تأخرت في مشاهدة حلقات برنامج «الصندوق الأسود»، على قناة «اليوتيوب» الخاصة بجريدة «القبس» الكويتية، مع الشيخ حمد بن جاسم، وزير خارجية قطر السابق، وهو وإن كان قد جمع بين هذا الموقع وموقع رئيس الحكومة، فقد ظلت الصفة التي يُعرف بها عربياً، هو أنه وزير الخارجية، وليس رئيس مجلس الوزراء!
التأخير، كان لأسباب تكنولوجية ولوجستية، فقد سمعت أكثر من صديق يتحدث عن هذه المقابلة وأهميتها، والتي تذاع على حلقات، ولم أكن غريباً على هذا القناة، أو هذا البرنامج، فقد سبق لي أن تابعت المقابلة التي أجراها مع المفكر الكويتي الدكتور عبد الله النفيس، وعلقت عليها في هذه الزاوية، لكني عندما هممت بمتابعة حلقات الوزير القطري السابق، فوجئت بأن القناة صارت مشفرة، وأخبرني فاعل خير أن التشفير لم يصل بعد إلى موقع القناة على تطبيق تليغرام، فلما ذهبت إلى هناك، وجدت القوم قد انتبهوا لذلك، وتم تشفير القناة أيضاً، وكان علي أن أخوض بنفسي التواصل معهم بهدف الاشتراك، من خلال منصاتهم، لكن بدون رد!
وفي النهاية، لم يكن هناك بد من الاستعانة بصديق، هو الذي قام بالاشتراك، لنكتشف أن القناة صارت تطبيقاً مستقلاً، وجدت مكانها كأيقونة ضمن أيقونات الهاتف الجوال، وإذا كانت هذه الزاوية متخصصة في النقد التلفزيوني، فإلى الآن، لا نعرف ماذا يمكن تصنيف «يوتيوب»، هل ضمن مشتملات الشاشة الصغيرة، أم أنه شاشة ثالثة، بعد الشاشة الكبيرة، وهي شاشة السينما، والشاشة التلفزيونية؟ فلا نزال في مرحلة التعريب المبكر للسندوتش؛ بأنه شاطر ومشطور وبينهما طازج!
ومع أني قد دفعت عداً، ونقداً (لزوم القافية)، قيمة الاشتراك في قناة «جريدة القبس»، إلا أنني أثمن هذه التجربة، من خلال الانتقال بمنصة «اليوتيوب»، إلى آفاق أوسع، حيث تحويلها إلى تلفزيون يقدم برامج رصينة، وينتقل بالاستخدام إلى الجدية، بدلاً من الحاصل الآن من الاستغراق في الشعوبية، وقد أصبح وسيلة لإشاعة الظاهرة العكاشية في الإعلام، والتي تجد اقبالاً من الجمهور، ومثلت مصدر رزق مهم لكثيرين، ضبطوا ايقاعهم على موجة ما يطلبه المشاهدون، وأصبح وسيلة لترويج معلومات غير حقيقية، وفي كثير من الأحيان كاذبة، وإن كان بعض الإعلاميين قد انتقلوا إليه، ليقدموا برامجهم من خلاله، ولن يكن آخرهم حافظ الميرازي، ففي الوقت الذي يعمل فيه نشأت الديهي مذيعاً يجلس الميرازي في البيت!
ضيوف الوزن الثقيل:
«الصندوق الأسود» ليس هو البرنامج الوحيد لقناة «القبس»، فلديها أكثر من برنامج، وفي فترة البث المجاني، كانت ملاحظتي، أنها تمنع خاصية إذاعة الإعلانات، وظهر أن هذا جزء من خطة الانتشار، فبعد أن كسبت المتابعين انتقلت إلى مرحلة القناة المشفرة، وهي لم تنجح تلفزيونياً وقد بدأت عربياً مع قنوات «تي آر تي»، التي كانت مملوكة للشيخ صالح كامل، لكن عندما أجد الآن أعداد المشاهدين لحلقات الشيخ حمد بن جاسم، تتراوح بين الربع مليون والنصف مليون مشاهد، أدرك أن التجربة قد تنجح في الانتشار والتمويل!
وإذا كان «الصندوق الأسود» ليس هو البرنامج الوحيد، إلا أنه ما يميز هذه القناة، حيث يستضيف شخصيات من الوزن الثقيل، وأن تقتنع هذه الشخصيات بأن تخضع لاستجواب المذيع لساعات طويلة، فهذا من شأنه أن يضمن النجاح المهني لها.
وعموماً، لا نريد أن نذهب بعيداً، وأن نغرق في الأماني، وأن ننصب مولداً لمنصة «يوتيوب»، كالموالد التي نصبت لمنصات أخرى مثل «فيسبوك»، و»تويتر»، والإعلام الجديد، وزمن الانترنت، وهي موالد نصبت من خلال دراسات وأبحاث أكاديمية، لم يتريث أصحابها قليلاً لينظروا إلى المستقبل، وها هي كثير من المعوقات تظهر، دون دراسة متأنية لها، فتملك الأنظمة قدرة على حجب المواقع الإلكترونية، وتتدخل المنصات في الحد من الانتشار، وفي فرض رقابة على المنشور، وفي تحديد تابوهات لا يجوز الاقتراب منها، وفي غمضة عين، أغلق مارك ابن أبيه، صفحتي على «فيسبوك»، بما فيها من آلاف المشتركين، وارشيف مهم يرصد الموقف، ويذكر بالأحداث، كل هذا لأن لنا موقف في القضية الفلسطينية، لا يتفق مع معاييره، ولأنه يعتبر مجرد عزاء لخالد مشعل في وفاة والدته جريمة تستدعي العقاب، لننتقل من استبداد الأنظمة إلى استبداد جديد، ثكلتهم أمهاتهم جميعاً!
