“القدس العربي” تطلع على حقيقة ابتزاز الأجهزة الأمنية لعائلات تنظيم “الدولة” : مخيمات الموصل بين الإشاعات وعناء توفير متطلبات العيش

خالد الخليل
حجم الخط
0

الموصل-“القدس العربي”:خلال معارك استعادة الموصل من أيدي تنظيم “الدولة” عملت الحكومة العراقية والمنظمات الدولية على إنشاء مخيمات لإيواء النازحين الفارين من جحيم المعارك، فتم إنشاء عدد من تلك المخيمات وأشهرها مخيمات “حسن شام” شرق الموصل، ومخيم “الجدعة” جنوب الموصل، ومخيم “حمام العليل” جنوب الموصل أيضا، بالإضافة إلى خمسة مخيمات أخرى.

لجأت العوائل مع اشتعال فتيل المعارك إلى تلك المخيمات ووصلت أعدادها إلى الآلاف، وعجزت الحكومة العراقية عن مواجهة هذا التحدي، فعانى النازحون داخل تلك المخيمات كثيرا بسبب نقص الخدمات الأساسية ومتطلبات العيش الضرورية، فضلا عن فضائح الفساد والابتزاز التي شاعت رائحتها من هناك.

وبعد أن وضعت المعارك ضد تنظيم “الدولة” في الموصل أوزارها لصالح القوات العراقية المدعومة بغطاء جوي من التحالف الدولي، ظهرت مشكلة عوائل تنظيم “الدولة” وماذا سيكون مصيرهم؟ ولم يزل هذا المشكل يطل برأسه بين الفينة والأخرى بطرق مختلفة، خصوصاً في الأوقات التي تنفذ فيه خلايا تنظيم “الدولة” في الموصل وغيرها عمليات أمنية ضد القوات العراقية، حيث تتصاعد الاتهامات حينها ضد عوائل التنظيم، وتكثر المطالبات على وسائل التواصل الاجتماعي بضرورة ترحيلها من المدن والبلدات والقرى إلى المخيمات، وفي الغالب يكون خلف تلك الحملات على وسائل التواصل جهات محسوبة على الحشد الشعبي.

على إثر تلك الحملات ضد عوائل التنظيم نفذ الحشد الشعبي ومعه العشائري مداهمات ضد بعض منازل عوائل التنظيم داخل مدينة الموصل وخارجها وقاموا بطردها من بيوتها، فتوجه من لا يملك المال للعيش في بيوت مستأجرة إلى المخيمات طمعا بأدنى درجات العيش الكريم، واستمرت حملات التهجير ضد تلك العوائل حتى بدأت أعدادها تتصاعد داخل تلك المخيمات، خصوصا مع بدء عودة المدنيين العاديين الذين هربوا من المعارك إلى منازلهم مع وصول الخدمات الأساسية إلى مناطق سكناهم.

بدأت تقارير متلاحقة مصدرها منظمات دولية ووسائل إعلام، تتحدث عن ابتزاز ومساومة يقوم بها أفراد القوات الأمنية وموظفو المخيمات ضد نساء وزوجات عناصر تنظيم “الدولة” المقتولين والمفقودين، وقالت تلك المصادر أن أولئك العناصر حاولوا استغلال ضعف وحاجة تلك النساء للمعونات الغذائية والدوائية والأوراق الثبوتية فراودوا عددا غير قليل من النساء عن أنفسهن.

ومن هذا المنطلق، وإكمالاً لتحقيقات سابقة، زارت “القدس العربي” عدة مخيمات للنازحين للوقوف على حقيقة تلك الإشاعات والمزاعم والادعاءات، واعتمدت في تحقيقها في الأساس على شهادات ميدانية من داخل تلك المخيمات لعدد من نساء عناصر تنظيم “الدولة” ومن النساء العاديات في المخيم، كما أخذت شهادات من أقارب تلك العوائل وسألتهم عن كيفية سير حياة النساء داخل مخيمات النزوح.

بدأت رحلتنا من مخيم “حمام العليل” جنوب الموصل، والتي تحججنا خلالها بزيارة أحد الأقارب داخل المخيم للسماح لنا بالدخول، وكانت أول حالة نلتقيها هي (أم مصطفى 39 عاما) من حي الانتصار أيسر الموصل، وقد قتل زوجها في الحي نفسه وهو يقاتل مع التنظيم محاولاً منع تقدم القوات العراقية، وكان أول سؤال لها: لماذا أنت هنا؟ فأجابت: “لجأت إلى المخيم مع أطفالي الخمسة بعد أن طردني عنصر في الحشد العشائري – وهو من أقربائي- من بيتي ليستولي عليه ويسكن فيه، ولم أستطع تحمل تكاليف بيت مستأجر، لذلك جئت إلى مخيم حمام العليل، وأنا هنا منذ سنة تقريبا”.

