مؤكد حين تقرأ هذا الكتاب الصغير الذي كتبه الشاعر والباحث في التاريخ والصحافي ماهر حسن، ستستمتع بالسرد وعمق التعبير اللغوي، وعمق المعرفة عن محمود مختار الذي أعاد مجد فن النحت القديم إلى مصر، ذلك الفن الذي كان أبلغ تعبير به وعنه من قبل أيام الفراعنة. ستدرك أيضا كم هي رائعة سلسلة «ذاكرة الفنون» التي تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، والتي صدر فيها هذا الكتاب، وكم بذل المشرف عليها الفنان عز الدين نجيب من جهد رائع. لقد أعلن عز الدين نجيب استقالته منها بعد فترة رائعة من العمل، وأتمنى أن يعود أو تظل على روعتها، فهو بفنه وكتاباته ليس في حاجة إلى أيّ منصب.
الكتاب الذي حمل عنوان «الفنان محمود مختار» ينقسم إلى قسمين. الأول هو حديث المؤلف ماهر حسن عن محمود مختار منذ الميلاد إلى الوفاة، والثاني هو صور لنماذج من أعماله الفنية. تسبق القسمين مقدمة جميلة للفنان عز الدين نجيب رئيس التحرير. محمود مختار هو أبو النحاتين المصريين، الفتي الريفي الذي الجأه القدر والظروف الإجتماعية إلى أن يذوق طعم اليُتم والحرمان والغربة صغيرا، حتى عوضته الموهبة المتفجرة عن كل السنين العجاف، كما يقول عز الدين نجيب في المقدمة.
محمود مختار صاحب التماثيل التي يمر عليها كل المصريين في الحياة، وهي تمثال نهضة مصر، وتمثالا سعد زغلول في القاهرة والإسكندرية، ولد عام 1891 وتوفي عام 1934 وخلال هذا العمر عاش دراما مذهلة. لقد تزوجت أمه من الشيخ ابراهيم العيسوي عمدة قرية طنبارة هي التي تعيش في قرية «نشا» وهي سليلة عائلة البدراوي ـ ذكرني الأسم بالبدراوي باشا، الذي صادر الخديوي إسماعيل أملاكه بلا سبب ونفاه إلى السودان، كما جاء في كتاب «رسائل من مصر» للوسي دوف جوردون، الذي قمت بترجمته منذ عامين، وعرفت بعد صدور الكتاب من عماد أبو غازي، أن البدراوي باشا كان جده من ناحية الأم. عماد أبوغازي هو ابن الكاتب بدرالدين أبو غازي ابن أخت محمود مختار، وصاحب الأعمال العظيمة عن فناني مصر مثل يوسف كامل ورمسيس يونان وراغب عياد وغير ذلك، فضلا عن كتابيه عن مختار بالعربية والفرنسية.
عماد أبو غازي أيضا صاحب كتب عظيمة مثل «الاحتلال العثماني لمصر وسقوط دولة المماليك» و»طومان باي السلطان الشهيد» كما حقق وقدم كتاب «مصطفي النحاس ـ مذكرات النفي» الذي كتبت عنه هنا منذ حوالي عامين.
ارتحل الزوج الشيخ إبراهيم العيسوي بزوجته الجديدة إلى بلدته، كان قد فقد زوجته الأولى وانقسم بيته إلى قسمين بين زوجته الجديدة وأولاده من زوجته السابقة، وكان في الخمسين. أنجب من زوجته الجديدة طفلا سماه محمود مختار، فصار الخلاف بين الأبناء الأسبق وأم محمود مختار لخوفهم على الميراث، وبعد أن صارت لها طفلتان أخريان أخذتهم الأم إلى قريتها لتستقر في بيت أخيها، مبتعدة عن كل صراع، إلا تربيتهم.
لم تكن السيطرة على الطفل محمود مختار سهلة. فهو يفر من الكتّاب الذي يتعلم فيه، ومن البيت إلى الترع وطينها، ويصنع منها تماثيل صغيرة لما حوله من مشاهد الحياة. من فلاحات تملأن الجرار إلى مشاهد العودة من الحج، وتماثيل من شخوص حكايات يسمعها ممن حوله عن أبي زيد الهلالي أو غيره. لم يكن حتى يميل إلى اللعب، بل يمضي وقته مع ما يصنعه من تماثيل، وما يسمعه خارج الكُتّاب من حكايات. سافرت أمه لتعيش في القاهرة بقصد العلاج فمنع خاله ذهابه معها خشية أن يلتحق بالمدارس وتفسده طراوة القاهرة. بقي الصبي في البلدة تعزيه هوايته عن فراق أمه، لكنه لم يستطع البقاء فسافر إلى القاهرة مشيا مع أحد شيوخ القرية الذي كان يهوى الحياة الحرة والمشي بين البلاد.
مرَّ العمل بالتمثال بأوقات طيبة وأوقات عصيبة. من الطرائف أن تطلب منه مصلحة المباني حين اقترب التمثال من النهاية شهادة حسن سير وسلوك، فأرسل إليها ساخرا يقول «لقد طُلب مني بالكتابين المؤرخين في 5 و 12 يناير/كانون الثاني أن أقدم شهادتيْ حسن سير وسلوك.
في القاهرة مع أمه قضي أيامه في مدرسة وصار يرسم ويستمر في منحوتاته. كانت مصر في طريق النهضة في كل المجالات، وحين افتتح الأمير يوسف كمال مدرسة الفنون الجميلة في درب الجماميز عام 1908 كانت باباً للمواهب مثل مختار وراغب عياد ويوسف كمال ومحمد حسن وغيرهم. جلب يوسف كمال للمدرسة كبار الأساتذة من فرنسا وإيطاليا وغيرها، وانتهى الأمر بأن أرسل الأمير يوسف كمال، الصبي محمود مختار إلى باريس، فكانت هذه هي ومضة الضوء التي أنارت حياته، رغم ظروفها الصعبة من أخ كبير استولى على معظم ثروة الأب.
ننتقل إلى باريس وحياة أخرى. انظر إلى هذا الكلام. كانت رحلة مختار على الباخرة إلى مارسيليا فأصابته الصدمة حين رأى مارسيليا مثل قرية قياسا بالإسكندرية. وصُدم مرة أخرى حين وصل إلى باريس بالقطار فوجدها أقل جمالا من القاهرة. نترك ذلك ونتابعه. كان لا يمكن أن يدخل إلى مدرسة الفنون في باريس إلا بعد تدشينه هو والطلبة الجدد، جعلوه يخلع كل ثيابه ووضعوا على رأسه تاجا مكتوب عليه رمسيس الثاني، ووضعوه فوق محفة طافوا بها في شوارع باريس، ومظاهر أخرى عجيبة للحفل، فصار الشرقي الحزين فتى مرحا. أحاديث عن أساتذته هناك وعن من التقى بهم من الكتاب والفنانين ومن فتنته من النساء مثل جيرمين ومارسيل، ومَشْغَله الذي أقامه هناك، والتماثيل التي انتهى منها وعرضت هناك أيضا مثل النموذج المصغر لتمثال نهضة مصر وغيره.
ذاع صيته واحتفت به الصحف والمجلات الفنية الفرنسية، فاحتفى به كُتّاب مصريون عظماء وسياسيون وفنانون مثل، مجد الدين حفني ناصف وحافظ عفيفي وواصف غالي وأمين الرافعي وغيرهم، وحين عاد قرر كل هؤلاء وغيرهم بمن فيهم سعد زغلول، إحياء فكرته في إقامة تمثال نهضة مصر، الذي يعبر عنها ذلك الوقت أعظم تعبير. بدأت الدعوة للاكتتاب لإقامة التمثال. عندما تعرف كم كان الاكتتاب مصدر بهجة لكل أفراد الشعب، مثقفين وباشوات وعمالا وأطفالا ونساء وفلاحين حتى الشحاتين تبرعوا لإقامته، تدرك كيف كانت الحياة في مصر وقتها. صار التمثال في مستوى مقدس وفكرة قومية لا يمكن التخلي عنها أمام الاستعمار.
طبعا لم يكن الأمر يمكن أن يمر دون عقبات خاصة من البيروقراطية المصرية، حين آل الأمر لوزارة الأشغال التي انتقلت إليها مسؤولية التمثال عام 1924. مرَّ العمل بالتمثال بأوقات طيبة وأوقات عصيبة. من الطرائف أن تطلب منه مصلحة المباني حين اقترب التمثال من النهاية شهادة حسن سير وسلوك، فأرسل إليها ساخرا يقول «لقد طُلب مني بالكتابين المؤرخين في 5 و 12 يناير/كانون الثاني أن أقدم شهادتيْ حسن سير وسلوك. ولما كنت سيئ السلوك والخلق، كما أني قضيت في السجن خمسة عشر يوما، فضلا عن أني من ذوي اللحى، وهو ما ينظر إليه هنا بعين الريبة، وأيضا فإنني أعزب وأتردد على بعض المنازل الخاصة، ومن هنا سيدي المدير إنني في استحالة مطلقة أن أقدم الشهادات، وإنه قُضيَ على ألا أكون موظفا حكوميا».
طبعا هذه البيروقراطية لم تقف أمام الإجماع على موهبة وعظمة محمود مختار، وصخب البرلمان من أجل تسهيل كل شيء، حتى انتهى من التمثال العظيم عام 1928 ووضع في البداية في ميدان رمسيس، ثم صار في موضعه الآن أمام جامعة القاهرة، حديث مؤلم بعد ذلك عن مرضه وفشل الطب في فرنسا ثم مصر معه حتى توفي في مارس/آذار عام 1934.
حديث رائع عن المجهود العظيم لهدى شعراوي في جمع أعمال مختار في مصر وخارجها، وإقامة متحف مختار، ثم حديث فني جميل عن بعض تماثيل مختار وشرحها للمشاهد، بالإضافة للأحاديث الفنية فمختار والكتاب يعيدون لنا روحا افتقدناها. لقد وصلنا للأسف إلى الدعوات بحرمة الفنون. أنظر أين كنا وأين أصبحنا.
روائي مصري