فلسفة الحفر في المناطق الوسطى في أعمال يوسف الرواحي

فن النحت Sculpture واحد من أقدم الفنون الذي ارتبط وجوده بالحياة الأولى للإنسان، ولصيق به وبأغراضه الحياتية ولا يمكن عزله عن الغرضية الحياتية للإنسان القديم، فالنحت هو صنيعة حرفية ترتبط بحاجات الإنسان، بدءا من صناعته للآلات التي تساعده على الصيد والبناء والزراعة، ودرء الأخطار عنه. ومن ثم اتخذ النحت والنقش إحدى وسائل طقوسه الدينية، التي يحتمي بها من المخاوف والتحديات التي تواجهه، فصنع أدوات الصيد وحفر الجبال، ليسكن فيها واستعمل الطين والخشب والقصب والبردي والحجارة ليشيد بيوته وأديرته ومعابده، منذ سلالات العصور السومرية الأولى، وبعدها بحث في كل أشكال الوسائل التي تؤمن له عيشه وحمايته وتبعث الطمأنينة له، فصنع القوارير والأواني الفخارية والخزفية والأثاث وغيرها، في بدايته الحرفية النحتية، ومن ثم نقش على الجدران والمغارات والكهوف كطقوس دينية وثقافية وعملياتية.
عندما نتناول تجربة الفنان يوسف الرواحي، مع التكوين والصياغة الشكلية، فإننا نتحدث عن تجربة فنان يعي التاريخ والتراث، واطلع على الحداثة لفن النحت والرسم واتجاهاتهما، فتمكن من صياغة خطابه الجمالي برؤية معاصرة تستلهم الأثر والبيئة وتفاصيل الجمال، في مدارات حواضنه الثقافية البيئية، فهو يحاول استنطاق الحجر بأدواته ليشكل ما ينحت بصيغة فنية حداثية، فهو يحاور الحجر وصمته وصلابته وكتله، الكبير منها والصغير، في حجومه ليشكل رؤاه وأخيلته، وما تصطاده ذاكرته من مفردات حياتية، وما زخرت به الطبيعة العُمانية المتنوعة الثرية في تشكيلاتها التضاريسية والمناخية والطبيعة الخلابة.

ثمة مقاربة توافقية ينتهجها الرواحي في تشكيلاته، حين يتخذ من بنائية الشكل في تصميم منحوتاته، أو الاختزال والحذف للكتلة الحجرية، فهو يحاول الاختزال الشكلي للكتلة، وكذلك يحاول أن يكثف المعنى، دون تفاصيل كثيرة لتجعل المشاهد ينصب فكره على ثيمة واحدة.

تعد هذه المكونات التي ألهمت الفنان يوسف على إعادة تشكيلها بروح جمالية فنية مبدعة، بأعمال عدة ومتنوعة بنصبه وتماثيله النحتية، وبمختلف الحجوم، فشرب ونهل من منابع هذه البيئة المتمثلة في البحر والسهل والجبل، والبادية والبساتين الغناء، فأسس دوحته لفنية أسلوبه على ضوء ما ترسب في ذاكرته وثقافته ودراسته، لبناء مشهده التشكيلي وعطائه ومواظبة على تقديم كل ما هو إبداعي.
يحاول الرواحي أن يحاور الحجر Dialog stone من (رخام وكرانيت وأخشاب وحديد) فينشئ علاقات حوارية بين أفكاره وخاماته ليجسد مجسمات شكلية في أبعادها الثلاثية، لتعطي منظرا ومشهدا مرئيا جاذبا للمشاهد بتلقائية وعفوية، من خلال الشكل والمضمون، فهو لا يعتمد على التعقيد الشكلي والموضوعاتي للقطعة النحتية، لهذا تأتي أعماله سلسة الفهم وغير معقدة، وتتلمس بساطة التشكيل فيها، عميقة الهندسة في إخراجها وتأنقها وزواياها البعدية المنظورية، فيحاول أن يعطيها منظرا ثلاثيا تجسيميا 3D stereoscopic view في زوايا النظر، وهنا يكمن سر إبداعه لأنه يعي هندسة الأشكال لاعتماده على أسلوب يجمع بين التجريد والتعبير واللعب في المناطق التي تجمع بينهما، فيعطي للتجريد موضعه ولمسته في العمل، من خلال الخطوط والقوائم وتكعيباته والمستويات التي تحدد أشكاله ومن بعد ذلك، يصيغ الشكل النهائي لتجريده، فيخرج شكلا معبرا عن (قلعة أو حصن أو منظر أو أي مفردات فنية أخرى) فهنا الحوارية المنشأة بين هذين الأسلوبين المتمثلين في الشكل الهندسي التجريدي وثيمته التعبيرية، التي أفصح عنها بعد اكتمال عمله.
ثمة مقاربة توافقية ينتهجها الرواحي في تشكيلاته، حين يتخذ من بنائية الشكل في تصميم منحوتاته، أو الاختزال والحذف للكتلة الحجرية، فهو يحاول الاختزال الشكلي للكتلة، وكذلك يحاول أن يكثف المعنى، دون تفاصيل كثيرة لتجعل المشاهد ينصب فكره على ثيمة واحدة، دون تشتت، فهو يعطي المشاهد لأعماله فرصة التمتع والاهتمام بأسلوبه وتكويناته الشكلية بادئ ذي بدء، قبل اهتمامه بمغزى ومعنى ثيمة العمل، لأن البحث عن الفهم للمادة المعروضة قد يتشكل داخل حالة اللاوعي Subconscious state للمتلقي، خاصة من خلال خوضه في جماليات الأثر والطبيعة، أو الفكرة الذاتية المجردة Abstract Self Idea التي تعبر عما يجول في خاطر الفنان من هواجس نفسية وعاطفية وفكرية لحظوية، أو ما تختمر في وجدانه من أفكار وانفعالات قد سبقت الحدث الشكلي وزمنيته الآنية.

الخامة المعدنية الصماء الصلبة، وما تخفيه من طاقات تعبيرية تفجر لدى يوسف طاقته التعبيرية وانفعالاته Expressive energy and emotions والخامة تشكل تحديا له، وهناك صراع خفي بينه وبين الخامة في تطويعها وتهذيبها بتقنياته وأساليبه، ليجعل منها كتلة ناطقة بالجمال بدلا من صمتها، لذا فهو قادر على أن يجعل من هذه الكتلة الحجرية طينة لينة تستجيب لدوافعه ومراميه ومتنفسا له كفنان متطلع وطموح وحالم ليضع تكويناته وأعماله، لتحتل مكانا لها في الساحات والحدائق والواجهات ومداخل وأروقة الأبنية، لما تتمتع به من حداثة الصنع والحرفة وجمالية التكوين .
العمل النحتي لدى الرواحي، ظاهرة تجريدية تعبر عن الروح والهيام والمحاكاة، فهو يجسد منحوتاته كالطيور والورود والجسد الإنساني، أو الأثر العمراني، من خلال بواباته وواجهاته وحروف اللغة كتجريدات ناطقة وليست صماء، فهي إيحائية تهدف إلى لفت نظر المتلقي واستفزاز ذاكرته وحدسه، ومدى التعالق بين الذاكرة الحية والذاكرة المدفونة، لإيقاظ معالم الجمال في الطبيعة العمانية، وكذلك لإنشاء نص شكلي نحتي تجريدي abstract أو سيمائي Simology وتعبيري expressive للمكنونات الشخصية للفنان ومعارفه وثقافته ووعيه، فهو فنان حالم ومهووس لتكوين علاقات بين الأحجار والمعادن والطبيعة الخضراء والفضاء المكاني للدلالة على عمق الارتباط بين الوجود المكاني بتنوعاته، والإنسان منذ القدم وآنيته التاريخية، لذا تجد (طائر الفلامنكو والوردة والمرأة والحروف والسلم الموسيقي والأبواب والواجهات والأثر والشعلة ) هي مواده المعرفية، وثيمته الثقافية والملهمة له، فشكل منها نصوصا وتحفا شكلية نحتية في مختلف الأساليب النحتية والحجمية، فتراها شاخصة كأعماله، كذلك جسد نحوتا، مثل انسجام ونغمة وحرف وعلامات.
الخطوط الهندسية من خلال القوائم المتعامدة وقواعدها وشدة الضوء المسلط عليها أو المظللة Shaded المعتمة أحيانا، هي لغة النص الشكلي التي خاض فيها بالحذف والاختزال By deletion and shorthand للكتل الصماء، أو ركّب أجزاءها بشكل هندسي، وهذا ما نلاحظه في أعماله (تعايش وبوابات وألفة) فالفن النحتي لديه هو لمحة بصرية A visual glance وشيفرة مختزلة للمعنى، فهو لا يؤمن بالاستغراق، بل يعتمد على الومضة البصرية في التشكيل، فيخرج ويصمم منحوتاته بطريقة الفيديو كليب المرتكزة أساسا على اللمحة السريعة، كأنها لمحة برق وومضة غمام، وهذا بطبيعة الحال يدل على أن الفنان الرواحي يوسف، يتبنى في تصوراته ورؤاه التعبيرية للأسلوب الحداثي وما بعد الحداثي في أعماله وعدم الركود في تجربته بالنقل، والمحاكاة للمشاهد الواقعية ومقاربتها تقنيا وشكليا وفكريا، بطرق تقليدية وشائعة بالفن النحتي.
يتنقل الرواحي بين الهندسة التكعيبية الشكلية Cubist Geometry Modular Geometry ويحرص لخلق مشهد مرئي بعدي، في زوايا النظر لأعماله، فيترك المشاهد النظر إلى أعماله من أي زاوية يرتئيها دون أن تفقده فرصة المتعة لكليّة العمل، فأينما يقف سيمتثل المنظر الكلي لنحوته دون تجزئة أو مقطعية، خاصة أن بعض أعماله يستغل فيها كل جهات الكتلة ليشتغل عليها، سواء كانت واجهتها الأمامية أو الخلفية ومستوياتها العمودية والأفقية، بل حتى قاعدة الكتلة النحتية، لم يتركها تؤدي وظيفة استناد وقاعدة يرتكز عليها الشكل وحسب، بل يحاول أن يجد تعالقا واتصالا بين الكتلة القائمة وقاعدتها، فيشتغل على القاعدة كذلك بالحفر والحذف والإضافة، لتنسجم وتتناغم مع المشهد الكلي للعمل.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية