الكاظمي يوقف وزير الصحة ومحافظ بغداد عن عملهما بعد حريق هائل في مستشفى في بغداد

مشرق ريسان
حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: دخل العراق، أمس الأحد، في حدادٍ رسمي مدة ثلاثة أيام، على الضحايا، الذين سقطوا إثر حريقٍ في مستشفى للعزل الصحي للمصابين بفيروس كورونا في العاصمة العراقية بغداد، خلّف نحو 200 شخص بين قتيلٍ ومصاب، نتيجة انفجار أسطوانة لغاز الأوكسجين، سرعان ما امتدت نيرانها لتشمل طابقاً بالكامل.
ووثّقت كاميرات المراقبة، في ساعة متأخرة من ليلة السبت/ الأحد، في مستشفى أبن الخطيب، جنوبي شرق العاصمة، المخصصة لعزل المصابين بفيروس كورونا، لحظة انفجارٍ أسطوانة الغاز في إحدى الردهات المخصصة للإنعاش الرئوي (الطابق الثاني) في البناية المكونة من 3 طوابق، ومحاولة المراجعين إخماد ألسنة اللهب قبل أن تمتد وتخرج عن السيطرة.
وبلغت أعداد الضحايا الذين سقطوا جراء الحادث (حتى وقت إعداد التقرير) 82 قتيلاً و110 جرحى بإصابات مختلفة، وفقاً لوزارة الداخلية التي رجّحت ارتفاع أعداد الوفيات نظراً لوجود حالات إصابة متفاوتة، خاصة وأن أغلب الإصابات كانت حروقاً والقفز من مكان مرتفع.
وانتقدت الوزارة وجود مؤسسات «تفتقر لأبسط مقوّمات السلامة» خصوصاً أن المستشفى خالية من منظومة «إطفاء وطوارئ».
كذلك، كشفت مديرية الدفاع المدني، التابعة لوزارة الداخلية الاتحادية، تفصيلات الحادث الذي بدأ بانفجار أسطوانة أوكسجين حسب شهود العيان.
بيان للمديرية أكد «إنقاذ 90 مصاباً من المرضى» مؤكدة «خلّو المستشفى من منظومة الحريق، والسقف الثانوي عجل من انتشاراً النيران، سبب احتوائه على مواد فلينية سريعة الاشتعال».
وأضافت أن «أكثر الضحايا انقطع عنهم الأوكسجين بسبب نقلهم من ردهات المستشفى أثناء عمليات الاخلاء والانقاذ، وكذلك استنشاق البعض منهم نواتج الحريق».
وأشارت إلى أن «فرق الحماية الذاتية في المستشفى لم تباشر بعملها لحين وصول فرق الدفاع المدني».
ومع انتشار الحريق يوم السبت سارع الأقارب لإنقاذ ذويهم فيما قفز آخرون للنجاة بأنفسهم. وتحدث رجل كان في زيارة لشقيقه عن أناس يقفزون من النوافذ هربا.
وقال أحمد زكي لـ رويترز» «حملت شقيقي إلى الشارع قرب نقطة التفتيش. ثم عدت وصعدت إلى الطابق الأخير الذي لم يحترق. وجدت فتاة تختنق، عمرها حوالي 19 عاما، كانت تختنق وعلى وشك أن تموت».
وتابع «وضعتها على كتفي وعدوت. كان الناس يقفزون. وسقط أطباء على العربات. وكان الجميع يقفزون. وظللت أصعد وأجلب الناس وأنزل ثانية».
وأوضح طبيب من مستشفى ابن الخطيب لوكالة «فرانس برس» أن «لا وجود لمخرج طوارئ في وحدة العناية المركزة لمرضى كورونا، ولا نظام لمكافحة الحرائق».

مدخنون وزوار

ويتوافق تصريح الطبيب مع خلاصات تقرير حكومي صدر في 2017 حول القطاع الصحي، وقد جرى إهماله.
وأعلنت وزارة الداخلية الأحد اندلاع سبعة آلاف حريق بين كانون الثاني/يناير وآذار/مارس. ويؤكد مسؤولون وعناصر إطفاء أنّ غالبية الحرائق كان سببها احتكاك كهربائي في متاجر ومطاعم أو مبان يكون صاحبها قد أخفى المخالفات بدفع رشى.
وأكد الطبيب في «ابن الخطيب» أنّ «سوء الإدارة هو الذي قتل الناس».
وقال «يتجوّل مسؤولون صحيون وهم يدخنون في المستشفى حيث تخزّن أسطوانات الأكسجين» مضيفاً: «حتى في غرف العناية المركزة غالبا ما يكون هناك قريبان أو ثلاثة جالسين قرب المريض».
وتروي ممرضة في مستشفى آخر في العاصمة، أنّه «عندما تتعطل معدات في المستشفى، يطلب إلينا المدير بألا نبلغ عن الأمر». وتابعت «يقول إنّ ذلك يعكس صورة سيئة عن المؤسسة، لكن في الحقيقة، ليس هناك معدات تعمل لدينا».

قرارات الكاظمي

رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، قرر سحب يد وزير الصحة حسن التميمي، ومحافظ بغداد محمد جابر العطا، وإحالتها إلى التحقيق.
وذكر المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء في بيان صحافي، أن الكاظمي «ترأس الجلسة الاستثنائية لمجلس الوزراء المخصصة لمناقشة الحادث المأساوي في مستشفى ابن الخطيب».
وخرج المجلس بجمّلة توصيات من بينها «إجراء تحقيق برئاسة وزير الداخلية، وعضوية كل من وزير التخطيط، ووزير العدل، ورئيس هيئة النزاهة، ورئيس ديوان الرقابة المالية الاتحادي، وممثل عن مجلس النواب/عضو مراقب».
وشدد على «التحقيق في حادث حريق مستشفى ابن الخطيب، وتحديد المقصرين ومحاسبتهم» مشيراً إلى إنه «تسحب يد وزير الصحة وإحالته إلى التحقيق» و«سحب يد محافظ بغداد وإحالته إلى التحقيق».
وأضاف: «تسحب يد مدير عام دائرة صحة الرصافة وإحالته إلى التحقيق» مشدداً على أن «يُنجز التحقيق خلال خمسة أيام، ويقدم التقرير أمام مجلس الوزراء، ويمكن الاستعانة بخبراء في مجال الداخلية والصحة».
كما عقد الكاظمي اجتماعاً طارئاً مع عدد من الوزراء والقيادات الأمنية والمسؤولين في مقر قيادة عمليات بغداد، حسب بيان لمكتبه.
وقال الكاظمي: «الحادث الأليم الذي وقع الليلة في مستشفى ابن الخطيب حدث مؤلم، ولهذا كان يجب أن نجتمع في الليلة نفسها وبهذه الساعة المتأخرة لنتحدث معكم ومع شعبنا بوضوح. الرحمة للأرواح التي زهقت نتيجة هذا الحادث الأليم، وجهنا باعتبارهم شهداء، كما وجهنا برعاية الجرحى على كل المستويات داخل وخارج العراق».

مقتل وإصابة 200 عراقي… ونتائج تحقيق أولية تشير لعدم وجود منظومة إطفاء

وأضاف: «الحادث هو مس بالأمن القومي العراقي، وهو نكسة بكل ما للكلمة من معنى، ويجب أن لا نترك مثل هذه الأحداث تمر مرور الكرام. مثل هذا الحادث دليل على وجود تقصير لهذا وجهت بفتح تحقيق فوري والتحفظ على مدير المستشفى ومدير الأمن والصيانة وكل المعنيين إلى حين التوصل إلى المقصرين ومحاسبتهم».
وتابع: «الإهمال بمثل هذه الأمور ليس مجرد خطأ، بل جريمة يجب أن يتحمل مسؤوليتها جميع المقصرين، ويجب أن يتم تدقيق الإجراءات الأمنية والوقائية لكل المستشفيات في العراق، وتشكيل فريق فني من كل الوزارات المعنية لضمان تدقيق إجراءات السلامة بجميع المستشفيات والفنادق والأماكن العامة خلال أسبوع واحد وفي كل أنحاء العراق».
وشدد بالقول: «أي تهاون سنحاسبه بقوة. اليوم نتيجة التهاون سقط شهداء أبرياء، غداً إذا تقاعسنا سيسقط آخرون. يجب أن لا يقول لي أحد تماس كهربائي. هذا أمر معيب، إفحصوا كل سلك في كل دائرة عامة أو مستشفى، وأي دائرة تتحجج بالتماس الكهربائي سأحاسب الجميع فيها. أين جيش الموظفين للصيانة؟ أين الفنيين؟ أين الجهات الرقابية؟ أين أمن المستشفيات والوزارات والأماكن العامة».
وزاد: «لديكم توجيه واضح. كل مدير عليه أن ينزل بنفسه ويدقق إجراءات السلامة، وعلى وزارة الداخلية تهيئة فرقها المختصة لهذا الغرض، ولن أسمح أن يظهر مسؤول بالدفاع المدني يقول أرسلنا كتبا رسمية، إذهبوا بانفسكم ودققوا وافحصوا إجراءات السلامة والوقاية».
وطلب الكاظمي، كشف «نتائج التحقيق في حادثة المستشفى خلال 24 ساعة ومحاسبة المقصر مهما كان» فيما وجه بـ إعلان الحداد على أرواح شهداء الحادث الأليم».
في الموازاة، أعلنت وزارة الصحة، سحب يد 4 مسؤولين على خلفية الحادثة.
وجاء في نصّ بيان للوزارة، إنه «في الوقت الذي تستنفر فيه وزارة الصحة كامل ملاكاتها لمواجهة الأزمة الوبائية التي تعصف بالبلاد والعالم وبالإمكانيات المتوفرة وبتعاون حكومي ونيابي وشعبي وخيري لغرض الخروج بأقل الخسائر، وفي هذه الأجواء والظروف الحرجة حدث حريق كبير في مستشفى ابن الخطيب في جانب الرصافة من بغداد». وأكد البيان، قرار رئيس الوزراء «سحب يد كل من مدير عام دائرة صحة بغداد الرصافة، ومدير مستشفى ابن الخطيب، والمعاون الإداري والفني للمستشفى، ومدير قسم الهندسة والصيانة، وإجراء تحقيق عاجل لإعلان نتائجه أمام الجمهور».

اجتماع طارئ

إلى ذلك، عقدت هيئة رئاسة البرلمان، أمس، اجتماعاً طارئاً بلجنة الصحة والبيئة النيابية لبحث أسباب حادثة مستشفى ابن الخطيب.
عضو اللجنة، حسن خلاطي، قال إن توصيات الاجتماع «لا تتضمن إقالة وزير الصحة (حسن التميمي) وتدعو إلى تقديم الدعم لذوي الضحايا وتقديم العلاج وضرورة تكثيف الجهود» بالإضافة إلى «تشكيل لجان لمعرفة التقصير وأسباب الحادث وهوية المقصر وأخذ الاحتياطات في كل المستشفيات لمنع تكرار هكذا حوادث».
ووفقاً لبيان أوردته الدائرة الإعلامية للبرلمان، عقب انتهاء الاجتماع، فإنه «تقرر تكليف لجنة الصحة والبيئة بممارسة دورها الرقابي بتقصي الحقائق، لمعرفة أسباب وقوع الحادث والمقصرين، والمباشرة ميدانياً مع الجهات المعنية بجمع البيانات والمعلومات والوقائع وعرضها على السيدات والسادة أعضاء مجلس النواب في الجلسة الاستثنائية يوم غد الاثنين (اليوم) والمخصصة لمناقشة الحادث».

جريمة

وخلافاً لموقف البرلمان، طالبت المفوضية العليا لحقوق الإنسان (خاضعة لرقابة البرلمان) الكاظمي بإقالة وزير الصحة حسن التميمي.
وقالت المفوضية في بيان: «تابعنا حادثة حريق مستشفى ابن الخطيب والذي تشير التقارير الأولية إلى انفجار قنينة أوكسجين أدت إلى احتراق وإصابة عشرات المرضى الراقدين في المستشفى بين قتيل وجريح».
واعتبرت المفوضية هذه الحادثة «أقل ما يقال عنها أنها جريمة بحق المرضى الذين اضطرتهم شدة المرض نتيجة الإصابة بوباء كورونا إلى اللجوء إلى المستشفى ومنح الثقة ل‍وزارة الصحة والبيئة ومؤسساتها على أرواحهم وأجسادهم فكانت النتيجة أن يحترقوا فيها بدل التشافي».