إن مشكلات ولا شك تواجه منصة الـ «يوتيوب»، لكنها ليست في حجم مشكلات المنصات الأخرى، لكن الأمر يتوقف على المستقبل، فربما تكون الآن في مرحلة تثبيت الأقدام، كما فعلت قناة «القبس»، من حيث البث المجاني، وبدون إعلانات قد تزعج المشاهد، إلى التشفير، وإن كان يحسب لها أنها لا تسمح بإذاعة الإعلانات إلى الآن!
وفي العموم لا توجد وسيلة إلى الآن يمكن أن تنافس التلفزيون!
أهمية الشهادة:
لقد انتهى الشيخ حمد بن جاسم من شهادته، عند الحلقة (59)، بجانب حلقة عن «كواليس البرنامج»، وقد كتب على صفحته على تويتر، أن بعض الحلقات تعرضت للحذف، وبهذا الحذف وبدونه، فان تجربته في الحكم ثرية، وهي جزء من تاريخ قطر، ومن تاريخ الخليج، ومن تاريخ المنطقة، ومن الأفضل كتابة مذكراته، لأن الشهادات الشفهية ليست دائماً كاملة، وإذا كان أحمد أبو الغيط، قد كتب مذكراته بعنوان «شهادتي»، وكل ما حدث في تاريخه أنه نام واستيقظ، ثم نام واستيقظ، فألا تستحق هذه التجربة العريضة الكتابة بدقة وعناية؟!
أهمية شهادة وزير خارجية قطر السابق، هي في هذه الشجاعة أن يقول حتى المواقف السلبية التي تعرض لها، والتي أغضبته، وليس أهمها ما قاله أمير البلاد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، في وصفه أمام مبارك مازحاً، وربما ليروي ظمأ الرئيس المصري للنكتة. وقد كان يقرب من يملكون المهارة لذلك، والذين سافروا معه في سنوات حكمه الأخيرة يعرفون عنه هذا، وقد كان يقرب أحد رؤساء التحرير الجدد منه في رحلاته لا لشيء، إلا ليروي له النكات والحكايات المبهجة، فيوشك أن يدخل في غيبوبة من الضحك!
تحدث الوزير القطري السابق عن زيارة مبارك لقطر ولقناة الجزيرة، وكانت شهادته مناسبة لنعرف من مصدر مسؤول حقيقة ما قاله الرئيس المصري، وراج اعلامياً، فذكر الوزير إن مبارك عندما رأى مبنى الجزيرة متواضعاً قال في دهشة: «دي علبة الكبريت اللي مدوخة العالم». وما لم يقله إنها العبارة التي انتقلت بوزير الإعلام المصري صفوت الشريف من الحياد مع الجزيرة، إلى العداء لها، والهجوم عليها في التلفزيون المصري الرسمي بدأ من هنا!
لقد ذكر الوزير، أن أمير البلاد اصطحب مبارك في سيارته وكان يقودها بنفسه، وكان هو معهما، وإذ جلس مبارك بجانب الأمير، فقد جلس الوزير في الخلف، وقد انزعج مبارك عندما ضرب بيده على السيارة ليكتشف أنها غير مصفحة. ومن يعرف مبارك يدرك حجم الهلع الذي يمكن أن يكون قد انتابه في هذه اللحظة، لقد دخل النظام المصري مفاوضات عقيمة مع النظام التونسي في أول زيارة له لتونس، لرغبة مبارك في أن يصطحب معه من القاهرة سيارة مصفحة، وقال التونسيون إن تونس كلها سيارة مصفحة!
وربما أراد الأمير أن يزيل حدة التوتر، فقال لضيفه المصري، كما أن هناك «لص بغداد»، فهنا نطلق على حمد بن جاسم «لص الدوحة»، وضحك مبارك بشدة، وغضب الوزير، فلو كنت لصاً فلماذا تتركني بجوارك، لكنه الظرف الذي استدعى ذلك، ولأن الأمير من رأيه أن مبارك لا يرتاح له أو للوزير، فكانت هذه التسرية!
لقد كانت الجزيرة هي موضوع رئيسي على معظم الحلقات، لكن التركيز عليها كان في الحلقة (25) وفي الأزمات التي خلقتها لقطر، بسبب الحرية التي منحها لها صاحب الفكرة الشيخ حمد بن خليفة، ويبدو الشاهد أنه مجبر في أمر الجزيرة لا بطل، فقد سببت صداعاً لوزارة الخارجية بسبب هذه الحرية!
فلما قال مذيع البرنامج، نتوقف عن موضوع الجزيرة، تنفس الوزير الصعداء، وكأن غمة انزاحت، وقال في لهفة: «يا ريت، ما لي أنا والجزيرة، اسألوا عنها حمد بن ثامر»!.
إنها شهادة مهمة، كما أن تجربة قناة «القبس» مهمة وجديرة بالدراسة!
٭ صحافي من مصر