بغداد ـ «القدس العربي»: يُجمع العراقيون على أن الولايات المتحدة الأمريكية أقدمت على «خرق السيادة العراقية» في استهداف أحد مقار «حزب الله» العراقي، المنضوي رسمياً تحت لواء «الحشد الشعبي» جنوب العاصمة بغداد، والذي أدى إلى مقتل وإصابة 12 مقاتلاً ينتمون «للكتائب» في حادثة مثّلت انتقالاً في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية بالتعاطي مع هجمات الفصائل المتكررة على قواعدها المنتشرة في غرب وشمال العراق «من الصدّ إلى الرد» وسط مخاوف من الذهاب نحو «حربٍ مفتوحة» بين الطرفين.
القصة بدأت باستهداف الأمريكان عجلة تابعة لأحدى الفصائل العراقية ومقتل سائقها غربي العاصمة، ردّاً على استهداف قاعدة «عين الأسد» بمحافظة الأنبار، بصواريخ موجّهة، حسبما أفادت مصادر عسكرية أمريكية.
واشنطن لم تكتفِ بهذا القدر، فعقب الحادث بساعات أقدمت على شن هجوم استهدف مقرّاً «للكتائب» في منطقة جرف الصخر أو «النصر» كما سُمّيت بعد تحريرها من تنظيم «الدولة الإسلامية» أودى بحياة 8 من مقاتلي كتائب «حزب الله» وإصابة 4 آخرين بجروح.
وفي بيان صحافي أصدره «الحشد» كشف عن تفاصيل الهجوم الذي وقع فجر الأربعاء الماضي قائلاً: «تعرض عدد من مواقع هيئة الحشد الشعبي الى اعتداءات أمريكية غادرة ارتقى على أثرها 8 شهداء و4 جرحى».
الاعتداءات شملت، وفق البيان، «قيادة عمليات الجزيرة ضمن قاطع جرف النصر شمال بابل (المحاذية لبغداد من جهة الجنوب) والتي استهدفت مقاتلينا الأبطال المرابطين أثناء أداء الواجب الوطني المقدس».
وفيما عدّ «الحشد» الحادث بأنه «عمل عدائي يمثل انتهاكا سافرا لسيادة العراق» أكد «التزامه الكامل والتام بتوجيهات القائد العام للقوات المسلحة باعتبارها (الهيئة) جزءا من المنظومة الأمنية والعسكرية والدفاعية للعراق، ولن تتردد بالقيام بأي واجب دفاعا عن العراق وسيادته».
حرب مفتوحة
ومنذ 17 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تعرضت القواعد الأمريكية في العراق إلى 36 هجوماً مسلحاً نفذتها الفصائل العراقية، ردّاً على تورّط واشنطن بالحرب الدائرة في قطاع غزّة المحاصر. ورغم خطورة التطور العسكري للقوات الأمريكية التي تتمركز في ثلاث قواعد رئيسية في العراق (مطار العاصمة، وعين الأسد بالأنبار، وحرير في أربيل) غير إنه لا يمثل إعلاناً لـ«حرب مفتوحة» في العراق، حسب رأي المحلل السياسي العراقي علي فضل الله.
وذكر لـ«القدس العربي» أن «الأمريكان يدركون جيداً عدم الذهاب إلى حرب مفتوحة مع الفصائل العراقية لأسباب عدّة؛ أبرزها كثرة المصالح الأمريكية المنظورة والمحددة من قبل فصائل المقاومة الإسلامية التي تمتلك بنّكاً كبيراً من الأهداف» فضلاً عن «المشاكل الكثيرة للولايات المتحدة الأمريكية سواء في العراق والمنطقة وعموم العالم، الأمر الذي يجعل من الصعب عليها الذهاب نحو خيار الحرب المفتوحة».
ووفقاً لفضل الله فإن الأهم من كل ذلك، هو «أخذ الفصائل العراقية، بعين الاعتبار، العمل على عدم وجود مواقع لها ملحوظة أو محددة من قبل الجانب الأمريكي، وأعادت تموضعها في أماكن جديدة».
«من الصد إلى الردّ»
ولا يتفق المحلل السياسي العراقي مع قراءة التحول الأمريكي العسكري في العراق «من الصد إلى الردّ» معتبراً أن هجماتها الأخيرة ضد الفصال العراقية تمثّل حالة من «الألم- التي عكستها الضربات الأمريكية- بعد فقدانها إمكانية الوصول إلى مواقف الفصائل، الأمر الذي دفعها إلى استهداف قوة عسكرية رسمية متموضعة لمحاربة الإرهاب في منطقة مهمة جداً (في إشارة إلى جرف الصخر) واستهداف لواء تابع للحشد الشعبي».
واعتبر ذلك «إهانة للجانب الأمريكي، وإهانة وعدم احترام للحكومة والدستور والقانون العراقي. كان من المفترض في حال وجود شكّ بأي جهة التوجه للحكومة والرد يكون من خلالها، غير أن الجانب الأمريكي أراد إيصال رسالة مفادها بأنه يستطيع الردّ».
وحسب فضل الله فإن «الحشد الشعبي ليس قاصراً على الردّ، لكنه يخضع للقائد العام للقوات المسلحة وتحركاته محدّدة» مرجّحاً في الوقت عينه إن «حالة الثأر ستكون حاضرة لدى فصائل المقاومة العراقية التي سترد في الوقت والمكان المناسبين».
وخلافاً لمواقف فضل الله، يرى المحلل السياسي العراقي، واثق الجابري، إمكانية في تصاعد المواقف عقب التحوّل العسكري الأمريكي الأخير، في وقتٍ تقف الحكومة الاتحادية في موقف لا تحسد عليه، محاولة مسك العصى من المنتصف بين ضغط الفصائل والقوى السياسية الداعمة لها، وبين المصلحة العراقية في الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية بين بغداد وواشنطن.
وأكد الجابري في حديث لـ«القدس العربي»، أن تشهد الأيام المقبلة «تصاعداً في المواقف، خصوصاً بعد تبني الجانب الأمريكي الردّ العسكري»، مشيراً إلى إن الفصائل العراقية «لديها تأثيراً سياسي، الأمر الذي يدفع إلى زيادة الضغط السياسي والاجتماعي» لإخراج القوات الأمريكية من العراق.
وأشار إلى إن «الشارع العراقي، ليس فقط القريب من محور المقاومة، مستاء من العمليات الأمريكية على اعتبارها خرقاً للسيادة العراقية، الأمر الذي من شأنه توسيع التعاطف السياسي حتى مع القوى التي لا تتفق مع محور المقاومة». ورأى الجابري إن «الحكومة العراقية ستكون تحت ضغط سياسي وبرلماني أيضاً. من الممكن أن يذهب البرلمان إلى عقد جلسة طارئة يطلب فيها من الحكومة تنفيذ قراره السابق القاضي بإخراج القوات الأمريكية من العراق وتفعيل مذكرة التفاهم الإطار الاستراتيجي المُبرمة بين الطرفين والمتضمنة موافقة الولايات المتحدة على إجلاء القوات الأجنبية من الأراضي العراقية بشكل كامل ضمن سقف زمني».
وحسب المحلل السياسي العراقي، فإن «الحكومة العراقية بين تبنّي العلاقات الدبلوماسية والضغط السياسي. هناك نوع من التشنّج في طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، على اعتبار أن ما يحدث في غزّة اليوم هو مرتبط بواشنطن. القوى السياسية العراقية تربط الأحداث في غزّة بما يجري في العراق».
ولم يستبعد الجابري أن «تشهد العلاقات العراقية ـ الأمريكية نوعاً من التشنّج، الأمر الذي قد يدفع بالولايات المتحدة إلى اتخاذ بعض الخطوات منها فرض قيود على البنوك والأموال العراقية، وهذا ما يؤثر سلباً على الواقع العراقي» لافتاً إلى أن «الحكومة العراقية تريد أن تحافظ على التوازن في علاقاتها مع الولايات المتحدة من جهة؛ والضغط السياسي من جهة ثانية، بالإضافة إلى الاحراجات التي تعرضت لها من جانب الفصائل المسلحة التي تريد أن تستخدم الردّ على أمريكا ومن جانب واشنطن التي تخرق الأجواء العراقية وتتجاوز السيادة».
ووسط ذلك، لا يرى أن يأخذ «التشنّج» في العلاقة بين بغداد وواشنطن «مديات أوسع» عازياً السبب في ذلك إلى «كون مصلحة البلدين الإبقاء على علاقتهما الاستراتيجية. الولايات المتحدة لها مصالح في العراق وكذلك الحال بالنسبة للأخير».
وأضاف: «واشنطن اليوم في موقف لا تحسد عليه أمام الشعوب العربية والإسلامية بعد أحداث غزّة، وهو ما يؤثر على نفوذها في المنطقة، وهي لا تريد أن تخسر حليفاً (في إشارة إلى العراق)».
الجهود الدبلوماسية لم تُفلح
أما فضل الله، فيقف من الرأي الداعم لإخراج القوات الأمريكية من العراق «بالقوة» معتبراً أن الجهود الدبلوماسية «لم تُفلح» في إخراج تلك القوات من أي بلد خضع لاحتلالها.
ويضيف قائلاً: «المراقب لتاريخ التواجد الأمريكي في جميع دول العالم، يرى أن من الصعب مغادرة الأمريكان للأرض التي يحتلونها عبر الجهود السياسية أو الدبلوماسية، وهذا الأمر واضح بالنسبة لفصائل المقاومة العراقية» مشيراً إلى أن «الجهد الدبلوماسي العراقي في هذا الجانب خجول، خصوصاً في ظل وجود قرار برلماني يُلزم الحكومة بإخراج القوات الأجنبية، لكن الجانب الأمريكي متزمت ويستغل نقاط الضعف لدى الحكومة العراقية، خصوصاً فيما يتعلق بالورقة الاقتصادية، وبالتي هو يماطل ويصنع الأزمات للبقاء أطول فترة ممكنة».
واعتبر فضل الله أن «السبيل الوحيد لإخراج القوات الأمريكية من العراق هو العمل عبر الجهد العسكري والضربات العسكرية الموجهة التي سترغم الجانب الأمريكي على مغادرة العراق كما غادره عام 2011».