هذا كتاب فاتن للباحث والأديب الشاب محمد شحاتة العمدة، صادر عن سلسلة الدراسات الشعبية في الهيئة العام لقصور الثقافة منذ أسابيع.
الكاتب شاعر وروائي وباحث في الثقافة الشعبية والأنثروبولوجيا حاصل على جائزة الشارقة للإبداع العربي عن رواية «أم العنادي» عام 2018. وأيضا حكواتي يشارك في المهرجانات بالحكي الشعبي في مصر وغيرها، مثل المغرب.
ومن مؤلفاته «طرح البحر- دراسة في الأنثروبولوجيا الزراعية» و»أغاني النساء في صعيد مصر» فضلا عن أكثر من ديوان بالعامية المصرية.
هذا الكتاب يرصد التغير الثقافي بوجهيه المادي والروحي في العمارة الشعبية في صعيد مصر. جاء الكتاب نتيجة بحث عملي على الأرض في مركز البداري ـ وهو موطن ولادة الكاتب – أحد المراكز الشهيرة في محافظة أسيوط والقرى التابعة للمركز. لكن بعد قراءته تكتشف أن ما جرى هناك جرى تقريبا على كل قرى مصر في الجنوب – الصعيد – الشمال ـ الدلتا- هو دراسة أنثروبولوجية بامتياز، يبدأه المؤلف محمد شحاتة العمدة بتقديم صغير عن المعنى العام للعمارة، الذي يتسع بعيدا عن البناء إلى معنى «العَمَار» أي وجود أهل المنزل في بيوتهم، ما يضفي الروح على المكان، ويجعله كائنا حيا. ثم حديث سريع عن متى عرف المصريون بناء المنازل في عصر ما قبل الأسرات الفرعونية، باعتبار مصر بلدا مستقرا بسبب النيل والزراعة. بالمناسبة حصل المؤلف منذ أسابيع على دكتوراه الفلسفة في الأنثروبولوجيا عن رسالة عنوانها «أثر التغير الثقافي على رواة الحكاية الشعبية في مراكش وتارودانت». في كتابه الجديد يشرح لنا في الفصل الأول ما يفعله الباحثون من الهدف من الدراسة، وكيف تمت، لكن المهم هو أن البحث الميداني حدث في سنوات 2009- 2018 .
بسرعة ننتقل إلى الفصل الثاني عن مركز البداري في عصور ما قبل الأسرات والعصر الحديث. لقد كانت مركزا لحضارتين من أقدم الحضارات في الألف الخامس قبل الميلاد، فهي مدينة ضاربة في القدم تصل في تاريخها إلى ثلاثة عشر ألف سنة في بعض التقديرات.. ثم تبدأ الرحلة مع عمارة البداري، فيتحدث عن عمارة المسكن مثل الأكواخ المصنوعة من البوص والأخشاب، وخيام من الجلد والحصير، ثم عمارة القبور، وكيف كان الميت يوضع رأسه ناحية القرية وبجواره تماثيل لنساء يعتقدون أنها تعوضه عن زوجته، وأحيانا يجدون رأسه على مخدة تعبيرا عن النوم.
كثير من التفاصيل في الكتاب عن شكل العمارة قديما وحديثا، يضيق عنها المقال، لكن الكتاب توثيق رائع لهذه التغيرات كلها، ولا ينسى المؤلف أن يذكر أسماء من لجأ إليهم من الناس العاديين، وهناك طبعا غيرهم رفضوا أن تذكر أسماؤههم فهذا خجل أهل الصعيد البسطاء.
ومن أهم الحرف الفخار والحصير، ويعود ليفصل أشكال العمارة الشعبية القديمة من منازل بالبوص، فلا تحتاج لخامات أخرى كثيرة، ويستخدم فيها أعواد الذرة ونبات الغاب وأجزاء من جذع النخلة، وما كان يستخدم في ذلك من فأس للحفر ومنجل لقطع زوائد القصب وغيرها، وطريقة بناء المنزل الخوص جدرانه وسقفه، ثم منازل الطين وهي الأكثر شيوعا، وتستخدم من تراب الأرض الزراعية، ومعها تبن سيقان القمح. والطين هنا هو الطين اللبن وتكون أعلى من منازل البوص التي يسمونها «السَبَاتَة» وكيف في منازل الطين اللبن يتركون الجدران شهرا كاملا حتى تجف وتتماسك، ثم يبدأ بناء السقف بجريد النخيل مربوطا بحبال الليف والمسامير. المنزل يقسم إلى أماكن ويمكن أن يكون له سلم لطابق أعلى وتكون له فتحات تهوية واضاءة «شبابيك» وللمنزل الطيني مصطلحات مثل «الطوف» ويطلق على الحائط الذي تم بناؤه من الطين و»التلييس» وهو وضع طلاء الطين الطري «الماهي» على جوانب الحائط لزيادة صلابتها، و»المعجنة» أو «البربيط» وهو المكان المخصص لعجن الطين المستخدم في البناء. لقد وقع التغيير على البيوت، فصارت من الطوب الأحمر والخرسانة