بغداد ـ «القدس العربي»: يهدد الخلاف المتفاقم بين زعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي من جهة، وبين زعيم ائتلاف «النصر»، رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، من جهة ثانية، وحدّة حزب «الدعوة الإسلامية»، الأمر الذي يُمهد لـ«انشقاق الحزب رسمياً» إلى حزبين أحدهما بزعامة المالكي والآخر بزعامة العبادي.
ويخشى قادة «الدعوة» من عقد المؤتمر العام للحزب، الذي من المقرر أن يتم في 2015، قبل إيجاد حلّ للخلاف المتجذر بين الأمين العام للحزب نوري المالكي، ورئيس المكتب السياسي للحزب حيدر العبادي.
القيادي السابق في الحزب، والقيادي أيضاً في ائتلاف «دولة القانون»، سامي العسكري، تطرق في لقاء موسّع مع «القدس العربي»، إلى أسباب الخلاف بين المالكي والعبادي، مشيراً في الوقت عيّنه إلى «الحلم المستمر» للأخير في الحصول على منصب رئيس الوزراء، بعد إسقاط عادل عبد المهدي أو إقالته.
ووفق العسكري: «الانقسام الذي حدث في صفوف الحزب أضعفه وأضعف دوره السياسي»، مبيناً أن «هذا الخلاف اضطر حزب الدعوة الإسلامية إلى عدم خوض الانتخابات الأخيرة (جرت في 15 أيار/ مارس 2018)، وأعطى الحرية لأعضائه وقياداته في الاختيار بالاشتراك في أيٍ من الائتلافين (دولة القانون أو النصر)».
وأضاف: «نتيجة ذلك كانت خسارة كلا التحالفين. لم يحقق أي منهما نتيجة تتناسب واسم الحزب وثقله وتاريخه»، مشيراً إلى أن «ذلك دقّ ناقوس الخطر في الحزب بضرورة التحرك بسرعة للملمة أطراف الخلاف ومحاولة حلّه. أسمع من أصدقائي في الحزب أن هناك دعوات ونشاط لعقد المؤتمر العام للحزب 17 الذي يمثل أعلى سلطة في الحزب، وهو الذي يحدد القيادة ويرسم السياسات. من المقرر أن يتم عقد الاجتماع العام كل سنتين، لكن مضى أكثر من 4 سنوات على آخر مؤتمر».
انشقاق رسمي
ولفت إلى أن «هناك اتفاقاً داخل مجلس شورى الدعوة، يمثل المرحلة الثانية في الحزب، يقضي بضرورة عقد المؤتمر خلال فترة قصيرة، وربما خلال الأشهر المقبلة»، منوهاً أن «في حال لم ينجح الحزب في عقد مؤتمره العام، فإن ذلك سيكون بسبب التخوف من انشقاق رسمي جديد داخل صفوف الحزب».
ومضى قائلاً: «انفصال النصر عن دولة القانون لا يمثل انشقاقاً رسمياً. قيادة حزب الدعوة ما تزال واحدة، كما أن العبادي والمالكي ما يزالان يحظران في اجتماعات القيادة، وأن العبادي ما يزال هو رئيس المكتب السياسي للحزب، والمالكي ما يزال أميناً عاماً للحزب. من الناحية الرسمية الشكلية، ما يزالان في حزب واحد، لكن من ناحية الفعل السياسي والتأثير على الساحة فهما يتصرفان كحزبين خصمين ومتنافسين».
ورأى أن إذا ذهب المالكي والعبادي إلى المؤتمر العام للحزب من دون حل الخلافات، فإن «انقساماً سيحدث في المؤتمر، وبالتالي ينقسم حزب الدعوة إلى حزبين، وهذا الأمر له تبعات خطيرة على وضع الحزب وقوته وجماهيره خصوصاً في هذا الظرف».
وأوضح أن «هناك سعيا داخل الحزب على مستوى القيادة والأفراد لحل الإشكالات، لكن الانشقاق في داخل الحزب هذه المرة يختلف عن الانشقاقات السابقة التي كانت تتعلق بالابعاد النظرية لقضايا معينة. إلا هذا الخلاف (بين المالكي والعبادي) الذي لا علاقة له بسياسة الحزب وفكره، بل بشأن من الذي يتولى رئاسة الوزراء».
وتحدث السياسي العراقي البارز عن سبب الخلاف بين المالكي والعبادي قائلاً: «في عام 2014، حصل المالكي على 750 ألف صوت في بغداد فقط، لكن كان هناك رفض سياسي واسع من الأكراد والصدريين وغيرهم، بالإضافة إلى إشارات من المرجعية الدينية (علي السيستاني) بأنها تريد تغيير، فضلاً عن الإصرار الأمريكي على إزاحة المالكي. كانت هناك عدّة عوامل ضاغطة باتجاه تنحي المالكي رغم فوزه، واختيار شخصية بديلة من حزب الدعوة لتولي رئاسة الوزراء».
وأكمل: «إدارة هذه العملية لم تجر بشكلٍ سليم. هم (قادة الدعوة وبحضور المالكي) اتفقوا على إرسال رسالة إلى المرجعية للسؤال عن رأيها، وكان المالكي طلب أن يطلع على الرسالة قبل أن تُرسل إلى المرجعية، لكنها أرسلت قبل أن يطلع عليها»، لافتاً إلى أن «جواب المرجعية كان واضحاً بطلبها التغيير، باعتبارها درست الجو السياسي العام ورأت إن فرص المالكي ضعيفة».
وبين أن «كان من المفترض على المالكي والمقربين منه أن يبادروا باختيار بديل متفق عليه من داخل الحزب. في وقتها طُرح أسم طارق نجم (القيادي في الحزب ومدير مكتب المالكي في 2006-2014) لكنه اعتذر»، مشيرا إلىً أن «قسماً من قادة الحزب، وبضغط من قوى سياسية سنّية وشيعية- وخاصة الشيعية (التيار الصدري، والمجلس الأعلى)، ووكلاء المرجعية، مع قرب انتهاء المدة الدستورية لاختيار رئيس وزراء، قرروا اختيار العبادي».
وأكد القيادي في ائتلاف «دولة القانون» أن «المالكي ومن معه تفاجئوا بإعلان تكليف حيدر العبادي من قبل رئيس الجمهورية فؤاد معصوم (آنذاك في 2014).
لم يكونوا يعلموا أن القضية حُسمت. هم يرون أنها مؤامرة، وهذا سبب الخلاف بين المالكي والعبادي»، مشيراً إلى أن «العبادي تصرف بعدوانية مع المالكي بعد تكليفه بتشكيل الحكومة، الأمر الذي زاد الأمر سوءاً».
ونوه إلى أن العبادي صارح عدداً من الشخصيات أن «قراره إلغاء مناصب نواب رئيس الوزراء لا يستهدفهم، بل يستهدف المالكي، كما إنه قال إنه تسلم الحكومة وفيها 50 ألف فضائي، والخزينة خاوية وغيرها من التصريحات»، مبيناً أن «العبادي كان يستعمل بعض الألفاظ التي لم يكن يستعملها خصوم المالكي الأشداء، مثل قائد الضرورة (وصف كان يطلق على صدام حسين)».
وتابع: «العبادي شن حملة إقالات في الدولة لكن من كان قريباً من المالكي، وكردّة فعل بدأ المقربون من المالكي بالحديث عن العبادي. كل تلك الأمور أسهمت في توسيع الانشقاق حتى وصلنا إلى الانتخابات (2018) التي كانت تمثل فرصة للم الشمل»، لافتاً إلى أن «تحت ضغط الجمهور والخشية من خسارة الفريقين في الانتخابات، كان هناك سعي للدخول في قائمة واحدة»، لكن «العبادي أصرّ على تزعم القائمة في بغداد، وأن يكون هو التسلسل رقم (1)، بالإضافة إلى اشتراطه أن يكون المرشح الوحيد لرئاسة الوزراء».
حذّر من انقسام «الدعوة» إلى حزبين… وأكد حصد «سائرون» و«الفتح» ثمار إضعاف الحزب
ومضى قائلاً: «جرت العادة أن يكون أمين الحزب أو السكرتير هو الذي يتزعم القائمة، ناهيك عن تسجيل حزب الدعوة لدى مفوضية الانتخابات باسم نوري المالكي»، موضّحاً أن قادة الحزب أخبروه أن «لا يوجد مانع في أن يكون العبادي أحد المرشحين لرئاسة الوزراء، لكن ليس المرشح الوحيد. في ظل إصرار العبادي والمالكي، اتخذت قيادة الحزب قراراً أن لا يشترك الحزب في الانتخابات».
وأضاف: «في تلك المرحلة، كانت الغالبية العددية داخل الحزب (القيادة) مع العبادي، لكن الأمر كان معكوساً بالنسبة لمجلس شورى الحزب الذي كان مع المالكي»، منوهاً أن «القرار في الحزب بيد القيادة. لو كانت تمتلك الشجاعة لاتخذت قراراً يقضي بعدم السماح لتشكيل قائمتين، أو مقاطعة الانتخابات».
في ظل إخفاق قادة الحزب في التوصل إلى حلّ بين المالكي والعبادي، «جاء القرار أن يدخلوا الانتخابات في قائمتين، على أمل أن يتم توحيدهما بعد الانتخابات، وفقاً لورقة تم التوقيع عليها، لكني استبعد أي قيمة لهذه الورقة لأننا فاقدون لقدرة الإلزام والتأثير على رئيس الوزراء»، وفقاً للعسكري، الذي رأى أن «المالكي والعبادي يمتلكان الآن فرصة وتحدي في الوقت نفسه، بكونهما خرجا من رئاسة الوزراء ونقطة الخلاف انتهت، فما الداعي من استمرار الخلاف؟».
