حيرة العسكر في مصر من أجل تحديد هويتهم قديمة، ولهذا لم يكن مفاجئا ما جاء في تسريبات قناة «مكملين» الأخيرة على لسان اللواء حمدي بدين إبان عضويته للمجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر، بأننا «شيعة»، و»فاطميون»، نسبة للدولة الفاطمية، وإن كشف هذا عن «حالة الضياع» التي يعيشها القوم، في طبعتهم الجديدة!
وقد عاصرنا «تنازع الهويات» التي يفتعلها البعض في زمن التراجع، فنحن «فراعنة» لا «عرب»، وفي أوقات أخرى يكون الإعلان أن مصر «قبطية» وأن الفتح الإسلامي كان غزواً، والحالة الأولى عاصرناها بعد زيارة السادات للكنيست الإسرائيلي، وإعلان عدد من العواصم العربية مقاطعة القاهرة، وقد تبنى اتجاه فرعونية مصر، كتاب ينتمون للنظام، كانوا يكشفون عن جهل، فليس هذا الانتماء، الذي يمكن التقرب به إلى إسرائيل، وفرعون كانت معركته مع سيدنا موسى عليه السلام، بيد أن الرئيس السادات، بكل ما عليه من ملاحظات، أدرك خطورة هذه الدعوة، وأعلن في خطاب له رفضه لذلك، مؤكداً أن المصريين أصل العرب، فـ«هاجر» أم إسماعيل «أبو العرب» كانت مصرية!
وقد فكر الضباط الأحرار بعد «حركتهم المباركة» في سنة 1952، طويلاً بحثاً عن مرجعية لهم، حتى لا يبدون كما لو كانوا مقطوعين من شجرة، في فترة كان أهل السياسة تشغلهم فكرة الجذور التاريخية، لدرجة التنازع على «تركة» سعد باشا زغلول، بين حزبي «الوفد» و»السعديين»، وبين مصطفى النحاس، ومكرم عبيد، فاختار العسكر أن يكونوا امتداداً للألباني محمد علي باشا!
ومع هذا لم نصل لهذا المستوى من الارتباك والتلعثم إلا مع ورثة الحكم العسكري، وهو ارتباك كاشف عن ضعف المستوى الثقافي للقوم، والذي يتجلى في المشاركة التليفزيونية لهم بعد أن فتحت الأمصار، على النحو الذي تعرضنا له في هذه الزاوية كثيراً، هل استمعتم إلى اللواء حمدي بخيت، وهو يعلن في شموخ عسكري أن «جهاز الكفتة» الشهير عالج بالفعل مرضى الإيدز، وقد تم العلاج به في المستشفيات العسكرية، وأنهم سيحرمون كل من شكك فيه من العلاج؟ ومن حمدي بخيت لحمدين بدين يا قلبي لا تحزن!
خليفة طومان باي
هذا كما تعلمون غيض من فيض، وقد تجلت هذه الإفرازات العقلية عند تحديد هوية القوم، فتم تقديم عبد الفتاح السيسي على أنه خليفة طومان باي «في الملاعب»؛ إذا جرى اعتماد «الدولة المملوكية» مرجعية للعسكر الجدد، والذين يمثلون هذه السلالة «الطيبة المباركة»، التي بينها وبين الدولة العثمانية ثأر، فقد قتل الخليفة العثماني سليم الأول طومان باي، وقام العثمانيون بغزو مصر، وهزموا المواطنين الأصلاء وهم المماليك الذين ينحدر السيسي من سلالتهم، وهو أمر يوضح بجلاء أن هناك خللا في مركز التفكير والاستيعاب، فيكفي أن تصف عائلة بأنها تنحدر من السلالة المملوكية حتى تدرك دلالة ذلك، فقد كان المماليك عبيداً! وفي مصر يتفاخر البعض بالانتماء للدولة العثمانية، لكننا لا نشاهد تفاخراً بالانتماء للدولة المملوكية، ويكفي أن تدعي فتاة وصلا بالجمال، ولو من باب الانتحال، حتى تقول إن جدتها تركية، مع أن الجمال في أصله وفصله ينحدر من السلالة الشركسية، التي ينتمي لها «طومان باي»!
وقد صار اسم «سليم» نسبة للسلطان «سليم الأول» شائعاً في مصر (عاشت الأسامي بكل تأكيد)، لكنهم لم يسموا أبناءهم «طومان باي»، مع وجود مصالحة تاريخية في وجدان المصريين، الذين لم يحملوا أنفسهم أوزار التاريخ فلا ناقة لهم ولا جمل في ما جرى، فتم إطلاق اسم «طومان باي» على شارع قريب من شارع في المنطقة نفسها، يحمل «سليم الأول»، لكن ورثة «طومان باي» الجدد، قاموا بإزالة اسم السلطان العثماني من هذا الشارع نكاية في أردوغان. ولا يزال القاهريون القدماء يطلقون على اسم شارع 26 يوليو، اسمه القديم قبل ثورة 1952: شارع فؤاد، كما لا يزالون يطلقون على شارع طلعت حرب، شارع سليمان باشا، وهو اسم لفرنسي، أسس الجيش المصري في عهد محمد علي باشا، الذي قال ثوار يوليو / تموز إنه جدهم الأعظم!
ومع كل هذا الارتباك و«التلبك العقلي»، لم يقل أحد إن مصر دولة شيعية وإننا في الأصل فاطميون، كما قال الفاطمي عضو المجلس العسكري حمدي بدين، في تسريب قناة «مكملين» وأذاعته بعد أكثر من ثماني سنوات على قوله في حشد من قومه، ولم يجد من يجادله من بين الحاضرين، ولا نعرف هل هذا الصمت لأنهم مثله ثقافياً، أم احتراما للرتبة العسكرية، وهم أدنى منه رتبة، وهي مشكلة النظام العسكري، عندما يأتي للحياة المدنية بتقاليد الوظيفة، وأعتقد أن الناس في بلدي شعروا بصدمة، تشبه الصدمة الكهربائية، بعد أن شاهدوا هذا المستوى الثقافي الضحل، بعد أن خرج القوم من دائرتهم إلى دائرتنا بعد ثورة يناير/ كانون الثاني!
الحوار الخطأ
ما علينا، فقناة «مكملين» بهذه التسريبات، التي قدمها «محمد ناصر» في برنامجه «مصر النهارده»، تقدمت خطوة للأمام، بعد الحوار الخطأ، الذي أجرته القناة مع أحد الأشخاص، الذي تبادل الأدوار مع محاوره، فكان يطرح عليه الاتهامات والأسئلة، والذي لم ينتبه ليلفت انتباهه إلا أن دور المذيع هو أن يسأل لا أن يجيب على أسئلة الضيف، وهي استضافة أكدت أن هناك خللاً في تحديد الرؤية والرسالة، فهناك عقدة «الجزيرة» تسيطر على قنوات الثورة في تركيا، التي تريد تقليد «الجزيرة»، فتتصور أنها قنوات الرأي والرأي الآخر أيضاً، وأنها ينبغي أن تكون على الحياد، وهو فقدان للبوصلة، لم نر مثله إلا في حالة العسكر، وهم تارة يعتبرون أنفسهم منحدرين من السلالة المملوكية، وتارة أنهم أبناء الدولة الفاطمية وأنهم شيعة!
كانت لنا ملاحظة ذكرناها في هذه الزاوية (الطيبة المباركة) مفادها أن شرط «الرأي الآخر» أن يكون رأيا، لكن فلما طال عليهم الأمد، وغاب من يمكن أن يمثلوا «الرأي الآخر»، بسبب حصار الجزيرة من قبل الحكم العسكري في مصر، تم اعتماد «الآخر» والتغاضي عن أنه «الرأي»، و»الجزيرة»، فيها من القدرات الإعلامية، ما يحول دون أن تتحول إلى وسيلة يمتطيها كل عابر سبيل، ليقول من خلال أثيرها ما في الخمر، انظر إلى «غادة عويس»، وهي توشك أن تمد يدها من الشاشة فتمسك بالضيف الذي يدخل الغش والتدليس على المشاهد من شعر رأسه، ثم تقذف به إلى الحائط، فليس بإعلامي هذا الذي يفرط في موقعه، ويتقبل الإهانة باعتبار ذلك تعبيراً عن الحياد، فهذه أخلاق قد ترفع صاحبها إلى مستوى من يستمطر به المطر، ويستجاب به الدعاء، ويصلح لكي يكون «عريس لقطة» تزوجه ابنتك وأنت مطمئن بأنه لن يغضبها أبداً، لكن ما هكذا تورد الإبل في العمل الإعلامي!
يحتاج من يقومون على إعلام الثورة، أن يدركوا أنهم ليسوا محايدين، ولا يجوز الحياد بين الثورة والثورة المضادة، وبين الحق والباطل، وبين محمد مرسي والسيسي، وبين شهداء الثورة وقاتليهم، فإعلام «القضية»، منحاز، لكنه الانحياز الموضوعي، وإن كنا نحمد الله، ونشكر فضله على أنهم لم يكونوا في زمن الاحتلال الأجنبي لمصر، وإلا سمعنا نغمة من حق الاحتلال أن يعبر عن نفسه، وأن يدافع عن موقفه!
لقد استخدمت هذه المقابلة الخطأ، في حملة التشهير بقنوات الثورة، في وقت اشتدت فيه حملة الأبواق الإعلامية للانقلاب العسكري على هذه القنوات، تنتقل من قناة إلى أخرى فلا تجد إلا هجوماً عنيفا على «قنوات تركيا»، ومن «عمرو أديب»، إلى «عزة مصطفى»، التي ذكرتنا بأنها لا تزال إلى الآن تمتهن الإعلام، وهي رئيسة التلفزيون المصري التي أطاحت بها الثورة!
لقد أذاعت «عزة» محرراً منسوباً لقناة «الشرق» يفيد أن «معتز مطر»، يتقاضى راتباً شهريا قدره ستون ألف دولار، وأستطيع أن أقول واثقا أنه محرر مزور، لأن هذا المبلغ يمكن أن يكون ميزانية لقناة «الشرق» من بابها.
وبينما كنت أشاهد تسريبات ناصر، نُقل إلي أن معتز رد على هذا الكلام، بشكل موفق، عندما قال وماذا هناك؟ إنني الإعلامي الأعلى مشاهدة في الوطن العربي، فهذا مبلغ قليل!
مقدمو برامج «التوك شو» في مصر وفي عهدي مبارك والسيسي هم الأعلى سعراً في العالم العربي، وهم هنا يستخدمون لغة الأرقام في حملة الإبادة الإعلامية ضد قنوات تركيا، لأنها من الواضح نجحت في ازعاج النظام الانقلابي في مصر، فكانت هذه الحملة، فلا أحد يهاجم الموتى، فهذه القنوات الفقيرة فعلا (محطتان لا أكثر) نجحت في تدمير حصون السلطة الفاشلة، مع حيازتها لترسانة إعلامية، لم يسبق لنظام أن تملكها!
وليس الهجوم على «الشرق» و»مكملين» لمجرد أنهما قناتا معارضة تبثان من الدولة العدو، فهناك قناة «وطن»، وهي بالمناسبة لسان حال الإخوان المسلمين، ومع هذا ليست مستهدفة من المليشيات الإعلامية للسيسي، فلأسباب لا أعرفها تبدو متأثرة بزمن الإذاعات السرية، وثقافة «الحسنة المخفية»، فلا تعرف إن كانت تنظيما أم قناة؟ يبدو أنها خلايا نائمة!
لقد تقدم «محمد ناصر» بخطوة للأمام بهذه التسريبات، التي كشفت ثقافة القوم الرفيعة، وقد تبين أنهم فاطميون ومماليك في الوقت نفسه؛ شاطر ومشطور وبينهما عسكري، وقد شاهدنا بالصوت والصورة، كيف أن العسكر كانوا ضد الثورة، وكيف أنهم كانوا في حالة تنمر بالثوار في ميدان التحرير.
لا تستسلم لحصار خصمك، ولكن انطلق إلى الأمام ودعه يجري خلفك!
أرض- جو:
تم تعيين لقمان أحمد مراسل «بي بي سي» في واشنطن مديراً عاماً لتلفزيون السودان القومي. اختيار صادف أهله.
إعلامي من مصر