المسلحة، التي صارت تنتشر بشكل كبير على حساب الرقعة الزراعية وضد القانون، لكن أصحاب المباني وجدوا طرقا للتحايل على القانون، مثل أن يبني أحدهم مسجدا في الطابق الأرضي ثم يعلو البناء ـ بالمناسبة كان هناك قانون صدر أيام السادات بإعفاء من يبني مسجدا من المخالفات في البناء، وتم إلغاؤه أيام مبارك لكن العرف مستمر ـ من الناحية الأخرى ساعد توصيل الخدمات للقرى من مدارس ووحدات صحية وكهرباء ومياه في مواسير، ورصف الطرق، في التحول في البناء فلم تعد هناك حاجة للمبات الجاز، ولا الزير للمياه، ولا القلل، فهناك الآن ثلاجات، خاصة أن السفر للخليج وغيره وفر أموالا لذلك، لكنه يستمر يشرح شكل البيوت القديمة بما فيها من سكن للماشية، وشكل بنيَّات الحمام وأبراج الحمام القديمة، والمنضرة للجلوس، ودوار العمدة لاستقبال كبار العائلات أو رجال الدولة، وكيف كان قديما وحديثا.. ثم تأتي النهاية الروحية بعد هذا الحديث المهم عن الثقافة المادية للعمران وتغيرها، فنجد شيئا من المعتقدات الشعبية المرتبطة بالمنزل القديم مثل، رش الملح أثناء بناء الجدران خشية للجن والعفاريت، أو لصق أحجبة على الجدران بعد البناء للوقاية من العين والحشرات بمفردات أشبه بالسحر، أو يتم تعليق قرون الأضاحي في الأعياد على واجهات المنازل لتجلب البركة. ويتم طلاء البيوت من الخارج مع عودة الحجاج ورسم جداريات الحج مثل الكعبة والجمل والطائرة والسفينة، وحين يموت شخص في ثأر تضع النساء الطين «النيلة» على جدران المنزل من الخارج دلالة على الفاجعة والحزن، وفي العرس يتم تنظيف المنضرة وتجهيزها أحسن تجهيز لاستقبال الضيوف، وتكون مثار الحديث بعد الزفاف.
الجانب الجميل في الكتاب أيضا فضلا عن البحث النظري، هو عشرات الصور لكل ما يتحدث عنه قديما وحديثا. من البناء إلى أدوات الطبخ وصناعة الخبز إلى أدوات السكن إلى المقابر وغيرها كثير جدا، بحيث صار الكتاب محفلا مصورا للقديم والجديد.
في النهاية يدخل في جانب مهم من الثقافة الروحية وهو الأغاني والأمثال المرتبطة بالبناء القديم، التي ما زالت فاعلة، فمن أغاني العرس «يابت م السطح إدَّلي.. شايفك أنا واقفة تملي.. عاملة الولد بيحبك … وهو غيرك مامخلي.. يابت من السطح إدلي» فالسطح مكان لتلاقي الأحبة، أو مع موسم القمح والزواج الكثير «ياقمح السنة دي مايل ع الحيطان.. البنات عايزة تتجوز والقاضي راح اللومان» وتعني أن خير القمح كثير، والحبوب مالت على الحيطان، ما يبشر بزيجات كثيرة، والقاضي لم يعد قادرا على أعداد الزواج، أو «ياللي ع الترعة حَوِّد ع المالح.. حاسب على بيتنا بانيينه امبارح» وتعني البيت تم بناؤه حديثا استعدادا للزواج. أما الحزن فله أغان كثيرة مرتبطة بالفراق مثل «أنا داخلة والباب خد وشي.. مافيش حبيبة تقول لنا خشي» أو «أنا داخلة والباب خد راسي.. مافيش حبيبة تقول لنا طاطي» فهنا ماتت الأم ولا يستقبل البنت أحد يرحب بها أو ينبهها بخفض راسها حتى لا تصطدم بشيء والباب هو البيت، أو «وانا داخلة قال لي الخشب ردي.. حبيبتك مشيت على مين حتخشي» وغيرها كثير لكل المناسبات. أما الأمثال الشعبية فكثيرة منها «عامل زي الطين الماهي لا يسد ولا يليس» والطين الماهي هو الذي تزيد فيه نسبة المياه كثيرا، بحيث لا يصلح لوضعه على جدران المنزل، أو «مثل ماعون المش ما ينضح عسل» أو «ما تضيق الزريبة إلا على الحمارة الغريبة» أو «مسمار في الحيط ولا جاموسة في البيت» وهذا المثل يعبر عن أهمية امتلاك بيت عن ملكية الماشية. كثير من التفاصيل في الكتاب عن شكل العمارة قديما وحديثا، يضيق عنها المقال، لكن الكتاب توثيق رائع لهذه التغيرات كلها، ولا ينسى المؤلف أن يذكر أسماء من لجأ إليهم من الناس العاديين، وهناك طبعا غيرهم رفضوا أن تذكر أسماؤههم فهذا خجل أهل الصعيد البسطاء.
روائي مصري