القاص المصري عبد العزيز دياب في «أن تغني وأنت تسحق حشرة»: مجموعة قصص تخضع لطواعية اللغة وتجنح إلى السخرية

صابر رشدي
حجم الخط
0

تقول الكاتبة هالي بيرنت، التي كانت مشرفة على مجلة «القصة» الأمريكية ومكتشفة عدد كبير من نجوم الكتابة هناك، وهي تلخص في لمحة بسيطة، لكنها بالغة العمق في التعامل مع الإبداع الجيد، في فقرة من كتابها الصغير المهم «كتابة القصة القصيرة»: كتب أحد الناشرين ذات مرة إلى بول غاليكو مؤلف قصة «الإوزة البيضاء»، وهي قصة شهيرة عن الحرب العالمية الثانية: «لا تهمني خلفيتك مهما كانت إذا استطعت أن تكتب لي قصة جيدة».
ما الداعي إلى هذه المقدمة السريعة؟ التي لا تعتبر بأي حال من الأحوال تعليقاً نقدياً، لكنها في العمق منها، تعدّ درساً إنسانياً، فارقاً، في التعامل مع الإبداع، قائماً على الذائقة الموضوعية، والتعامل بالغ الذكاء مع المبدعين، دون الالتفات إلى كل ما يصرف النظر عن الكتابة.
لذا، وفي رحلة بحثي عن الكاتب عبدالعزيز دياب مؤلف متتالية «أن تغني وأنت تسحق حشرة»، هذا العمل السردي المدهش، لم أجد ما يشفي غليلي؛ فقط معلومات قليلة عنه، على ظهر غلاف الكتاب، عن أعماله والجوائز التي حصل عليها، وصفحة على الفيسبوك متروكة للآخرين من هواة إزعاج العالم بمنشوراتهم. ما جعلني أكتشف جهلي بكاتب يعرف تماماً كيف يصيغ القصص بمهارة واضحة، ويعمل على ثيمات مركبة، يدمج فيها العبثي، بالفانتازي، بالواقعي، لاجئاً إلى الكوميديا، والسخرية الفنية، بشكل راقٍ، غير مبتذل، مبتعداً عن التسطيح والخفة. إنه ينشئ عالماً فوضوياً، من خلال ألعاب سردية متقنة، تنهض من حطام الواقع، ولامعقولية كثير من الأشياء التي نعيشها، ونحياها بشكل متكرر.
ثيمات لا تستطيع أن تضعها تحت تصنيف محدد، فهي تلعب على كثير من الرموز والدلالات، دون أن تترك وراءها أثراً ما، في نوع من الحذر النادر، يذكرك بكتاب «كليلة ودمنة» للفيلسوف الهندي بيدبا الذي ترجمه الناثر العظيم عاثر الحظ عبد الله بن المقفع. لكننا في هذه المتتالية، نجد للطعام، والشراب، والحشرات، والجدران، أدواراً كبيرة، جوار الحيوانات والطيور، وبقية الكائنات الأخرى، التي تتقاسم الحياة مع البشر.
في قصة «مراسل قناة إمبو» التي تخلو من الجمل الزائدة، وتحاول بضربة مزدوجة، النيل من الحروب التي نتنفسها بشكل يومي، ومن تغطية الإعلام والفضائيات لها، وتحويل المأساوي إلى نوع من الهزل المبني على المفارقات العبثية، والتصرفات اللامعقولة، كأنه يلعن الصراعات المعاصرة على طريقته:
«لا بد للحرب أن تبدأ بكل شراستها وعنفوانها كما تتخيلها سوسن لتثبت جدارتها كمراسل لقناة «إمبو» الإخبارية. هي لا تطمع في أكثر من خمسة قتلى، سواء كانوا من طرف واحد أو من كلا الطرفين المتحاربين. وقفت أمام المرآة لمدة تجاوزت الساعة قبل أن تدفعها أمي إلى ساحة المعركة بحديقة البيت، بدت سوسن كمراسل حربي عتيق، الخوذة على رأسها، انتفاخ جسدها قليلاً عند منطقة الصدر والبطن، يشي بأنها ارتدت السترة الواقية».