إقالة وزير الصحة

وتابع البيان أن «الوقت الذي تنتقد المفوضية إجراءات السلامة والأمان في مؤسسات وزارة الصحة والبيئة باعتبارها المعنية وارتباطها المباشر بحياة الإنسان، وخصوصا في الظروف الصعبة الاستثنائية التي نعيشها، ومن منطلق المسؤولية وضمانه وحماية حقوق الإنسان الدستورية، نطالب رئيس الوزراء بإقالة وزير الصحة ووكلاءه وإحالتهم إلى التحقيق، وإدارة الوزارة بشكل شخصي من موقع أدنى».
في الأثناء، أكد رئيس لجنة مراقبة تنفيذ البرنامج الحكومي البرلمانية، حازم الخالدي، أن غياب الاستجابة الحكومية العاجلة بعد حصول الحادث يكشف عن «فشل حكومي كبير» في عملية تقديم الخدمة الصحية ومتابعتها.
وقال في بيان، «فجعنا بكارثة يهتز لها وجدان الإنسانية نتيجة الفشل والفساد المتراكم والمهيمن على مفاصل الدولة عمومًا والخدمية خصوصًا، فتسبب الإهمال والفساد مجددًا بإزهاق ارواح بريئة وجرحى آخرين كانوا بأمس الحاجة لرعاية الدولة واهتمامها بهم وهم يصارعون المرض الفتاك». وأضاف: «نقف باحترام لموقف الشباب الغيور من أهالي المنطقة الذين هبّوا لإنقاذ ما يمكن انقاذه، وليت أن المسؤولين يتعلمون من هذه المواقف النبيلة وأن يتصدى لمواقع المسؤولية من يتصف بهذه الأخلاق والتضحية في سبيل المحرومين» موضحاً أن «المعلومات الأولية أكدت عدم وجود إجراءات السلامة في بناية مستشفى (ابن الخطيب) فضلاً عن غياب الخطط للحالات الطارئة مع وجود منفذ واحد فقط للدخول والخروج».

تقصير وإهمال

وتابع البيان أن «مثل هذه الحادثة توجب محاسبة جميع المسؤولين المباشرين وإقالتهم وإحالتهم للمحاكمة القضائية كي ينالوا الجزاء العادل نتيجة تقصيرهم وإهمالهم» مؤكد أن على «الحكومة المعنية بالمتابعة المباشرة والتواجد المستمر للوقوف على اسباب هذه الكارثة ومنع تكرارها، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بالإسراع بمعالجة الجرحى وتعويض ذوي الشهداء بما يضمن حقوقهم وكرامة عوائلهم».
وشدد على «ضرورة كشف نتائج التحقيقات بالحوادث السابقة وعدم التغطية على الفاشلين والفاسدين» مبيناً أن التقرير النصف السنوي الأول الخاص بتقييم الحكومة شخّص مسبقا وجود خلل في آليات وزارة الصحة بالحفاظ على السلامة العامة، سيما مع دخول جائحة كورونا والتعامل بطرق تقليدية وخطرة مع أنابيب الأوكسجين، وقد أكدنا ضرورة إيجاد حلول عاجلة لهذه المخاطر».

الأطباء يهددون

في الموازاة، هدّد الأطباء بعدم العمل في ظروف مشابهة لما حصل في مستشفى ابن الخطيب، محمّلين الحكومة مسؤولية توفير متطلبات السلامة المهنية والاجتماعية.
بيان لنقابة الأطباء، ذكر: «شاهدنا وسمعنا بما حصل من حريق في مستشفى ابن الخطيب الذي يحوي مرضى كورونا والأمراض الانتقالية والتدرن الرئوي وعددا من الأطباء والكوادر الطبية والصحية، ونحن نتألم كثيرا لما حصل من استشهاد وإصابة عدد من المواطنين من بينهم زملاء لنا كانوا بمستوى عال من التضحية والالتزام. تذكرنا حوادث أخرى في مؤسساتنا سببها خلل في المستويات الحكومية كافة والتي لم تراقب متطلبات السلامة المهنية والاجتماعية في مؤسسات قد غادرها زمن الصلاحية، ولن يقطنها إلا المرضى المحتاجين ولن يعمل بها إلا الأطباء المتطوعين او من يفرض عليهم الواجب».
وأضافت: «اليوم ونحن نودع زملاء لنا وإخوانا من نقابات أخرى ومواطنين أحبة على قلوبنا كان الواجب أن نوصلهم إلى شفاء الله لا أن نكون سببا في وفاتهم».
وطالبت النقابة، الجهات الحكومية كافة بـ«تأمين متطلبات السلامة الكاملة حسب متطلبات الدفاع المدني، وتأمين متطلبات الوقاية الشخصية بأعلى مستوى، وإلا لن نقبل مستقبلا بالعمل في ظروف مشابهة، وهكذا خطر مهدد للمساكين بما فيهم الأطباء».
كما أعلنت «مؤسسة الشهداء» (رسمية) المباشرة بتشكيل لجنة للاسراع بانجاز معاملات «الشهداء والجرحى» بحادث مستشفى ابن الخطيب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية