العيساوي في بغداد لتسوية ملفاته أمام القضاء… وترجيحات بتوليه زعامة البيت السني

مشرق ريسان
حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: سلّم وزير المالية العراقي الأسبق، رافع العيساوي، المتهم بقضايا فساد إداري، نفسه إلى السلطة القضائية الاتحادية، في مسعى لتسوية ملفه والعودة إلى مزاولة العمل السياسي، تمهيداً لترؤس «البيت السياسي السنّي» في المرحلة المقبلة، حسب تحليلات سياسية، وفيما لاقت عودة العيساوي، ترحيباً واسعاً لدى قادة وزعماء «سنّة»، أبدى نظراؤهم الشيعة قلقهم من رجوع شخصيات مطلوبة للقضاء العراقي.
وأدت محاولات اعتقال العيساوي، نائب رئيس الوزراء الأٍسبق نوري المالكي، في أواخر عام 2012، إلى انطلاق احتجاجات في مسقط رأسه في محافظة الأنبار، إذ بدأت بأفراد من عشيرته وتوسعت لاحقاً لتشمل «المحافظات السنّية» في الأنبار وصلاح الدين ونينوى وديالى وكركوك، حتى تشكّلت تظاهرات عارمة كانت إحدى أسباب ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية»، حسب مراقبين.
وأعلن مجلس القضاء الأعلى، في بيان صحافي، إن «القاضي المختص بنظر قضايا جهاز مكافحة الإرهاب، قرر توقيف المتهم رافع حياد العيساوي وفق أحكام قانون مكافحة الإرهاب لإجراء التحقيق معه عن الجرائم المتهم بها بعد أن قام المتهم المذكور بتسليم نفسه إلى جهات التحقيق المختصة».
وأضاف أن «المتهم المذكور، سبق وأن، صدرت بحقه أحكام غيابية بالسجن عن جرائم فساد إداري عندما كان يشغل منصب وزير المالية»، مشيرا إلى أن «هذه الأحكام في حال الاعتراض عليها سوف تعاد محاكمته عنها حسب أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تجيز للمحكوم غيابيا بالسجن الاعتراض على الحكم ومحاكمته مجددا حضوريا وفق القانون».
ويبدو أن عودة العيساوي إلى بغداد، وحسمّ ملفاته أمام القضاء، يأتي مبشّراً بمرحلة جديدة، تتمثل بعودة بقية الشخصيات السياسية السنّية المطلوبة للقضاء العراقي، على رأسها طارق الهاشمي، نائب رئيس الجمهورية في زمن الراحل جلال طالباني، بتهم فساد مالي وإداري، وأخرى تتعلق بالإرهاب، بالإضافة إلى خلّق موقفٍ سياسيٍ موحد بشأن العلاقة بين بغداد وواشنطن، تُمهد لتعاطي أكثر مرونة مع الأخيرة، خصوصاً في ملف القوات الأمريكية المتواجدة على الأراضي العراقية، حسب رأي النائب السابق عن محافظة نينوى عبد الرحمن اللويزي.

تمهيد للعودة

وأضاف في حديث لـ«القدس العربي»، إنه «كان هنالك تمهيد لعودة العيساوي إلى بغداد، من خلال التسوية التي تبناها فؤاد حسين عندما كان وزيراً للمالية، والتي تتعلق بقضية مالية تمثل إحدى الأحكام الصادرة بحق العيساوي. وتم نشر هذه الوثيقة في حينها».
وأشار إلى أن «موقف الحكومة العراقية الآن ضعيف، بسبب الأزمة المالية»، معتبراً أن هذا الضعف «يعطي هامشاً للولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والجهات الخارجية الأخرى للضغط عليها أكثر»، في إشارة إلى أن أحد أسباب عودة العيساوي إلى بغداد تأتي بتدخلٍ خارجي ـ أمريكي تحديداً.
وبين السياسي العراقي أن «الفترة الماضية شهدت انحساراً لدور القيادات السياسية السنّية، فمنهم من غادر العراق. هناك أزمة قيادات في الوسط السنّي»، معتبراً أن «من الغرابة أن يشغل محمد الحلبوسي (رئيس البرلمان) رغم صغر سنّه موقعاً حساساً أي زعيم السنّة، في ظل وجود شخصيات تمتلك الشهادات والخبرة في مجال العمل السياسي»، حسب قوله.
وزاد: «نحن اليوم أمام قرارات ومفاوضات مهمة بشأن طبيعة العلاقة بين بغداد وواشنطن، وقضية وجود القوات الأمريكية في الأراضي العراقية، التي تحتاج إلى خبرة وجرأة»، من دون أن يستبعد وجود علاقة بين هذا الأمر وعودة العيساوي.
وأوضح أن «رغم أن العيساوي ينتمي لمدرسة الأخوان المسلمين، وكون أنهم غير محببين، لكنه اجتماعي، والدليل على ذلك هو التعاطي مع قضية اعتقال حمايته (في أوآخر 2012) وحدوث التظاهرات التي تشكل قضية العيساوي جزءاً منها، بكونه يمتلك قدرة على الاحتواء وكاريزما».
ولفت إلى «الترحيب بعودة العيساوي من شخصيات (سنّية) مختلفة ليست من الحزب الإسلامي فقط»، مرجّحاً أن يكون السبب في تأخر عودة العيساوي إلى بغداد «خشيّة قيادات سياسية ناشئة من تلك العودة، التي لا تزال تخشى حتى الآن من عودته، خصوصاً وإنه ينتمي للمحافظة ذاتها (الأنبار) التي ينتمي لها الشقيقان جمال ومحمد الكربولي، وأيضاً محمد الحلبوسي، الذين أخذوا دور القيادات السنّية».
ولم يستبعد اللويزي، أن يكون مستقبل العيساوي أحد الزعامات السياسية السنّية المؤثرة «وتلتف حوله عدد من القيادات»، منوهاً أن العيساوي «شريك أسامة النجيفي (زعيم جبهة التنمية والعدالة)، الذي لن يتقدم على العيساوي في حال اشتركوا بمشروع سياسي واحد، مقابل ذلك سيكون انتماء العيساوي للحزب الإسلامي عاملا منفّرا».
ووفق المصدر، «الزعامات السياسية الموجودة حالياً ضعيفة»، والولايات المتحدة الأمريكية «قد تكون لها مصلحة في عودة شخص مثل العيساوي، بكونها تريد أن يكون قرار التعامل مع القوات الأمريكية على المستويين القريب والاستراتيجي، تشترك فيه كل الأطراف. في ظل ضعف القيادات السنّية الموجودة، لن يتمكن الحلبوسي في اتخاذ موقف من صالح أمريكا، حتى يمكن للأخيرة أن تعتبر قرار إخراج القوات الأمريكية ليس وطنياً ويمثل طائفة واحدة- رغم كونها الأغلبية- وتجاوز السنّة والأكراد وغيرهم. هذه أهمية عودة العيساوي».

الإسلام السياسي

وأشار إلى أن «الثورة السورية ولّدت شرخاً في مشاريع الإسلام السياسي (السنّية والشيعية) بسبب موقفها المتباين من الثورة»، لافتاً إلى أن «الحزب الإسلامي (ينتمي له العيساوي) والإخوان، ينظرون إلى الثورة السورية على أنها ثورة سنّية، وكانوا يعتقدون أن التغيير المفترض في سوريا سيصب في مصلحتهم. في تلك الفترة (15 آذار/ مارس  2011) أيضاً كان الأخوان مسيطرين في مصر».
وقال أيضاً: «ذلك الشرخ السياسي أثّر على الأوضاع في العراق، وهو السبب في استهداف رافع العيساوي وطارق الهاشمي (نائب رئيس الجمهورية الأسبق)، وكذلك انقسام الحزب الإسلامي إلى تيارين (مقربون من إيران وعلى رأسهم رشيد العزاوي، وعمار يوسف وأياد السامرائي في الجناح الآخر)».

قلق شيعي… ونائب سابق يعتبر رجوعه تمهيدا لعودة كل الشخصيات المطلوبة

ومضى إلى القول: «التجربة السياسية العراقية على المحكّ، الأمر الذي دفع القوى السياسية إلى الانحناء أمام العاصفة، فقبلت بالكاظمي وقد تقبل بأشياء أخرى لعبور الأزمات، وهو الذي دفع باتجاه القبول بضغوط الأمريكان».
وعن دور إقليم كردستان العراق، وتحديداً الحزب «الديمقراطي الكردستاني»، بزعامة مسعود بارزاني، في عودة العيساوي إلى العاصمة العراقية بغداد، بين اللويزي أن «دور بارزاني في حال وجد، يتمثل بتوجيه وزيره في تسوية إحدى القضايا المالية المرتبطة بالعيساوي».
وأتمّ قائلاً: «هنالك توجه جديد لدى الحكومة. عودة العيساوي لن تكون نهاية المطاف، بل تمهد لعودة كل الشخصيات المطلوبة. هذه العودة لها علاقة بمرحلة جديدة تتعلق بالمفاوضات بشأن بقاء الأمريكان أو إعادة صياغة العلاقة بين العراق والولايات المتحدة على أسس جديدة»، لافتاً إلى أن «هذه المرحلة تقتضي بالضرورة وجود قيادات سنّية قوية وجريئة باتخاذ قراراتها التي تدعم جبهة واشنطن».
وتابع: «الأمريكان يحتاجون لكل صوت تكون له الجرأة بإعلان الموفقة على وجود الأمريكان في العراق، أو إقامة علاقات قوية معهم».
ولاقت عودة العيساوي إلى بغداد ترحيباً سنّياً واسعاً، إذ قال النائب عن محافظة نينوى، أحمد الجبوري، في تغريدة على صفحته في «تويتر»، أمس، إن «مثول العيساوي أمام القضاء. رسالة اطمئنان وثقة ببراءتهِ وبعدالة القضاء العراقي، آملين إنجاز قضاياه سريعاً ليعود لوضعه الطبيعي معززاً مكرماً».

