لا يعرف المرء، حتى ساعته وتاريخه، الدروس المستفادة من الفيلم الهابط الذي سهرت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية الليالي من أجل انتاجه، والذي لفق مظاهرات في منطقة «نزلة السمان» في الجيزة؟
وإذ بثتها بعض قنوات المعارضة، كان الهتاف «غول» مع المد اللازم للمعلق الرياضي عصام الشوال «الله عليك يا حبيب والديك»!
هل عصام الشوال هو صاحب هذه اللزمة «الله عليك يا حبيب والديك»؟ فالحقيقة أن معلوماتي الكروية متواضعة للغاية، فأنا من جيل كابتن لطيف، وتقريباً اعتزلت قبل وفاته، وإن كنت قد سألت ذات ليلة عمن يقود هذا الصخب باسم التعليق الرياضي، فقيل لي إن اسمه «عصام الشوال» فبدا لي القوم في الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية ورجالها في حكمه وهم يهتفون لهدف أحرزوه في شبكة الخصم، مع أنه ليس هدفاً ولكن شبه لهم!
أصل الحكاية، أن هناك مظاهرات يشهدها الريف المصري منذ 20 الشهر الماضي وحتى الآن، ضد السيسي، وقد استدعت هتافاً هتف به الجزائريون والتونسيون ضده نصه: «لا إله إلا الله.. محمد رسول الله.. والسيسي عدو الله».
وكانت «الجزيرة» تطلق صفارة الحجب على الجملة الأخيرة في البداية، ثم انتشرت انتشاراً كبيراً، تماماً مثل اللقب الذي كان يُطلق على المذكور، لكن مع تزايد استخدامه في الحراك الأخير، تجاوزت عن الحرج القديم، لأن في استمراره إصابة للمشاهد بالإزعاج من كثرة استخدام الصفارة!
وليس لـ«الجزيرة» أو قنوات تركيا مراسلون في القاهرة، لذا تم الاعتماد على فيديوهات مرفوعة على منصات التواصل الاجتماعي، ولازم هذا الانكار التام من قبل الأذرع الإعلامية للانقلاب العسكري، لخروج هذه المظاهرات، التي فاجأتنا قبل أن تفاجئهم، والتي خرجت من مناطق لم تشارك في ثورة يناير، ولم تكن جزءاً من الحراك الشعبي في السابق، وكان اللافت هو وجود الصبية فيها بكثافة، وبعضهم كانوا أطفالاً في أيام الثورة، ومنهم من كانوا أجنة في بطون أمهاتهم، لكنها سنة الله في الذين خلوا من قبل، أجيال تسلم أجيالاً، ورايات تنتقل من جيل إلى جيل، فكتبت في اليوم الأول لثورتنا مقالاً حمل عنوان «هذا خلق جديد» لأنني نظرت حولي فلم أجد على «مدد الشوف» في مسيرة شاركت فيها من أعرفه، فلم يكونوا قد شاركونا الحراك ضد نظام مبارك في زخمه وفي فقره.
وهو عنوان وجدته صالحاً وأنا أتابع مظاهرات الريف المصري؛ «هذا خلق جديد»!
بيد أن القوم أنكروا، وقالوا هذه مظاهرات قديمة، وكان الرد عليهم: وهل كانت هناك مظاهرات قديمة؟! ذلك أنهم أنكروا وجود مظاهرات قديمة في وقتها، حتى مظاهرات سبتمبر/أيلول من العام الماضي أنكروها، رغم أن أجهزة الأمن ألقت القبض على ثمانية آلاف بتهمة التظاهر!
وانبعث أشقاها ليقول إن الفيديوهات خاصة بمظاهرات ثورة يناير. ليكون الرد وهل هتف الناس فيها ضد السيسي، وماذا عن «والسيسي عدو الله» و»ارحل يا فلان» باللقب إياه، فهل كان مبارك يُطلق عليه هذا اللقب؟ فاللقب الوحيد الذي أطلق على مبارك هو «البقرة الضاحكة» وأطلقه الرجل المقرب من السادات عثمان أحمد عثمان، عندما كان مبارك نائباً للرئيس، والثورة لم تستخدم هذه اللقب، ربما لأن السواد الأعظم من شبابها لم يعاصروا هذه المرحلة، وليس لدى كبار السن رغبة في استخدام مثل هذه الألقاب!
لقد شاهدنا في بعض الفيديوهات صور عبد الفتاح السيسي المعلقة على جدران المدارس والمصالح الحكومية، يجري انزالها واهانتها واشعال النار فيها، فهل كانت صوره مرفوعة هكذا في ثورة يناير؟!
مصير الأذرع الإعلامية:لقد وجد شخص مثل عمرو أديب أن الانكار لا يفيد، فاعترف بهذه المظاهرات بعد انكارها، وإن قال إنها محدودة، لكن الأداء العام جاء كاشفاً عن هالة الهلع التي انتابته كما انتابت الأذرع الإعلامية التي ربطت نفسها بالسيسي وجوداً وعدماً، وإذا كان السيسي قد يجد في أبو ظبي أو موسكوا مستقراً ومستودعاً في حال قيام الثورة، فإن أذرعه سيكونون في مواجهة المدفع، وكل الدلائل تشير إلى أنه إذا حدثت ثورة فلن تكون في سماحة يناير، التي تعيب عليها الأجيال الجديدة سماحتها، التي أغوت الذي في قلبه مرض على هزيمتها من هذا الباب!
ويدرك أحمد موسى هذه المخاطر، فصاح ذات ليلة، إن رأسه ستكون برأس كبار من الإخوان، فمال الإخوان والحراك الحالي؟ ومالهم وحراك العام الماضي؟ بل ومالهم وحراك يوم الأرض، لقد قطعوا صلتهم تماماً بالأرض منذ يناير/كانون الثاني 2015، لكن العزف الموسيقي عن الإخوان صار من المحفوظات فلا يكتمل إيمان أحدهم بالمرحلة إلا إذا ألحق بالإخوان كل فشل للسيسي، مع تناقض هذا مع دعاية أخرى تقول إنه يكفي أن يكون إنجاز السيسي أنه أنهى على الإخوان، فكيف يكون قد أنهاهم وهم كالعفريت يظهر له في كل خرابة؟!
لم يكن عمرو أديب في برنامجه على القناة السعودية «أم بي سي مصر» هو وحده من تخلص من الإنكار، إلى الاعتراف (هو قال إنه لم ينكر المظاهرات أبدا) فالسيسي نفسه اعترف ضمنياً بها، من خلال افتعاله افتتاح مصنع مفتوح منذ عام، وهو كلما أراد الحديث افتعل لذلك مناسبة، فقبل هذا اللقاء افتعل مناسبة افتتاح الجامعة الألمانية، وهي مفتوحة منذ عدة سنوات، لكن المهم أنه في اللقاء الأخير، تحدث عن الذين يريدون هدم الدولة بالتظاهر؟ فما هي المناسبة إلا إذا كان يعلق على مظاهرات الريف.
وقد قال إن هناك من يصطادون في المياه العكرة، دون أن يجيب على سؤال ومن عكر المياه؟!
وقد اعتقلت أجهزة الأمن قرابة الألف مواطن، من بينهم أطفال، وأخلت سبيل البعض ولا تزال الأغلبية تحت تصرف النيابة العامة، فهل يجوز بعد هذا مواصلة الانكار؟!
خبرة الشركة المتحدة
لقد بات من الواضح أنه لا يوجد عقل حاكم في السلطة يدير الأزمات، فيكون الاتفاق على مواصلة الإنكار، أو الاعتراف، فبدا هناك من ينكرون ومن يعترفون بخروج مظاهرات تستهدف هدم الدولة؟ وكيف يمكن لمظاهرات محدودة أن تهدم الدولة؟!
ففي هذا الوقت، قامت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، باستدعاء اثنين من الإعلاميين لفبركة فيديو لمظاهرات في منطقة «عزبة السمان» وتم إرسالها إلى قنوات الخارج، والتي أذاعتها وعندئذ كان الهتاف على طريقة كابتن عصام الشوال «غول» مع المد اللازم حتى الاغماء، وبدا القوم كالأبله في «ليلة دخلته» فرح غير مبرر، ينتج سلوكيات غريبة يغفرها له إنه «خفيف العقل» وليس على المريض حرج!
قال أحدهم إنه فبرك فيديوهات في ثورة يناير، دون أن يطلعنا علماً هل هو من لفق الفيديوهات التي أذاعها التلفزيون المصري؟ والتي قالت إن العشرات فقط هم من يتظاهرون في ميدان التحرير، وبصور تلتقط من مناطق أخرى وبزوايا مختلفة، وقد اعترف عبد اللطيف المناوي، رئيس قطاع الأخبار في التلفزيون بأنها لم تكن صوراً تعبر عن الحقيقة، لكن الثوار كانوا يمنعون طواقم العمل في التلفزيون المصري من دخول ميدان التحرير. ولا شك أن عبد اللطيف يكذب!
وإذا كانت صاحبهم وهو يتحدث عن دوره البطولي السابق وخبرته في هذا المضمار يقصد هذه الفيديوهات؟ فهل أفادت في شيء؟
فلم يصدق المصريون هذا الانكار من قبل التلفزيون الرسمي واعتبروه شيئا لزوم الشيء، وفي الأخير ثبت للدنيا أن هناك ثورة، وهل تنحى مبارك من تلقاء نفسه أو زهداً في الحكم؟!
ونرجع إلى سؤال الدروس المستفادة من وراء هذا الفيديو المفبرك لمظاهرات نزلة السمان؟ هل الادعاء أن الفيديوهات الأخرى «فوتوشوب» أيضاً؟
إن دعاية الأذرع الإعلامية للسلطة تقوم على أن قناة «الجزيرة» وقنوات تركيا هي من تفبرك هذه الفيديوهات، ولا شك أن بث الفيديو الملفق هو دليل على البراءة من هذا الاتهام، فلو كانت تفعل ما وقعت في خطأ الاستعانة بتلفيق الغير!
ثم ماذا تستهدف عملية تلفيق مظاهرة؟ هل التأكيد على أنه لا يوجد هناك مظاهرات؟ لقد تحول القوم من الإنكار إلى الاعتراف، وإذا لم تكن هناك مظاهرات، فلماذا اعتقلت أجهزة الأمن هذا العدد الكبير من الناس؟ ولماذا خرج السيسي محذراً من مخطط هدم الدولة؟ هل هناك ما هو غير مرئي لنا ويعرفه هو من مخطط كبير لهدم الدولة عناه في تحذيره وهو يفتتح مصنعاً مفتوحاً؟!
إن الشركة التي سهرت على انتاج هذه «الخيبة الثقيلة» هي الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وهي شركة تتبع الأجهزة الأمنية، ولهذا وضعت يدها على التلفزيون المصري، وبرنامج التاسعة مساء هو باكورة أعمالها؟ هل هناك من يتابعه؟!
لقد تم الإعلان عن أن الشركة ستقوم بتطوير التلفزيون، فيكون فيلم مظاهرات نزلة السمان الرديء هو من أعمالها، فكيف يعهد لهذه الركاكة بتطوير دولة بحجم التلفزيون المصري، وهم يتصرفون على هذا النحو؟!
وفي الحديث عن تطوير التلفزيون بدت الشركة وكأن لديها كوادر إعلامية مؤهلة للتطوير والتدريب، فإذا بها تستعين بصديقين لها من الخارج لصناعة فيلم، مع حشد الذباب الالكتروني مع كل عمل لها مصفقاً ومهللا لإدخال الغش والتدليس على الناس، ولأحداث عملية خداع بصري، فيظن الناس أنها الجماهير العريضة الشاهدة على هذا الانتصار الوهمي!
إن الأجهزة الأمنية المصرية تملك خبرة عريقة في التلفيق، وعندما تفشل في هذا المجال على هذا النحو، وبدون استشعار الحرج من قبل أهل الحكم، فإن هذا أمر مقلق حقاً.
يا خسارة يا بلد.. فشل حتى في هذا المجال؟!
صحافي من مصر