ورقياً أو إلكترونياً…فكيف هي علاقة الكاتب بالمسودة، لاسيما أن بعض المسودات لا يستكمل تبييضها وتبقى ضمن محفوظات الكاتب، فلا تستكمل ولا تنشر؟ وما قيمة المسودة للكاتب والكتابة؟ وإلى أي مدى أثر الحاسوب في التعامل مع المسودات وفي العلاقة بالكتابة؟

من أشهر الكتاب العرب الذين يكتبون أعمالهم مرة واحدة عبدالعزيز المقالح، الذي مازال على علاقة وطيدة بالورقة والقلم، وكذلك كمال أبو ديب وغيرهما… وبالتأكيد أن هؤلاء يرجعون لما كتبوا لكن تدقيقاً وتصويبأً لغوياً، وهؤلاء يكونون ـ بلا شك – قد اكتسبوا خبرةً ومراناً مع الكتابة، التي باتت شاغلهم. وبعضهم يترك المسودة ويعود إليها في وقت آخر ليكملها، أو ليعيد كتابتها تشذيبًا وتطويراً، وأحياناً ليكتب مسودةً أخرى، وبعض المسودات يرفض كتابها نشرها لمحاذير معينة، وأحيانًا لعدم رضا، أو لانسداد أفق رؤيتها، وتبقى المسودات محفوظة، وبعضها يكون بذوراً لموضوعات ونصوص أخرى في المستقبل، وفي كل ذلك تختلف العلاقة بالمسودة على صعيد أدواتها، كالورقة والقلم أو الحاسوب أو كليهما معاً… لنتعرف عبر «القدس العربي»، إلى ما قاله بعض الكتاب اليمنيين عن تجاربهم مع الكتابة والمسودة:

الورقة والقلم
همدان زيد دماج ــ روائي

ما تزال المسودة لصيقة بما أكتب، ولا أتذكر أنني كتبت نصاً أدبياً دفعة واحدة، حتى إن كان قصيراً جداً. والحق أن الأمر ليس متعمداً بقدر ما هو طبيعة أو سليقة كتابية، وهي بالتأكيد تختلف من كاتب لآخر، كما تختلف الطرائق أو الطقوس الكتابية. ومن عاداتي في الكتابة التي لم تتغير حتى الآن، استخدام الورقة والقلم في كتابة الأفكار، أو النصوص الأولى، أو التخطيط الذهني، سواء للأبحاث العلمية أو النصوص الأدبية على حد سواء. وهي عادة أحرص عليها قدر المستطاع، ذلك أن استخدام الكومبيوتر يفرض نفسه في بعض الأحيان من المراحل الأولى وحتى النهائية في عملية إنتاج النص.
وفي هذا الصدد أتذكر في عام 1993 عندما ذهبت إلى بريطانيا أول مرة لدراسة اللغة الإنكليزية قبل الشروع في دراستي الجامعية، كيف أندهش صديق يوناني كثيراً، وأنا أحكي له أن والدي (الروائي اليمني الراحل زيد مطيع دماج) كتب أعماله المنشورة مستخدماً الورقة والقلم من البداية وحتى المسودات النهائية. كان الأمر يبدو له غريباً، وكنت أنا حينها مستغرباً اندهاشه، قبل أن أعرف أن معظم الكتاب في الغرب كانوا قد تخلوا عن الورقة والقلم، واستخدموا الكمبيوتر، ومن قبلها الآلة الكاتبة في إنتاج أعمالهم.
شخصياً احتفظ بمعظم المسودات الأولى التي بخط اليد، ولا أتخلص منها، كتلك المسودات التي تمت طباعتها بالكمبيوتر، لأنني عادةً ما أجد فيها روحاً أخرى للنص في لحظة ولادته، وهي الروح التي قد تشكل نصاً مغايراً بذاته لم يكتبْ له القدر أن ينشر، كما أجد في تلك المسودات أفكاراً لمشاريع كتابية أخرى. ومع ذلك، وفي آخر المطاف، ينحصر استخدامي للورقة والقلم في المراحل الأولى لتشكيل النص أو خلق الفكرة، أما النص نفسه (روحاً وشكلاً) فلا يتحقق إلا بعد أن يتشكل على هيئة حروف على شاشة الكمبيوتر، لتبدأ مرحلة البناء ثم التنقيح، ومن ثم الإنتاج النهائي للنص.