ملفات ملفّقة

كذلك رأى السياسي العراقي السنّي البارز، النائب الحالي، ظافر العاني، في منشور على صفحته في «فيسبوك»، إن «عودة العيساوي إلى بغداد وتسليم نفسه للقضاء طواعية هو دليل كاف على إيمان الرجل وإيماننا كذلك ببراءته وأن القضاء العراقي في وقتها كان ضحية التسييس والملفات الملفقة وأنه اليوم يتعافى من سطوة الأحزاب والسياسيين. وهي دعوة للقضاء العراقي باعادة التحقيق في ملفات تلك الحقبة المريرة حيث مايزال العديد من الأبرياء يرقدون في السجون بلا جريرة».
الموقف من عودة العيساوي بالنسبة للسياسيين الشيعة، المتهمين بالميول لإيران، لم يكن مشابهاً لموقف نظرائهم السنّة، إذ علق النائب عن محافظة بابل من كتلة صادقون، والقيادي في حركة عصائب أهل الحق عدنان فيحان، حول إعادة فتح ملف الاتهامات الموجهة إلى وزير المالية الأسبق رافع العيساوي.
وذكر فيحان في «تدوينة»، أن «إذا ما تم تبرئة رافع العيساوي من أحكام الإرهاب والفساد فنحن أمام أحد الاحتمالين: أن الأحكام التي صدرت بحقه غيابيا كانت سياسية، أو أن الأحكام التي صدرت بحقه كانت صحيحة ونحن اليوم أمام صفقة سياسية».
وتساءل فيحان قائلاً: «ما هي أدلة الأحكام التي صدرت بحقه وهل تساقطت بمجرد مثوله أمام المحاكم المختصة؟ أم لدى العيساوي إثباتات ترد التهم عنه وتبطل الأحكام؟، لماذا لم يمثل أمام المحاكم في حينها ويثبت براءته؟ ولماذا اليوم؟».
وأضاف أن «القضاء والنزاهة على المحك»، فيما ختم قائلاً: «يقال إن طارق الهاشمي في صالة الانتظار!!».
في حين رأى النائب السابق والقيادي في تيار «الحكمة»، محمد اللكاش، أن زعزعة ثقة المواطن بالقضاء من القضاء نفسه أمر محزن، فيما طالب بمحاكمة القاضي وكل أعضاء المحكمة التي أصدرت أحكامها بحق وزير المالية الاسبق رافع العيساوي.
وقال في بيان صحافي، «في الوقت الذي نؤكد فيه على مبدأ فصل السلطات واستقلال القضاء وعدم الانصياع الى الضغوطات السياسية ومغادرة الثقافة القضائية الصدامية، وهذا ما عملنا عليه منذ عام 2003، إلا أن زعزعة ثقة المواطن بالقضاء من القضاء نفسه أمر محزن».
وأضاف: «إننا نؤكد ما أكدناه سابقا في قضية المدان رافع العيساوي وقضايا اخرى ممن سبقه وممن يلحقه إن لم يثبت القضاء سلامة موقفه من إجراءاته القانونية بحق المدان رافع العيساوي، فاننا نطالب بمحاكمة القاضي وكل أعضاء المحكمة التي أصدرت أحكامها بحق المدان رافع العيساوي او غيره».
وأصدرت محكمة الجنايات في الأول من كانون الأول/ ديسمبر 2015، حكما بالسجن سبع سنوات بحق وزير المالية السابق المدان رافع العيساوي بجرائم فساد مالي واداري، وكذلك أصدرت محكمة الجنح المختصة بقضايا النزاهة حكما بالحبس لمدة سنة واحدة، فيما أصدرت المحكمة ذاتها حكما بالحبس لمدة سنة واحدة في قضية أخرى.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية