تشهد الأسواق الشعبية في أغلب دول المغرب العربي الكبير إجمالا إقبالا مكثفا على ما يسمى بعملية الفرز في أكوام الثياب المستعملة والمعروفة بالعامية “بالة الفريب”. ويحظى هذا القطاع التجاري الحيوي باهتمام متزايد من قبل أكبر التجار خاصة في الأسواق الأسبوعية وفي سائر الأيام في المناطق الشعبية. ويعتبر هذا القطاع مربحا جدا بحيث يكسب أغلب التجار الكبار الملايين من الدولارات شهريا عبر طرح السلع بالجملة وتوزيعها على التجار الصغار في الأسواق. إلا أنه في المقابل تشكل هذه النوعية من “التجارة الشعبية” الموازية، خطرا حقيقيا على الاقتصاديات الوطنية لتلك الدول، وهي تصنف في مضمونها ضمن السلع الشعبية الرخيصة الثمن والمشابهة كثيرا في أسعارها للبضاعة الصينية التي أدت إلى إفلاس العديد من الشركات العالمية في قطاع النسيج خاصة منها الشركات الصغرى والمتوسطة. وتمثل تلك السلع لهم توفيرا إضافيا ماديا أو تقشفا لمداخيل إذ الطبقات الشعبية التي تخصص في قسطها الكبير للفواتير من كهرباء وماء وهاتف أو كراء منزل وغيرها من المصاريف اليومية مثل الأغذية والتنقل والتعليم. وعلى الرغم من الربح المالي للتجار المستثمرين في الثياب المستعملة والمضاربة المالية بالأسعار في سوق “الفريب” بسبب الإقبال الشعبي على “البالة” فإن أسعارها الرخيصة تعتبر في متناول الجميع مقارنة مع الثياب الجاهزة والموضة في المحلات الكبرى التي تقدر عليها فقط الطبقات الميسورة الحال. وتعتبر هذه النوعية من التجارة جادة بالنسبة للشركات الصغرى والمتوسطة في قطاع النسيج ولها تأثيرات سلبية وعميقة مباشرة على الاقتصاد الوطني لتلك الدول التي ما زالت تراهن على السوق الحرة الرأسمالية وتدعم دائما رجال المال والأعمال والقطاع الخاص وتشجع على الاستثمار في قطاع النسيج.
إن طوابير الفرز اليومية أو الأسبوعية في الأسواق الشعبية على أكوام الثياب المستعملة تشكل اليوم الحدث البارز لدى أغلب المتابعين لذلك القطاع التجاري الصاعد والواعد والذي أصبح مؤخرا يشكل سوقا مربحة جدا يحقق للتجار الصغار ما يقارب بين 1000 إلى 2000 دولار ربحا صافيا يوميا. فذلك الإقبال الشعبي الكثيف له مبرراته وذلك نظرا لجودة المنتجات المتوفرة للبيع في “البالة” وأيضا للأسعار الرخيصة جدا مقارنة مع الثياب الجاهزة الباهظة الثمن. فالمواطن المغاربي أصبح اليوم يفضل شراء الملابس المستعملة نظرا لإيجاده أحيانا “ماركات عالمية” ما زالت قابلة للاستعمال أو بالأحرى ما زالت نظيفة أو شبه جديدة لم يلحق بها ضرر كبير وسعرها يعتبر معقولا. إن أغلبية شعوب دول المغرب العربي الكبير تصنف كطبقات شعبية محدودة الدخل وما زالت تعاني من الفقر والحرمان وغيرها من المشاكل الداخلية مثل غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار نتيجة التضخم المالي وتدهور القدرة الشرائية إجمالا فأسواق “الفريب” تعد لهم أفضل الأماكن للتسوق. وتعتبر القيود المفروضة على المنتجات الشعبية الصينية خاصة منها الملابس الجاهزة في تلك الدول في مجملها صارمة خاصة الضرائب المجحفة على التجار الصغار نتيجة للسياسة التجارية الحمائية التي تتبعها تلك الدول قصد إنعاش منتجات الشركات المحلية في قطاع النسيج والملابس الجاهزة. بالنتيجة ترتفع أسعار المنتجات الشعبية الصينية من ملابس وأحذية وغيرها لتحتل المرتبة الثانية محليا بعد سوق الملابس المستعملة “الفريب” التي ما زالت تحظي بالمرتبة الأولى إقبالا شعبيا. أما بالنسبة لشركات النسيج المحلية فأصبحت منتجاتها ضحية وغير قابلة لمنافسة الملابس المستعملة من حيث أسعارها بحيث أصبحت تحتل المرتبة الثالثة محليا بعد الفريب ومنتجات الصين الشعبية.
الاقتصاد الوطني
إن الرهان الاستراتيجي للاقتصاديات الوطنية لدول المغرب العربي الكبير ما زال مرتكزا في الأساس على عقلية السوق الرأسمالية الحرة ودعم القطاع الخاص وخاصة منها على تحفيز المبادرة والاستثمار وتشجيع بعث المشاريع ومنتجات الشركات الصغرى والمتوسطة. إلا أن هذا التحرر في الأسعار والأسواق لم تثمر نتائجه الفعلية حتى الآن بحيث تضررت من سياساته العديد من الشركات الخاصة الصغرى والمتوسطة نتيجة لعدم قدرة منتجاتها على مواجهة المنافسة في السوق المحلية وبالنتيجة أعلنت إفلاسها. ففي هذا الصدد يجب وضع النقاط على الحروف باعتبار أن أغلبية الطبقات الاجتماعية في تلك الدول هي في الأصل “شعبية وفقيرة” بحيث تتحكم الأسعار في سياسة إنفاقها نظرا لتدهور المقدرة الشرائية حتى أصبح المستهلك يقبل أولا على منتجات “السوق السوداء” من محروقات على قارعة الطريق والمهربة خاصة في تونس أو إلى استهلاك الملابس المستعملة. ونلاحظ أن أغلب شركات النسيج الصغرى أصبحت اليوم عاجزة تماما عن ترويج سلعها في السوق المحلية، ما أدى إلى توجيه سلعها نحو الأسواق العالمية أو إعلان إفلاسها نظرا لتضررها.