في أحايين أكتب النص مرةً واحدة، ولكل لحظةٍ شعرية امتدادات ومحطات وقوف بالطبع، لا أتقيد، غالباً، بطقسٍ معين عند كتابة النص، وقد تأتي الكتابة الأولى للنص كمسودةٍ نهائية، غير قابلة لخربشة اللغة

فعل حرية
محيي الدين جرمة ـ شاعر

في أحايين أكتب النص مرةً واحدة، ولكل لحظةٍ شعرية امتدادات ومحطات وقوف بالطبع، لا أتقيد، غالباً، بطقسٍ معين عند كتابة النص، وقد تأتي الكتابة الأولى للنص كمسودةٍ نهائية، غير قابلة لخربشة اللغة، وأجد أن من ضمن حالات التجريب لديّ، انفتاح اللحظة على خيارات؛ إما مواصلة الكتابة حتى الانتهاء فنياً من إعلان ولادة نصٍ جديدٍ مكتمل وغير مشوه، أو التوقف الاضطراري إذا ما ألفيت أن ثمة ما يدفع إلى الإقحام، فأضع الورقة والقلم جانباً، وأشرع في قراءة كتابٍ، أو مشاهدة وتأمل منظرٍ طبيعي. الكتابة كما أرى، هي فعل حرية، لا إقحام، ولكل كاتبٍ رؤية، وقد تجد البعض ربما أن لهم طقوسا شبيهة بالتعلق بالخرافة أو الدروشة في طرائق عفا عليها الوقت، لكنني مازلت، على الرغم من استخدامي القريب من «سطح المكتب» والتعلق بصفحة «الوورد»، ما زلت أحن كثيراً، بل أؤمن بأن لحظة الكتابة على الورقة، مختلفة ولها مذاقٍ خاص، ويشي بارتياحٍ نفسي وبصري، ما يمنح اللحظة الشعرية، نكهةً، والخيال رائحة، إذ يتبدى فضاء الورقة فراغاً جميلاً، وبالخصوص الورق غير المسطر، ذلك أن السطور الممتدة في قائمة البياض غالباً ما توحي بقضبان، وقد تقيد حرية الكاتب نفسياً، ويشعر بعدم ارتياح… بمثل ما تكون الحال عند قراءة الكتاب الورقي والشعور إزاء ذلك بدفء خاص، ويفتح أفقاً في التلقي.
اليوم غدا اللمس نظرية في الكتابة والرؤية التفاعلية أو المشاهدة، لكن ذائقة اللمس ذاتها تحتاج إلى مسامٍ مدربة على ألفة الثقافة والمعرفة، حيث اللمس يفضي إلى عالمٍ في عوالم شتى، والعالم بأفق اللمس كنص ما بعد ما بعد حداثة، غدا هو الفلسفة الرقمية التي همشت الفلسفة ذاتها، كأم رؤوم للعلوم الإنسانية، في ظل سيادة وهيمنة ثقافة الصورة، وتأثيرات الكتاب الرقمي، والمفردات الجديدة في اصطلاح الرواية الرقمية أو شعرية العالم اليوم، حيث غدا الأخير كتابا متعدد الأوجه في التواصل والاتصال وتأثيراتهما، فالعالم، اليوم، شاشة كبيرة.

المزاج والطقس
عبدالرحمن مراد ـ ناقد وشاعر

بالنسبة لي إذا كتبت نصاً إبداعياً أكتبه لمرةٍ واحدة، ثم أقوم بتهذيبه وتجويده حتى يستقر بالي على صورته النهائية، ثم اتخلص من مسوداته الأولى، بعد أن أقوم بتبييضه في صيغته النهائية. أما بالنسبة للمقال أو الدراسات فأقوم بالكتابة لمرة واحدة فقط، وكنت قبل سنين معدودة لا أتعامل إلا بالكتابة على الورق بالنسبة للمقال والدراسات، واليوم أكتب بشكلٍ مباشر على جهاز الكمبيوتر، أما النص الإبداعي فمازالت علاقتي بالورق والقلم، وأجد متعة في ذلك لا تضاهى عند المقارنة بالآلة. قيمة المسودة تختلف من كاتبٍ لآخر، وهي تعتمد على المزاج وعلى العادة والطقس، بالنسبة لي اتخلص من المسودة حال أن استقر نفسياً وذهنياً على الصوغ النهائي للنص. الحاسوب أصبح معيناً للكتاب في توفير الكثير من الجهد والوقت في كل الجوانب، واعتقد أن مضمونه يستند إلى العادة والمزاج، وعلى الجانب النفسي والطقس الذي يعتاده الكاتب.

التقاط الفكرة
ريان الشيباني ـ روائي

بالتأكيد، أعمل على تسويد النص، ففي العمل الذي نشرته أولاً رواية «نزهة الكلب»، استمر العمل على النص ما يقارب السنة، أما في ما يخص رواية «نادل» التي هي في طور التسويد، فعملت عليها ثم تركتها ما يقارب السنة، ثم عدت لها، وما زلت أعمل عليها حتى اليوم. وبخصوص تجربتي مع الحاسوب فنعم؛ استخدمت الحاسوب في كلا العملين، لكنني بين وقت وآخر أخرج مسودة العمل ورقياً، واشتغل عليها، ثم أسقط التعديلات على العمل المطبوع بالكمبيوتر. في اعتقادي أن أثر الحاسوب على الكتابة -بالنسبة لي على الأقل – إيجابي، فهو يسرع من وتيرة التقاط الفكرة، كما إنه يحد من عملية الإهلاك التي تتطلبه الكتابة على الأوراق.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية