يُدركُ الشعراءُ المعاصرون، بصورة محبطةٍ للكثيرين منهم، وبالأخصّ الذين انتقلوا من ممارسة التفعيلة إلى قصيدة النثر، مدى صعوبة صياغةِ قصائدِهم بإيقاعات التفعيلة، بعد أن تشابكت لغات العصر وأدواته إلى درجة مذهلةٍ من التعقيد الذي يتطلب إيقاعاً آخر لصياغاتها، وبعد أن لم يتركْ لهم شعراء التفعيلة الكبار مثل محمود درويش ونزار قباني وأمل دنقل وغيرهم من الكبار، منفذاً لإيقاعٍ دون أن يكون مُلَغّماً بفخٍّ يُسقطهم في التقليد والاعتياد. ويحرمهم من متعة الحنين، إلى درجة التفكير في أنه ما لم يكن الشاعر فذّاً وقديراً حقاً ويتميّز بجموح نهرٍ يخرج عن شروط ضفافه، فإنه سيسقط حتماً في محدودية ما تمنحه إياه التفعيلة بشروط إسمنت الضفاف، وما تفتحه أمامه قصيدة النثر من حرية التحليق في شِغاف السماء.
في تحدّي الضفاف، يحلّق الشاعر الفلسطيني الأردني طاهر رياض في مجموعته الشعرية الجديدة «الكأس الحرام» إلى مستوى عالٍ من ممارسته شعر التفعيلة التي لم يتخلّ عنها أصلاً، بثقة امتلاك أجنحةٍ طويلة تُغذّي قوّتَها طبيعةٌ إيقاعية ذاتية، وثقافة واسعة، وانفتاحٌ طليق على فتوحات العلم، إلى درجة الجرأة على إقامة تشابك شعري كمومي خطر مع قصيدة «لاعب النرد» التي يصعب الخروج من ثُقبها الأسود، لشاعرِ الجاذبيّة محمود درويش. وكذلك رفع درجة الجرأة إلى الدخول في منطقة حسّاسة، وتكرّست أيضاً كثقبٍ أسود، هي جهة الموت التي ابتكر لها درويش أبديةً بيضاء يصعب الخروج بلونٍ من موشور احتكارها ألوان الطيف. ويصقل رياض تداخلاته الجديدة بتراكيب جمله الشعرية المتداخلة بأسلوب جمل قصيدة النثر الآلية السوريالية الناجحة، التي يعبّر عنها منذ البداية عنوانُ مجموعته المتضمّنة 42 قصيدة تفعيلة متوسطة الطول، وقصيرة، تميّز أسلوبه الشعري الخاص به، وإن دار في القليل منها على فلك إيقاع درويش، مثلما فعل بقصيدة «صديقي»، الدائرة بطاقة تفعيلة «مستفعلن» متبوعةً بفاعلاتن التي تميّز درويش، ولا يسلمُ شاعرٌ من حضور درويش فيها كيفما استخدمَها. وإن دخل كذلك في أربعةٍ منها درب شبكةِ شعر التفعيلة ذي النبرة العالية التي تقسر الشاعر على استخدام جوازاتٍ تقيّد حرية القصيدة، وقوافٍ يغلبُ عليها الإنشاء.
في كأسه الحرام، يمارس رياض اختزالَه المعروفَ عنه في صياغة شعره، بدءاً من عناوين قصائده التي تأخذُ في غالبيتها كلمة واحدة فقط من مثل الشبيه، حديث، حبيبي، حب، مطرقة، والولد؛ تخرج عنها ثماني قصائد إلى كلمتين هي: وقتي الضائع، بعد الستين، قلت لها، بيت بيوت، أبناء الليل، جرت الرياح، كهيئة الطير، مرثية بحر؛ وقصيدة واحدة بثلاث كلمات هي: على محمل السكر. ويُجري رياض ثلثي القصائد تقريباً، بطاقةِ الدخول في عوالم القصيدة المتشابكة، قبل أن يلجأ في الثلث الأخير إلى راحة قصيدة اللقطة التي يعالج فيها بالتقاط عين لا تبعده عن أسلوبه في التشابك مع الطبيعة، عناصر تتعلق بتكوين الطبيعة مثل النهر والبحر والطائر والغجر.
في كأسه الحرام المُحتسى بإيقاع التفعيلة، يستطيع القارئ المستمتع باحتسائه، تكوينَ فكرة عن طبيعة تفعيلة رياض التي يغلب عليها بصورة عامة تكوين المقاطع بفواصل القافية الموحّدة الرنين، بتسكين الكلمة الأخيرة في المقطع، مثلما يفعل على سبيل المثال في قصيدة «وقتي الضائع» التي تشكّل مقاطعَها قافيةُ كلمة «الآن» وتتبعها كلمات: الربان، لسان، ولا تصلان، النسيان… إلخ، وقصيدة صديقي التي تشكّل مقاطعَها قافية كلمة «البروق». ويزيد استمتاع القارئ بإغناء رياض بنيتَه الإيقاعية الطبيعية بمزايا القوافي الداخلية التي تجري داخل السطور والسطور التي تليها، باقتدار لا يجيده سوى القليل من الشعراء، مثلما يجري مع كلمتيْ «خفقهما» و«خوفهما» في مثال:
«كفّان تمدّان إلى جسدٍ خفقَهما/ وتعودان إلى خوفِهِما خاويتين/ ولا تصلان».
وفي بنيته الإيقاعية القائمة على التفعيلة بأنواعها الصافية والمتداخلة بتفعيلتين، يستخدم رياض في غالبية قصائد مجموعته تفعيلة «فَعْلُن» وجوازاتها، التي تمنحُ الشاعر، إن تجنّب أشواك نبرتها العالية وأجاد استخدامَها، استرسالاً يقيه من قوة سلاسل التقييد في بقية التفعيلات. كما يمنحُه حريةً أكبر تقرّبه من استخدام غنى ما تمنحه إياه قصيدة النثر من تنويعٍ، وإدخالاتٍ للحكاية، وروحٍ يتحرك فيها العبث والسخرية على سجيتهما في الإغناء الثقافي بنتاجات المعرفة والفن والتراث الإنساني. كذلك يستخدم تفعيلة «فعولن» الصافية كما في قصيدة «تلفّتْ»، والمتداخلةً بتفعيلة «مفاعلتن»، كما في قصيدة «على مَحمَل السُّكر»، وتفعيلة «مُستفْعِلن» صافيةً حيناً ومتبوعةً بتفعيلة «فاعلاتن»، دون خوفٍ من الوقوع في فخاخ إيقاعات محمود درويش، مع رفع تحدّيه المسلّح بقدرة إيقاعية وثقافةٍ عميقة، إلى التداخل مع محمود في قصائد حسّاسة متشابكة بفلسفات طبيعة ووجود الإنسان على الأرض وعلاقته بالكون. هكذا يفعل، كما أسلفنا، بالتداخل مع قصيدة «لاعب النرد»، التي يقيم فيها تشابكاً كمومياً احتمالياً مع الزمن، من جهة العمر، في قصيدته «بعد الستين»، ومع الموت من دون ذكر أبدية محمود البيضاء. وما كان لهذا التداخل أن يبلغ مداه بغير تفعيلة «فَعْلُن» التي منحته استرساله:
«قلتُ لمحمودٍ: لا خوفَ علينا من موتٍ يخشى
ما نفعلُه ــ حين نقولُ الشعرَــ بهِ،
فلنخترْ موتاً هو فصلٌ ثانٍ لحياةٍ أولى نتهجّاها
ولنشهقْ حتى تتقطّعَ منّا الأنفاسُ
فلا يحصدُ موتٌ حين يجيءُ
سوى شعراءٍ مجهولينَ
وعشّاقٍ مخذولين».
وكذلك:
«قال أنا ماضٍ في آتي هذي الأقدارِ
وفي كفّي نردٌ ممحوّ الأوجُهِ،
لا أرقام عليهِ… سألقيهِ أمام عيون الحظ
فقد تَعْشى، فتظنّ اللذة صحواً
وتظنّ الحزنَ سباتْ.
قال أنا ماضٍ/ ومضى..
حياً حياً
والنّردُ بلا أرقامٍ مات».
في كأسه الحرام، يُحمِّل رياض بنيته الموسيقية كذلك، بتشابكات قريبة من فلسفة الاحتمالات، مع الزمن، الذي يصلُ إلى إلغاء تسلسله في قصيدة الموسيقي باغانيني: «ـ هل نمتُ طويلاً/ ــ طويلاً؟ ليس طويلاً/ بضعَ دقائق، أو بضعَ سنين».
وفي قصيدة «غد»، التي يُجري فيها احتمالات ما يكون عليه غداً: «وغداً ربّما لن يكون غدٌ،/ ربّما لن نكون غداً نحن،/ أو أننا سنكونُ سوانا.. ونشبهُنا/ حين نطهو على نارِنا لحمَنا/ وعلى وهجِها جوعَنا يتدفأ.»
إضافةً إلى تشابكات الذات، في مفردها ومثنّاها وجمعها، مستخدماً التراث الصوفي والماركسي بجدليات وحدة وصراع الأضداد، واستخدام المرايا والنوافذ المتقابلة، كما في: «أأنا ثقبٌ في ذاكرةٍ/ أمَ أنا ذاكرةُ الثقب؟»، وفي قصيدة «تلفّتْ» الغنية بالمجازات والاشتقاقات اللغوية، وفي معظم قصائد الحبّ. وكذلك التشابك مع الطبيعة في معظم قصائده، وعناصرها المحملة بالرموز مثل «الزيتونة»، الثمرة المباركة، في تداخل خفيٍّ بسورة النور، التي:
«كنتُ مصباحَها، حُجْرةً لتهَتُّك أسرارِها،
وعزاءَ الظلامِ لها
حين يخذلُها جلدُها المتجعّدُ نضجاً وينشَفُ من نورها زيتُها
ربّما هي كانتْ،
ويعجبني أنني مرّةً كنتُها
ربّما شئتُها أن تكونَ
فكانتْ كما شئتُها
هي مِثليَ منفى
وبيتي المقامُ على جرفِ هاويةٍ بيتُها
بزيتونةٍ تتشبّه بامرأةٍ
من خيالٍ ولحمٍ وفوضى اهتياجٍ
أعيدُ الحياةَ إلى أصلها:
عشتُها..
متُّها».
ويتناغم رياض مع هذا التشابك فنياً بتركيب جملته الشعرية المتداخل المجازات من دون استخدام التشبيه قدر الإمكان، كما «يسيل الليل طريّاً، مشدودَ العود، نديّاً»، واستخدام أسلوب قلب المعاني بقلب الجمل والأمثال المعروفة المستخدمة في الثقافة الجمعية، بدءاً من العنوان: «الكأس الحرام» الذي يستدعي للذاكرة «البيت الحرام»، و «على مَحمَل السُّكْر» الذي يتضاد مع الجملة المعروفة «على مَحْمَل الجدّ».
وفي مجموعته، يتجنّب رياض المعروف بمواقفه السياسية المنحازة لثورات الربيع العربي والثورة السورية بشكل خاص، عوالمَ السياسة، ويُترِع كأسَه الحرام، بموضوعات الزمن، والموت الذي ينتظر على العتبة بعد تقدّم العمر، وموضوعات العودة إلى الولد الذي كان وأصبح، في قصيدة «الولد». ثمّ موضوعات الحبّ التي يعالج فيها معاني الحب وأشكاله المتعدّدة، بإقامة التداخلات والتعارضات والحوارات، كما يفعل في قصيدة حبّ التي يتحاور فيها مع امرأةٍ عاشقةٍ، حول ماهيّة الحب: «نشوزٌ هو الحبّ عن مفرد ومثنّى/ ويحضر في جمعه». وأيضاً: «ــ فما الحبّ؟/ ــ كفّا حبيبي../ كوَعْلين يرتقيان هضابي،/ وكفّا حبيبي../ كنحلٍ يدوِّم بالشّهد/ فوق سفوحي/ وما بيننا كستناء نقلّبُها فوق جمرِ يديْنا/ إلى أن تفوحَ بنا/ وتبوحَ لنا:/ جسدي ناضجٌ/ تحت قشرة روحي.»
وكذلك في القصائد التي تجري فيها حرب التفّاح بين الذكورة والأنوثة، مستخدماً الرّمز الأهمّ بقصص الحب في الثقافة الجمعية العربية ــ قيس ابن الملوّح، ومن وجهة نظر ليلى «التي لم تحبّه بقدْر ما أحبّت قصته»، من دون أن ينسى ما للنساء من فضل على الرجال إلى درجة القول إن المسيح ما كان ليوجد من دون النساء اللواتي صنعنَ أسطورته: «هل كان يسوع ليمشي فوق الماء/ لولا ولدته امرأةٌ عذراءْ؟ هل كان ليُعلنَ دينَ الحب وينشرَه/ لولا غسلتْ قدميه امرأةٌ آثمةٌ؟».
وينهي رياض كأسَه الحرام برشفةٍ أخيرة محلّلةٍ باستمتاع قارئه، يتحدّث فيها عن شعره الذي أثثه «بهواءٍ خفيف الظلال» و«أرسى قواعده في الطين»، وكان مجسداً فيه، و«مأوى لكل غريبٍ ومنفيْ»، وبات يحسّ أنّه أتمّهُ: «على حجرٍ يُسندُ البيت». وأنه تعبَ أخيراً من حمل صليبه، معلناً هذا التعب، وأوانَ إيقاف نزيفه، في قصيدة «ويكفي».
طاهر رياض: «الكأس الحرام»
الأهلية للنشر والتوزيع، عمان 2023
144 صفحة.