سألناها، هل تعرضت شخصيا لمساومة أو استغلال جنسي أو مادي أو غيره من أي جهة؟ أو هل سمعت بتعرض امرأة أخرى لهكذا حالات؟ أجابت: “شخصيا لم أتعرض لهكذا مواقف، لكني دائما ما أسمع عن حالات منذ أن جئت هنا، وأعرف بعض النساء غادرن المخيم بوساطات أو برشى بعد أن شعرن بالخطر على شرفهن”.

توجهنا إلى خيمة أخرى بعد أن أنهينا حوارنا مع أم مصطفى، لنجد فيها كهلا قد احدودب ظهره، وتجعد وجهه، وبجانبه امرأة عجوز يجلس في حجرها صبي في الثالثة من عمره تقريبا، ويلعب آخر حولهما، فعرفنا من خلال الحديث أن الرجل أبٌ لثلاثة عناصر من تنظيم “الدولة” قتل الأول في معارك بيجي، والثاني في جزيرة الخالدية، والثالث خلال معارك الموصل، وهو من عشيرة “الحديديين” كان يسكن في قرية شرق الموصل، لكنه لم يستطع العودة إليها خوفا من لواء 30/حشد شعبي الشبكي، فجاء إلى المخيم مع ابنته العزباء وزوجات أولادها الثلاثة الأرامل، فسألنا (أبوسبهان): هل هناك حالات اعتداء أو تحرش أو اغتصاب داخل المخيمات؟ أخبرنا بما تسمع. فأجاب: “هناك مثل عراقي يقول (اللي ما يفتح زمبيله، ما حد يعبيله) وكذلك العفيف والشريف والأصيل يبقى على طبعه وأصله مهما كانت الضغوط، ولا أحد يجرؤ على طرق باب بنات الأصول لأنه يعرف الرد الذي سيلقاه، وأنا أقول: لا علاقة للشرف والعفة بداعش أو غيرها، بل هي أمور ورثناها وتعلمناها وتربينا عليها دينياً وعشائرياً، وما تسمعون من إشاعات عن المخيمات إنما هي صادرة عن بعض النسوة اللاتي وجدن ضالتهن في المخيمات، حيث المسكن والملبس والمأكل والحماية بالمجان، فضلا عن استغلال البعض لهذه الأخبار لاتهام عوائل داعش بهذه الأفعال المشينة، وهم يروجون هذه الأخبار حقداً وبغضاً، ولا يوجد أحد في الموصل لا يملك قريبة زوجها داعشي، فعلام إذا؟ ونحن نلوم مسؤولي المخيمات السماح لمثل هكذا نماذج بالبقاء فيها وتشويه سمعة المخيمات، لكن (حاميها حراميها)”.

وكانت منظمة العفو الدولية نشرت في منتصف العام 2018 تقريرا بعنوان “المدانون: نساء وأطفال عراقيون معزولون ومحاصرون ويتعرضون للاستغلال في العراق” وقالت فيه أنها رصدت “تفشي التمييز ضد المرأة في مخيمات النازحين داخلياً من قبل قوات الأمن وموظفي إدارات المخيمات والسلطات المحلية التي تعتقد أن هؤلاء النساء ينتمين إلى تنظيم الدولة الإسلامية” وأكد التقرير أن “الاستغلال الجنسي كان يحدث في كل مخيم من المخيمات الثمانية التي زارها باحثو المنظمة الحقوقية، وأنهم سمعوا عن حالات اغتصاب بعد رفض النساء إقامة علاقات جنسية مع رجال الأمن وموظفي المخيمات”.

وبعد أن استمعت “القدس العربي” لشهادات من مخيم “حمام العليل” توجهت إلى مخيم “الجدعة” للغرض نفسه، واستطاعت هناك أن تلتقي (أم عبد الرحمن 32 عاما) فسألناها إن كانت سمعت بهذه الأخبار والإشاعات، فقالت: “قبل أن يتم استبدال الكادر الأمني والإداري في المخيم كنا نسمع عن حالات تحرش وابتزاز ومساومة ضد العوائل داخل المخيم، لكنها اليوم باتت أقل جداً، علما أن هناك خيمتين يتردد عليهن أفراد من الجيش والشرطة، ولا يستطيع أحد أن يتكلم معهن بشيء، لأنهن مستقويات بمن يتردد عليهن”. سألناها: “هل لأصحاب هاتين الخيمتين صلة بتنظيم الدولة؟ أجابت “أعرف صاحبة إحدى الخيمتين، وهي (فلانة) من منطقة الرشيدية أيسر الموصل، وعندها أولاد اثنين بايعوا داعش، وهي صاحبة تاريخ أسود ويعرفها جميع أهل المنطقة، وقد سمعنا في حينها أن تنظيم داعش طرد أولادها من صفوفه بعد فترة، ثم هربا إلى خارج العراق، واليوم تفعل ما تفعل هي وعائلتها داخل المخيم، ثم تتفاخر علنا بأن أولادها كانوا دواعش! ولا أحد يتعرض لها! ولا ندري ما قصدها بالتركيز على هذه النقطة”.

وفي المخيم، كان لنا أيضا لقاء مع (أميرة سلطان 43 عاما)، فحدثتنا عن تجربتها الشخصية ومشاهداتها داخل المخيم قائلة: “الخيم متلاصقة، وأحيانا أسمع ما يدور في الخيمة الثالثة عني، ولم أشاهد أي امرأة تفعل ما تترفع عنه بنات العرب والأصول، لأن الفضيحة ستكون بجلاجل كما يقولون، وهناك حالات ابتزاز ومساومة تحصل من قبل إدارة المخيم الأمنية والخدمية، لكن ظروفنا تجبرنا على التغافل عنها، فنحن لا نملك فعل أي شيء، وصوتنا غير مسموع. وأنتم تعلمون أن المخيم فيه آلاف العوائل، فهل من العدل أن تتشوه سمعة المخيمات بسبب ثلاث أو أربع خيم غير منضبطة؟”.

في سياق متصل، قال الشيخ أبو محمد الذياب معلقاً على تلك الإشاعات “أن الحملة الإعلامية التي تجري في الموصل باتهام نساء الدواعش ببيع الشرف والسعي وراء الفجور والرذيلة يقف وراءها من روج سابقا على بعض القنوات المغرضة لكذبة جهاد النكاح وأشباهه، وإلا كلنا يعرف أن الشريفة تبقى شريفة، ونعلم أيضاً أن نساء الدواعش لم يخرجن من شق الأرض، بل هن نساء الموصل أو الأنبار أو بقية مناطقنا الكريمة، وهن بنات عشائرنا الأصيلة، ولا علاقة للشرف بالأفكار أو الانتماءات، كما لا يستلزم أن كل زوجة داعشي تحمل فكره، لكن كما قيل (المرأة أسيرة زوجها)”. وضرب الذياب مثالاً عن قصة يعرف تفاصيلها عن امرأة كان زوجها مبايعا لتنظيم “الدولة” وانتقلت معه من الرمادي إلى حصيبة، ثم إلى هجين حيث قتل زوجها هناك، فانتقلت إلى مخيم الهول في سوريا، فاتصلت المرأة بأخويها وهما يعملان في فوج مكافحة إرهاب الرمادي، فتوجها إلى الموصل ثم إلى ربيعة ليتفقا مع مهرب ويحضرا أختهما، وهي أم لطفلين (عبد الله ورحمة) وهي تعيش الآن معززة مكرمة مع أخويها. وتابع “هذا مثال أن أهل الأصول والعادات والتقاليد لا يتخلون عن أعراضهم لتكون لقمة سائغة لكل من هب ودب، وكذلك نساء المخيمات لسن مقطوعات من شجرة، بل كل واحدة وراءها عائلة وعشيرة، وقد منعتهم الظروف المادية والاجتماعية عن القيام بالواجب حاليا”.

وحول الموضوع قال الناشط على وسائل التواصل الاجتماعي يونس خالد لـ”القدس العربي”: “عوائل التنظيم أعدادها بالآلاف، لجأ بعضهم إلى دول الجوار، بينما لجأت النساء الشابات زوجات عناصر التنظيم إلى أهاليهن الذين ترك بعضهم ديارهم الأصلية بسببهن وسكنوا مناطق أخرى حفاظاً على أعراضهم، خصوصا أولئك الذين لا يملكون سندا عشائريا، ومن تقطعت به السبل لجأ إلى المخيمات، وحسب متابعتي واتصالاتي بالمخيمات فإن نسبة عوائل تنظيم الدولة داخلها لا تتجاوز 30 في المئة والبقية هم إما أناس مدنيون عاديون تهدمت بيوتهم فلم يعد لهم مأوى، أو أناس وجدوا في المخيم فرصة للعيش بالمجان من خلال المساعدات التي تقدمها المنظمات الحكومية والدولية. فإن ثبت فعلا وجود حالات غير أخلاقية داخل المخيمات، فهل من العدل اتهام فئة محددة دون غيرها رغم أنها أقلية؟ ولا ننسى مصلحة بعض الجهات بترويج هذه الإشاعات من باب الحقد والكراهية، وإلا لماذا دائما تتحدث قنوات الحشد “العهد والغدير وغيرها” عن هذه الظاهرة تحت غطاء إنساني؟ كما لا يمكن فصل هذه الإشاعات عن سابقة صارت من المسلمات رغم عدم وجودها مطلقا على أرض الواقع، كما في جهاد النكاح و (العضاضة) وهي امرأة تعاقب النساء بالعض أيام سيطرة تنظيم الدولة وأخرى. وأخيرا أقول لك: على الرغم من العداوة الكبيرة بين تنظيم الدولة والحشد العشائري؛ إلا أن غالبيتهم لا يقبلون بأي اعتداءات تطال النساء، أو الشرف، وعندي أدلة كثيرة على هذا؛ أذكر منها أن الحشد العشائري أثناء معركة الفلوجة أخرج حميةً وغيرةً أغلب عوائل عناصر التنظيم المحاصرة باتجاه القائم، وقد قامت الحكومة العراقية حينها باعتقال عدد من قادة الحشد العشائري بتهم التعاون مع تنظيم الدولة”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية