هذا كتاب يجمع بين الفن والسياسة والتاريخ والأدب والدين. تاريخ العمران منذ العصور القديمة عند المصريين القدماء، وتستمر معه إلى عصرنا الحالي. في الوقت الذي يضعك مع مشاعر وأحاسيس الطفولة في البناء في القرية في أعماق الصعيد في محافظة الأقصر. لن يوفيه أيّ مقال حقه فهو يحتاج إلى صفحات بما فيه من رحلات وخبرات ودراسات وأسماء علماء ومفكرين وأدباء. قد تكون قرأت شيئا من ذلك من قبل لكن هنا الكتاب كله بحث مخصص لذلك. سأحاول الإمساك بما يضعك في قلب معانيه.
الكتاب صادر عن مكتبة مدبولي في القاهرة في حوالي ثلاثمئة صفحة. وهو لمأمون فندي أستاذ العلوم السياسية من قبل في جامعة جورج تاون في الولايات المتحدة ومدير معهد لندن للدراسات الاستراتيجية، ومن مؤلفاته «الإعلام والسياسة» ويكتب مقالاته في صحف عالمية مثل «واشنطن بوست» و»نيويورك تايمز».
عين على الآثار المصرية القديمة، وعين على بنايات البلدة العادية في الصعيد، والمقامات أو الأضرحة لأولياء الله. ثم عين على البناء في أوروبا وأمريكا وبلاد زارها وتعلم وعاش وقام بالتدريس في جامعاتها هناك. من خلال العمارة وأشكالها تعرف توجهات الحكم والحكام، وتوجهات العقل والروح أيضا. في غرب القرية في الأقصر الآثار الفرعونية وحديث طويل عن المعني الديني الذي تسلل إلى كل الأديان من توحيد إلى الثالوث المقدس والروح «كا» التي تحلق فوق جسد الميت في صورة طائر، وتقصّي ذلك في الأداب العالمية والصوفية والأديان. كيف أن طقوس مولد سيدي أبو الحجاج في الأقصر هي طقوس الإله آمون رع.
كما يتقرب الناس إلى الأولياء يتقربون للحاكم ورجاله، أو أعضاء مجلس الشعب بالقرابين، فالعلاقة قائمة بين المحافظ والوليّ، وبين عضو المحافظة والوليّ الأصغر. ذهنية التوسل هنا تقابلها ذهنية المواطنة والحقوق والواجبات في المجتمعات الأخرى. عن المعمار والديمقراطية يأخذنا في رحلة له إلى ألمانيا قادما من واشنطن العاصمة التي خططها الفرنسي الأصل بيير لانفا، حيث تبدو الديمقراطية بامتياز في تخطيطها، فرؤية المواطن فيها واضحة وطريق وصوله إلى البيت الأبيض أو الكونغرس سهلة، ومن ثم استوقفه في زيارته لألمانيا ما جرى من تعديل على مبنى الرايخستاغ بين عامي 1995-1999 بواسطة المعماري الشهير نورمان فورستر، وكيف تحول الرايخستاغ «قصر الحكم والقيصر» إلى البوندستاغ أو البرلمان، بفتح رئتي المكان، وإضافات جديدة منها القبة الزجاجية، ليتحول المكان من تجهم الديكتاتورية إلى انفتاح الديمقراطية. مقارنات مع أبنية كثيرة منها تحويل متحف «أيا صوفيا « إلى مسجد عام 2022. الفارق أن أردوغان لم يبنِ عمارة الديكتاتورية بنفسه كما فعل هتلر وموسوليني. تحويل أيا صوفيا إلى مسجد لخلق توازن مع ميدان الحرية، ميدان «تقسيم» الأقرب إلى ميدان التحرير في القاهرة. يأخذه هذا إلى مصر وكيف كانت القصور الملكية سببا في وعي ملكي بالتميز والتوريث، أخذته ثورة يوليو/تموز ورجالها، وكيف شملت القرابة والتوريث كل حياتنا من قضاء وبوليس وسياسة خارجية وحتى الفن والأحزاب وأمثلة على كل ما يقول.
سيناء لم تنج من تميز العمران عن تاريخها. كيف صارت سيناء وكرا للإرهاب وكيف تم استبعاد أهل الصحراء عن التفاعل مع أرضهم.
ميدان التحرير في القاهرة وميدان الأربعين في السويس وميدان القائد إبراهيم في الإسكندرية احتضنت ثورة يناير/كانون الثاني التي اجتمعت فيها كل أطياف المجتمع المصري كنسيج واحد، وكيف كان فشل الثورة مثل الخروج من الميدان إلى الشوارع تطأطئ الرؤوس وتنحني الظهور كالعبيد. ميدان التحرير الذي بناه الخديوي إسماعيل لم يكن يقصد به ذلك، لكنه كميدان صار كذلك فهو قلب المدينة وعقلها، ولم يكن ممكنا التجمع في أمبابة مثلا أو غيرها من الأحياء المزدحمة الخالية من الميادين. لقد جاءت عشوائيات ما بعد يوليو 1952 ضد الحرية، حتى المباني السكنية التي جاءت تحت شعار العدالة للفقراء مستلهمة المباني السوفيتية تنتقص اتساع الحرية حولها. الميادين الواسعة هي التي هدمت عمران الديكتاتورية وأسقطت نظام مبارك، وليست المساحات الواسعة في عالم النت الافتراضي، وكأن ما جرى كان انتقاما متأخرا من الخديوي إسماعيل من عبدالناصر ورجال يوليو. فشلت ثورة يناير لأن ميادين الحرية محدودة وتمكن النظام من إغلاقها.
يتحدث عن البيوت القديمة وحياته صغيرا فيها والعمران الأفقي الذي تختلط فيه فكرة الزمان بالمكان بالروح، حيث العمومية لا الخصوصية هي أساس العمران، وتجمع العائلة حول الأب والأم، وكيف تغير ذلك بعد السفر إلى الخليج والعودة لبناء بيوت من طوابق متعددة كشفت بيوت الآخرين. العمران الرأسي. البيت الذي كان من دور واحد كانت مفتوحة بواباته الوهمية مثل بوابات مقابر وادي الملوك التي تفضي إلى الجنة برسوماتها. تفاصيل أجزاء البيت الريفي الأفقي قديما والرأسي في بلاد زارها مثل دمشق وغيرها، وكيف صارت العمارة الرأسية سببا في شعور سكانها بالخوف والوحدة، إذا أصاب المبنى حريق أو ما حدث في برج التجارة في أمريكا من هجوم إرهابي في 2001. الصلاة في المساجد وما تبعثه في الروح وكيف يكون الشعور خارجها غيره داخلها، وكيف الآن صارت الصلاة تملأ الشوارع في المدن خارج المسجد. كيف صارت المساجد حيلة في البناء، فيتم بناؤها تحت العمارات المخالفة لينجو صاحبها من الغرامات.
صار النزول إليها كثيرا في ملابس البيت، البيجامة أو الجلباب، وكأن غرفة النوم انتقلت إلى محطة المترو، فاختلط المقدس بالدنيوي «فشورَعَت» الثقافة المحلية المسجد، ولم تُضفي قداسة المسجد على الشارع. الأمر يتكرر في ثقافة الكوبري العلوي وكيف يتم به التجاوز عن المشاكل تحته والتلوث وحركة المرور، فأصبح قفزا عليها وتُركت الزبالة تحته. صار الكوبري العلوي رمزية على أن القاهرة تحته غير قابلة للإصلاح، وما أن تنزل منه حتى تجد نفسك في حيص بيص! الكباري أصلا في مصر والعالم كانت تربط بين نقاط تفصلها ظواهر طبيعية كالأنهار أو الجبال أو حتى البحار، أما الكباري العلوية فهي محاولات لتفادي اختناقات الأرض وتركها تزداد. يمكن أن تحدث الكباري العلوية وتكون قليلة جدا في مدن مزدحمة مثل نيويورك أو لندن، لكنك في القاهرة تجد نفسك في غابات من الإسمنت الطائر، وحديث شيق عن دلالات أسماء الكباري مثل 6 اكتوبر و15 مايو و26 يوليو.
تجليات السُلطة في العمارة بين القاهرة ولندن وواشنطن، فتجد حجم البرلمان في لندن أو واشنطن أقل من حجم المبنى الخاص برئيس الوزراء، كما أن كل الطرق تؤدي إليه بسهولة، ولست محتاجا أن يقول لك أحد إن الحُكم للشعب. عمران الكذب من واجهات جميلة خلفها آثام انعكست على السلوك العادي فصار المظهر لا المخبر هو الهدف، والبروباغندا للنظم الديكتاتورية. حديث رائع عن شوارع إنسانية وشوارع ليست للضعفاء. شوارع للسيارات ليست فيها أرصفة للعجزة ولا طرق لذوي الاحتياجات الخاصة. في العالم المتحضر يعرفون كيف تتسع الشوارع لذلك، بينما لدينا لا تجد مكانا تمشي فيه وأنت تدفع عربة صغيره لطفل أو عاجز عن الحركة.
سيناء لم تنج من تميز العمران عن تاريخها. كيف صارت سيناء وكرا للإرهاب وكيف تم استبعاد أهل الصحراء عن التفاعل مع أرضهم. تاريخ سيناء وما مر بها من حروب وكيف انتهى هذا كله إلى عمران جعل أهل سيناء الأصليين خارج التخطيط، وصارت خرائط شرم الشيخ ودهب ونويبع وشاطئ العريش لعلية القوم من أهل الوادي، فصارت بلاد الأمل في الجنوب، ومعبد الشيطان أو الإرهاب في الشمال، حيث العريش وبئر العبد والشيخ زويد. يأتي الحديث عن العاصمة الإدارية الجديدة التي لا تعرفها إلا من خلال الطائرات ضمن حديث عن عواصم كثيرة في العالم تم نقلها، أو كنوع من الخروج كخروج موسى من مصر. المهم ليس الخروج بقدر ما أن تكون مراكز الثقل موزعة بما يعكس وحدة الإنسانية. قد تنجح العاصمة الإدارية في المستقبل، لكن المهم أن تكون مدننا القديمة كلها صالحة للبشر، وليس للسيارات والقطارات فقط، فهل سيحدث ذلك؟ السائح يأتي الينا ليستمتع بالقديم ويعود إلى بلاده يستمتع بالحديث.
روائي مصري