وزاد: «ضعف الدعوة في الانتخابات الأخيرة، حصد ثماره الآخرون المنافسون مثل تحالف سائرون»، معرباً عن قناعته بـ«عدم عودة رئيس وزراء سابق إلى الحكم مرة، لكن من الممكن أن يعود حزب سابق تولى إدارة الحكومة في فترة ما، إلى السلطة من جديد».
مرشح وحيد
وأكد قائلاً: «سمعت من المالكي أكثر من مرة أن ليست له نيّة بالعودة إلى رئاسة الوزراء»، مبيناً أن «أما بالنسبة للعبادي، فربما أنه يرى أنه لم يأخذ الفرصة الكافية طيلة السنوات الأربع الماضية، فما يزال متطلعاً للعودة إلى رئاسة الوزراء».
وأكمل: «ائتلاف النصر بني على ترشيح العبادي لولاية ثانية. إنه الائتلاف الوحيد الذي لديه مرشح وحيد للمنصب، والانسحابات التي حصلت في داخل الائتلاف جاءت لهذا السبب»، لافتاً إلى أن «العبادي ما تزال لديه الرغبة والتطلع للعودة إلى رئاسة الوزراء لكنها أوهام».
وعن علاقة العبادي بتحالف «سائرون» بزعامة مقتدى الصدر، أكد العسكري أن هذه العلاقة «مرت بمراحل. في البداية دعم سائرون العبادي بشكلٍ كامل قبل أحداث البصرة (تظاهرات أيلول/ سبتمبر 2018). لولا مُفردة العبادي لتحالف الفتح (بزعامة هادي العامري) مع سائرون. لم تكن لديهم مشكلة آنذاك، بالإضافة إلى أن جميع المتحالفين في البناء، اتفقوا على عدم التجديد لولاية ثانية للعبادي، فيما جميع الكتل التي ذهبت إلى الإصلاح كانوا يرشحون العبادي لرئاسة الوزراء».
ومضى إلى القول: «بعد أحداث البصرة تخلى سائرون عن العبادي وطالبوه بالاستقالة، الأمر الذي وضع العبادي في موقف حرج، لانه خسر حليفه الرئيسي والائتلاف المقابل المعارض لتجديد الولاية له».
وردّاً على سؤال بشأن عدم عودة المالكي لرفاقه في حزب «الدعوة» بعد خسارته حلفائه الجدد، أشار إلى أن «كان عليه أن يتخلى عن فكرة رئاسة الوزراء.
العبادي كان يعوّل على الجانب الأمريكي (المبعوث الأمريكي بريت ماكغورك) بكونهم أعطوه تطمينات تفيد أنه في نهاية المطاف ستكون أنت (العبادي) رئيساً للوزراء، وإن الكتل السياسية ستختلف على المرشح للمنصب الأمر الذي يصب في اتجاهك. كل ذلك كان قبل يوم تكليف عادل عبد المهدي لمنصب رئيس الوزراء».
وكشف السياسي العراقي البارز، أن العبادي «كان يعتقد أنه هو الذي سيكلّفه برهم صالح لرئاسة الوزراء، في اليوم الذي كلّف فيه عادل عبد المهدي. صديق لي مقرّب من العبادي قال لي إن الأخير تفاجأ بتكليف عادل عبد المهدي. كان يتوقع أن يكون هو»، منوهاً أنه حتى هذه اللحظة، «المقربون من العبادي يقولون إن عبد المهدي سيستقيل ويشغل هو المنصب».
وأكد أن «عبد المهدي لن يستقيل ولن يُقال، ولوّ فرضنا ذلك، فعلى أي ساس سيكون العبادي هو البديل؟».
وحول سعي كتل سياسية لتشكيل كتلة معارضة، أوضح العسكري أن ذلك «لا يأتي إيماناً بمبدأ المعارضة، بل لأنهم لم يحصلوا على ما كانوا يخططون له، أو إنهم وجدوا نفسهم بأنهم ليسوا أصحاب قرار في نهاية المطاف، كونهم كتلا صغيرة مقابل الفتح وسائرون»، لافتاً إلى إن «قطبي تشكيل الحكومة هما سائرون والفتح».
وأكد أن «ائتلاف دولة القانون بعيد عن فكرة المعارضة، رغم زج اسم الكتلة في حديث عن تشكيل كتلة معارضة مع النصر وتيار الحكمة. دولة القانون مع دعم الحكومة واعطائها فرصة حقيقية»، مشيراً في الوقت عيّنه إلى أن «ائتلاف النصر كان موعوداً بالحصول على منصب وزاري، بالإضافة إلى حصول العبادي على منصب نائب رئيس الجمهورية، لكن الوزارات وزّعت ولم يطرح اسم العبادي لمنصب نائب الرئيس. هذا ما دفعه للتفكير بالذهاب إلى المعارضة، ويشاركه في ذلك الفهم عمار الحكيم، الذي يشعر أن سائرون تهيمن على تحالف الإصلاح».