تبدأ القصة هكذا، على هذا النمط الكاريكاتوري، كما في بقية نصوص المتتالية، بواسطة هذا الراوي ذي النبرة المرحة، المشارك في اقتسام العمل مع بقية الشخصيات، مستعرضاً الأحداث من خلال أفراد عائلته، أنه يحصر العالم في هذا الحيز الأسري الضيق، لينال منه على طريقته. لاجئاً إلى التعليق، أحياناً، بفقرات سردية لا تخلو من المرارة، كأنه يتيح لصوت العقل أن يتدخل في الحكاية، ويضع حداً للسخرية، ليذكرنا بسخرية مختلفة، لها طعم مُر، بأننا في حاجة إلى حرب تدمر وتنسف وتقتل. في حاجة إلى فريقين يقتتلان، كما أخبرنا التاريخ أن البشر كما يأكلون، ويشربون، ويتنفسون يتصارعون، يقتل بعضهم بعضاً، وما تأسست القنوات الإخبارية إلا لترصد حركة البشر ومناطق الصراع، فالحروب تمنح المراسلين الحربيين فرصة كبيرة للتألق والنجومية، ما جعل فتاة مثل سوسن تحلم بهذه النجومية القادمة من ظلمات الدمار الإنساني.
تقع حرب ما وفقاً لنبوءة الأم، وعند سقوط أول قتيل يصفق الأب ويشعل غليونه، تمنحه الأم فنجان قهوة محوجة بالهيل، مصحوبة بالزغاريد. سوسن تقذف بالميكروفون وهي تصرخ: ماما، ماما.. أنا جعااااانة!
يضع الراوي لهذه المعارك المصطلحات السياسية والحربية التي تصاحب عادة الحروب الكبرى، ليصف بها الحوادث الهزلية، التي تضطر معها سوسن إلى خوض غمارها، هابطة إلى ساحة القتال وهي تنهش بكل غِل ما تبقى في يدها من ساندويتش الهامبورغر. في خاتمة تتفق مع عنوان القصة والاسم الذي أطلقه على القناة: «إمبُّو» الذي هو في العامية المصرية نداء الأطفال الصغار على الماء عندما يشعرون بالعطش، هؤلاء الأطفال الذين لم يستطيعوا بعدُ نطق الكلمات.
بينما في قصة «أن تغني وأنت تسحق حشرة» ينجذب الكاتب إلى المنحى الفانتازي الساخر ذاته، بصوت الراوي المشارك في الأحداث، وبتلك النبرة، التي لم تفقد ملامحها في معظم القصص، محافظاً على هذه الروح النقية، المفعمة بالبراءة والمرح. إنها روح فتى في عمر الصبا، يتقافز بين النصوص برشاقة. وها هو يقرر في بداية هذا النص، أنه توصل إلى طريقة لاستحضار ساحر اسمه فاشة، وذلك في غبشة الغروب، وعلى الدكة العتيقة القائمة بحديقة البيت، الحديقة التي تعد مسرحاً تدور عليه كثير من أحداث تلك الإضمامة. كان الوسيط مازن مسجى، بينما هو يشعل شمعتين عند رأسه، شمعتين فقط، واحدة عن يمينه والأخرى عن يساره، ليتحقق الاتزان المطلوب، ليتمتم بعدها، بحذر حتى لا تنطفئ شمعة واحدة. ضاغطاً على بطن شقيقه مازن ثلاث مرات، منتظراً أن يخرج الساحر من فمه. إنه يتمناه أن يكون وسيماً في هيئة نجوم السينما: جوني ديب، براد بيت، رشدي أباظة، أو غليظ الملامح في هيئة شريرة، تسكن ضفدعة في حلقه:
«عندما يلوح فاشة بقبعته البنية الخوجاتي ينفلت منها كلب رشيق، يهوهو بصوت رفيع مشروخ، يقف في مواجهة المعلم حشرة وعصابته من تلاميذ فصل 4/6 مدرسة عادل ألفونسو الابتدائية، تنتابني مشاعر غريبة تؤرق أفكاري، أعرف أن إلية مازن طرية صالحة للعض بسبب أكل البليلة باللبن والمكسرات في ليالي الشتاء. أو لأنه لم يتكبد عناء الذهاب مثلي إلى ورشة أبي حاملاً عمود الطعام وهو يغني ذهب الليل طلع الفجر».
تجري بقية القصة على هذا النحو، البطل وشقيقه والأب والأم والعمة توحيدة، وتطلعاته إلى مشاهدة بطة بنفسجية تغني «كوكو واوا» وتشوط الكرة بمنقارها، أو تتسلق نخلة البلح الحيَّاني، على سبيل اختبار قدرات فاشا السحرية، أمام أمه، وعمته، وخاله، ومدام وسيلة مراسلة قناة «إمبو» الإخبارية.
نحن بالفعل أمام عالم مغرق في العبث، يتم فيه تشويه الواقع من خلال الانخراط في ألعاب فنية خارج المألوف، وسرد كاريكاتوري، يثأر من الجهامة، ويطارد الضجر الذي يلازمنا ونحن نتابع الأحداث المؤسفة التي صارت شيئاً أساسياً في حياتنا. فنحن أمام تسع عشرة قصة، لا تعتمد على العلاقات السببية بين الأحداث أو الشخصيات، على نحو يسرِّب إلينا الشعور باللاجدوى، عبر تفريغ الواقع المعيش من معناه، زعزعة استقرار الأدب التقليدي، تفكيك الروابط بين اللغة والواقع، بين الرمز والمعنى، زج الشخصيات في تجارب غير قابلة للتفسير، من خلال البنية السردية التي تعتمد الحذف أو الإضافات الساخرة، نتيجة غياب المنطق، وتجاهل الترتيب السببي للأحداث، كعادة الأعمال الأدبية المعتمدة على تفكيك الثنائيات: المعنى واللامعنى، البداية والنهاية، السبب والنتيجة. فلا يوجد شيء حقيقي يُقدَّم هنا، كما يحدث في قصة «عوالم عصير المانجر»، فالراوي/البطل يتحدث عن شقيقه مازن:
«اليوم افتقدني ما يزيد عن ساعة، بحث عني في كل مخابئ البيت، الزوايا والأركان، مناطق غامضة ومنعطفات شائكة كنا نلجأ إليها ونحن نلعب الغميضة: وراء الكتب، تحت الأَسِرَّة، داخل الدواليب، وراء المهملات بركن الشرفة، في مؤخرة الحديقة، في عشة الطيور. ذكاؤه حاد وحكمته واسعة، بدأ يستدرج حضوري بالحديث عن طعم أكياس الشيبسي بالشطة والليمون».
ثم يلجأ بعدها إلى الإطاحة بالمنطق، عندما نكتشف أن نثره لا يقول كل شيء، لكنه يعمل على إثارة مخيلة قارئه، ورسم الابتسامة على شفتيه، آملاً في متلقٍّ حقيقي يملأ معه الثغرات المتروكة عمداً، من خلال التواصل الفعال، الذي لا تكفيه قراءة العمل لمرة واحدة فقط.
لا أدري ما هو «عصير المانجر»، الذي صنعته سوسن، لكنها -على أي حال- حيلة فنية لجأ إليها الكاتب، ليتيح لخيال الراوي الذهاب بعيداً في طموحاته، وتطوحاته، وهو مخمور، متخيلاً نفسه في سن الثلاثين، جالساً في حانة رثة في روما، مع جميلة من جميلات المكان، صدرها ناهد ومكشوف، وتتحدث بلثغة محببة:
«كنت أقبلها في مشاهد مبتذلة أثارت حنق البارمان، كنت أعرف أنه يعشقها. لم أكترث به، ضرب بقبضته على الكونطوار، قال كأنه يؤدي مشهداً في فيلم هابط: دعوني أشفي غليلي.
ظننته يهذي ولم أكترث، لكنه قتلني، نعم، قتلني، أظن أنه وضع مُدْيَة في صدري، والتفت يقبل الجميلة عنوة».
على هذا المنوال، تدور هذيانات شرب عصير المانجر، يرى نفسه «بك» يصول ويجول على صهوة فرس جسور في عزبة تركها له خواجة راجعاً إلى بلاده، تاركاً له زوجته، فاتخذها عشيقة، كانت تضربه بالكرباج كل ليلة قبل أن يمارسا الحب.
ناصحاً مازن بشرب عصير المانجر ربما يرى نفسه درويشاً، يرش البخور حوله صبي أخنف، أو زعيم حزب الأغلبية المناهض للسلطة وهو في سن تجاوز الخمسين، يخوض ماراثون حول جبل المقطم، مشجعاً فئات الشعب العاملة على طرد كل السموم الخبيثة من أجسادهم.
ربما كانت تلك «الهذيانة» الأخيرة تمثل لدغة غير سامة للواقع السياسي، واقتراباً حذراً، ينأى بنفسه عن الدخول في تلك المتاهات المعقدة، القفز فوقها، وتجاوزها، عبر الإخلاص لفن القصة لا أكثر، دون تحميلها مضامين لا يرى الكاتب داعيا إليها، وحتى لا يشعرنا باللاجدوى، الضاربة في كثير من جنبات الواقع المعيش والآني، مكتفياً بمهارته الفنية، وطواعية اللغة، وتدفقها الملحوظ، في سرد النصوص، على نحو مؤثر ومغرٍ بما فيه الكفاية.

عبد العزيز دياب: «أن تغني وأنت تسحق حشرة»
دار قصص للنشر والتوزيع، القاهرة 2024
81  صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية