استطاعت الفنانة عالية الفارسي أن تعكس ما تحمله من تقنيات جديدة في تشكيل مواد فنية مستقاة من الواقع الشخوصي، للتدليل عن آرائها وتصوراتها وفلسفتها في التعبير بالشخوصات، على نحو من الانزياح عن المعتاد، إذ تُبدي قدرتها الفائقة في توظيف الشكل الانطباعي على عدة مناح، منها التكوين والأداء التشكيلي والتقنيات، والتعبير بما تحمله كل هذه الشخوصات من مفاهيم وأفكار ورؤى تتجسد في التقنيات التي تستعملها لبعث القيم الفنية والجمالية في الشكل. فهي التي تُجسد كل مقومات المادة التشكيلية المتكاملة والمتناسقة في مختلف المضامين التي تنفذ إلى الأعماق، والتي تتضمن القيم الفنية والاجتماعية، موظفة من خلال الإشارات التي تحتويها أعمالها: الأيقونات والمؤشرات التي ترصد العلائق المختلفة بين الدوال والمدلولات، تحضُر في أعمالها الإبداعية التي تؤسسها على البعد التقني والجمالي، عن طريق إخضاع المادة التشكيلية للتصورات الجمالية، مؤوّلة البورتريهات والشخوصات، برؤيتها الانطباعية والفنية والتشكيلية إلى منتوج بلاغي جديد، حيث تنطلق من شكل معيّن ومركَّز، إلى التحريف والانزياح وتقصّد المضمون، وفق مسالك فنية، تجعلها تُعيد تأسيس الشكل الشخوصي، وتعطيه أبعادا ودلالات أخرى، تسمح لها بالانفصال عن الشكل الواقعي، والارتماء في الشكل الشخوصي الفني على نحو من الجمال، لتمنح القارئ فرصة قراءة فنية أخرى، في أبعادها الجمالية والتشكيلية، بما تكتنزه من معاني بلاغية ومضامين فلسفية.

وللتدليل على ذلك، تستنطق الشكل، بصياغة محتوى الشخوصات والبورتريهات في حلة فنية، تحتوي جهازا مفاهيميا وتعبيريا ومساحة بلاغية، وهذا طبعا يتأتى بقدرات عاليه الفارسي وموهبتها في الإبداع والابتكار وبعث الجديد، لأن جهودها الفنية تتفاعل مع الواقع في مختبر المادة الفنية، بتفاصيله وحيثياته التي ترسخت في تصوراتها، لتنسُج منها مواد شخوصية، تضع القارئ أمام عوالم فنية وجمالية استطاعت بمهارتها أن تُشكّلها بروح فنية عالية، لتنتج منها مواضيع رمزية، إلى أن تكتمل الرؤية التي تقود أعمالها الفنية إلى التعبير الدقيق بعمق فني وثقافي واضح المعالم. والظاهر في هذه التجربة، هي تلك الرؤية الجمالية التي تحملها أعمالها في بعدها الدلالي، إذ تصنع مساحة فنية تغشي المضامين، لكن وحدها الرؤية البصرية النقدية تستطيع تخبير محتويات أعمالها، والكشف عن فنية المبدعة وابتكاراتها التي غالبا ما تقودها إلى الأشياء الخفية في الشخوصات. فغالبا ما تضع أشكالا خارجة عن المألوف في وضعيات مختلفة، دالة على معنى معين، باعتبارها المادة التشكيلية ذات الجهاز المضاميني والمنبثق من المفاهيم التي تعود إليها كل أشكال الشخوصات، فتجعل القارئ يغوص في رحلة فلسفية بين الشكل الحقيقي والشكل الفني، لتشغيل حواسه، وللوقوف عند الرؤية الفنية المختبئة وراء هذه الأعمال، والوشائج التي تجمع بين عناصرها التشكيلية ومفرداتها الفنية ذات العمق الفضائي الذي يحتوي الشخوصات التخييلية القابلة للتأمل، ومحاولة العبور إليها بأسلوب فني ممنهج، يفسح المجال لتوظيف المهارات الفنية والتقنيات العالية، ما يخدم الأهداف التشكيلية ذات الدلالات والمغازي العميقة. لتختلف الشخوصات والبورتريهات كليا عن الشكل الواقعي وعن العمل التشكيلي العادي، لما تحتويه من ماورائيات وإشارات وعلامات وإيحاءات، لها تأثيراتها الخاصة ومعاييرها الجمالية النوعية.

أعمال الفارسي تضع فنها في مصاف الفن المعاصر، فاشتغالها على مواضيع شخوصية متنوعة بما تطرحه ريشتها من إشكاليات فلسفية مختلفة تصب في القيم الفنية والجمالية، فهي تتجه إلى الشخوصات بكل تفاصيلها الغامضة. فتتبدى مفرداتها حاضرة في غالبية منجزها الفني. ويمكن أن نقول إنها تمتح مقومات أعمالها من أسلوب يتأسس على الحيادية والدقة العالية والتقنية الكبيرة في معالجة الشخوصات، فتشكل فنها وفق المؤثرات الشكلية والوعي بمستويات اللون المطلوبة التي تتناسب ورُؤاها المعرفية وحسها الإبداعي. وهي بذلك تنطلق من الواقع لتنوع الأساس الشكلي بأسلوب يخدم رؤية مشدودة بعبَق المعالم الاجتماعية والثقافية والفنية والجمالية والإيحائية والدلالية، فتغوص في حضرة الفن التشكيلي الذي لا يكتفي باستدعاء المادة، والاشتغال عليها؛ وإنما يتجاوز ذلك إلى كل ما هو رمزي وعلاماتي وتعبيري وإيحائي ودلالي، اعتبارا لخلفيته السنادية، التي تُدللُ على وعي الفنانة بأعماق ما تكتنهه المادة الشخوصية الغامضة، سواء من حيث المجال الجمالي الذي يرصد السمات الفنية العديدة التي تتوفر عليها أعمالها التشكيلية، أو من حيث صنع الإيحائية لديها، التي تنبني على التوازن وعلى عدة مقومات جمالية تخص الفن التشكيلي؛ إذ تُبدي سحرية الأداء، وتكشف عما تخبئه أعمالها من محمولات جمالية تزخر بالتأويل ذي الدلالات المفتوحة، وفقا لما تُشكله من طلاء لوني وضربات تتميز بالدقة والعناية الفائقة في مساحات متنوعة، تتبدى للقارئ ما لم يكن في استطاعته رؤيتها بذلك الشكل. وهذا يعد ملمسا جديدا وإبداعا مميزا في أسلوب المبدعة التي ترصد في أدائها الفني التعبيري العلاقة القويمة بين الإيحاء والمضامين، وفق المرجعيات المنبثقة من الواقع، لتشحن أعمالها التشكيلية بنبرات رمزية ودلالية، تنم عن خيالها المنفتح على مستوى التكوين والإضاءة، وهو ما يجعل أعمالها تنطق بمعاني ودلالات متعددة، غنية بالإشارات في سياق وشائج قائمة بين ما تحمله المضامين والمادة الجمالية في علاقةٍ تُرسخ جانبا من التداخل بين العناصر المنفصلة بكل ما تحمله الإشارات من تشعبات دلالية وتأويلات تميز في عمقها الخطاب التشكيلي الشخوصي، للتعبير عن العالم البديل.
كاتب مغربي