أخيراً، وبعد انتظار قصير، عرفنا سر شوبيس!
أما «شوبيس»، فهو المشروب، صاحب أشهر إعلان في تاريخ التلفزيون المصري، والذي لم نعد نتذكر منه سوى الفنان حسن عابدين، الذي ما أن فكرت في كتابة هذه السطور، حتى خرجت أمامي صفحة «جورنال قديم»، وقد نشرت قصاصة لخبر يحمل عنوان «بني سويف تودع حسن عابدين»، وذلك بتاريخ 9 نوفمبر/كانون الثاني 1989.
سنوات طويلة والإعلان يتغير شكله، لكن لا تتغير فيه عبارة الفنان الكبير «يا ترى إيه سر شوبيس؟»، والمشاهد ينتظر الإعلان المقبل، الذي سيعلن فيه الفنان عن قنبلة الموسم «سر شوبيس»، وقيل إنه أعلن ذلك، وأن السر في «الفتافيت» التي تكشف أنه مشروب من البرتقال الحقيقي، ويبدو أنه كان في الفترة التي بدأت العمل فيها «الدوامة»، أقصد الصحافة، فكانت شغلنا الشاغل، وكان مصطفى أمين يقول إن الصحافة هي الزوجة التي لا تقبل «الضرة»، وقد انتهت المهنة ودمرت في مصر، ولم يتبق منها سوى أطلال وبقايا أوراق وأحبار، تبدو للناظر ليست سوى أوراق الخريف. خريف الصحافة، وخريف الحكم، في انتظار من يكتب رواية «خريف الجنرال» على وزن «خريف البطريرك»!
وقد مات حسن عابدين، ولا أتذكر من خبر وفاته (في مثل هذه الأيام) سوى أنني رأيت الفنان محمود الجندي في مقابلة تلفزيونية يتحدث عنه وكيف أنه في سنواته الأخيرة، كان يرى عبثية حياته، وعبثية مهنة التمثيل، وهو الرجل الذي أمتعنا في أدواره بالمسلسلات، وأضحكنا، وهو على خشبة المسرح، وقد روى لي أصدقاء في هذه الفترة أنهم كانوا يقيمون في نفس المنطقة التي يقيم فيها، وكانوا يشاهدونه في المسجد، يطيل الصلاة، والسجود، ويعيش مع نفسه، حتى لا يقتحم عليه متطفل عزلته الشعورية عن كل ما يحيط به!
مطربو المهرجانات
الثقافة الشعبية تقول عند تذكر ميت: «لقد طلب الرحمة»، ودون الدخول في جدل فقهي عن جواز الدعاء من عدمه، في ظل حديث إذا مات ابن أدم انقطع عمله إلا من ثلاث، فإننا نفعل أخذاً بالأحوط، مع الفنان الرحل الذي كشف «سر شوبيس» في إعلانه بعد سنوات، ولكم كانت إعلانات التلفزيون في هذه الفترة تتمتع بالجاذبية، ولست مطلعاً على الأمر الآن، فلا أزور القنوات الرسمية إلا عرضاً أو عابر سبيل، ولكني أعرف كيف تم تدمير قطاع الإعلانات في التلفزيون المصري تدميراً ذاتياً، عندما كان من العاملين فيه من يتقاضون رواتبهم منه ويجلبون الإعلانات للقنوات الخاصة الجديدة، ومن المؤكد أن إعلان حسن عابدين، هو لشركات خاصة، فهل مثلت المحطات التلفزيونية الخاصة أداة جذب لهذه الشركات؟!
هذه من الأمور التي لم تدرس دراسة كافية، لأن جناية «إعلام رجال الأعمال» لم تقتصر على التلفزيون الرسمي فقط، ولكن امتدت إلى الصحافة، وتدخل بعض أصحاب الصحف الجديدة، فأفسدوا سوق البيع والتوزيع، وتحكموا في المعروض من الصحف الأخرى، ليظل هذا الجانب في حاجة لدراسات أكاديمية جادة ونحن نفتقد هذا اللون من الدراسات للأسف، وأعتقد أنه منذ بحث الدكتوراة لحسين عبد القادر عن العوامل المؤثرة في اصدار الصحف، في آداب القاهرة (1952) لم نطالع دراسة عن الصحافة كصناعة مكتملة، إنما هي دراسات حول الظاهر من الأمر، قبل الاستغراق في الدراسات المتشابهات عن الإعلام الجديد، وقدرة منصات التواصل على اختراق خط بارليف، وكيف كانت سبباً في ثورات الربيع العربي، وهي أبحاث مهرجانات لا أكثر، تفتقد للعمق، وتؤسس لمرحلة عرفنا فيها في مجال الغناء مطربي المهرجانات، وقد اعتمدتهم نقابة الموسيقيين رسمياً مؤخراً بعد استقالة هاني شاكر من منصب النقيب، وفوز ابن المرحلة مصطفى كامل بالموقع!
ومهما يكن الرأي في هاني شاكر، إلا أنه يمثل بقايا رصانة لا يحتملها المناخ العام في مصر، ولا نعرف أسباب استقالته؟ فكل ما قيل من أسباب يبدو غير مقنع، ويبدو أن المرحلة لم تستوعبه، وبما أنه لا بد للمرحلة من إعلامها بما يمثله من خفة، فليكن لها نقيبها مصطفى كامل، الذي اعتمد من أفسدوا الذوق العام وافراز المرحلة!
سر العالمية
وقبل زمن المهرجانات، كانت الجدية والجاذبية حتى مع إعلان تجاري، وكان سؤال «سر شويبس» جاذباً للمشاهدين، لكن لأنه زمن السرعة، فلم يحتاج الأمر الى سنوات طويلة لنعرف السر في كيف أن القناة الجديدة لأهل الحكم في مصر «القاهرة الإخبارية» قناة عالمية، كما وصفها أصحابها، الذين قالوا إن مشروعهم الإخباري يقوم على قناتين، واحدة عالمية، التي انطلقت مؤخراً، وأخرى محلية هي التي لم تنطلق بعد!
ورغم أنها منذ انطلاقها استولت على اهتمامي على حساب «ماسبيرو زمان» التي أشاهدها حباً، في حين أنني أشاهد «القاهرة الإخبارية» عملاً ومن باب تكوين رأي عنها، فإنه لم يلفت انتباهي للإجابة عن سؤال العالمية سوى عندما رأيت عاجلها المتمدد بعرض الشاشة: «الرئيس المصري وغوتيرش يستقبلان قادة العام»، والمقصود هو «أنطونيو غوتيرش» الأمين العام للأمم المتحدة!
ومهما تكن صياغة لقب «أنطونيو»، فأنا منحاز للنطق المصري للأسماء، وأرى أنه لا تثريب على قناة مصرية أن تقدم نطقها للعالم، وأن تكون العاصمة الصينية كما عرفناها هي «بكين»، وليس «بيجين» وإن تبنت الجزيرة النطق الأخير، فنطقنا سيحافظ على تراثنا في التعامل مع الأشياء، فأين نذهب بـ «البط البكيني»، إن اعتمدنا «بيحين»!
وعلى ذلك البط، فقد قرأنا خبر عودة الخبير الاستراتيجي في «تزغيط البط»، توفيق عكاشة للشاشة، ثم توقف الترويج لهذا الخبر، ولا نعرف إن كان أولو الأمر منه قد تراجعوا عن ذلك، لأنه الخبر ليس مكتمل الأركان؛ فلم يذكر اسم القناة التي سيعود اليها الزعيم عكاشة، وإن كنت لا أظن أنه سيطل علينا من شاشة «القاهرة الإخبارية»، لأنها قناة عالمية، في حين أنه محلي، مغرق في المحلية!
ربما تذكرون ما كتبته هنا قبل سنوات عن زميلي الذي أخبرني، وفوجئت بأنه أخبر غيري، بأنه «صحافي دولي»، وفي مصر لا نقول «صحافي»، وقدم لي الدليل في بطاقة الهوية، فقد نجح في اقناع الضابط بمصلحة الأحوال المدنية أن يقيد له في «خانة المهنة»، «صحافي دولي»، وظل يقول لي في فخر «أخوك صحافي دولي.. آه والله صحافي دولي»، لقد مات مؤخراً، ويبدو أنه طلب الرحمة هو أيضاً، رحمه الله رحمة واسعة!
وإن كان زميلنا أثبت أنه «صحافي دولي» بما هو مثبت في بطاقة الرقم القومي، فان قناة «القاهرة الإخبارية»، أثبتت عالميتها بوصف «الرئيس المصري»، وليس فقط «الرئيس» في وصف خالد الذكر عبد الفتاح السيسي، لكن مع هذه العالمية فان أخبار (فخامته) وأنشطته وأقواله، تحتل المرتبة الأولى في كل نشرة أخبار، قبل أن نصل إلى خبر الانتخابات الأمريكية أو الحرب الروسية – الأوكرانية!
وعندما أتيحت لهم الفرصة لتقديم حوار مع «العالمية عبير موسى»، فان المقابلة بدت قديمة؛ فالحديث كله دار حول رأيها في الإخوان، وعراكها مع الشيخ راشد الغنوشي في البرلمان، ولا كلمة عن الوضع الحالي، لأن لها موقفاً معارضاً من قيس سعيد، الذي تتبناه السلطات المصرية، فأين العالمية وحسابات الحكم في مصر هي ما تحكم الأداء حتى خارج مصر، فهل يستحق هذا عناء سفر المذيع وتسريح شعره وتأتي عبير للأستوديو بالملابس الرسمية، وما استغرقه هذا من وقت، وما استدعاه من جهد جهيد؟!
لقد سئلت عن الفرق بين قناة «القاهرة الإخبارية» و»اكسترا نيوز»، فلم أجد فرقاً أو مبرراً لإطلاق قناة إخبارية جديدة، ولا نريد تحميل ذلك على السفه!
لكني توصلت لسر شوبيس، فاكسترا نيوز تصف (الفخامة) بأنه الرئيس فقط، في حين أن «القاهرة الإخبارية» تصفه بالرئيس المصري!
يا له من فارق مهم!
صحافي من مصر