الكرسي الثقافي… الكرسي السياسي!

قد تبدو حياتنا الصاخبة عبارة عن كراس متعددة ومبعثرة، الانتقال بينها قد يبدو سهلا وغاويا، لكن البقاء عليها صعب جدا، إذ يتطلب الكرسي السيميائي استعدادات وصيانات مفتوحة، تبدأ من القناع والكذب والتدليس، ولا تنتهي عند الجنس والحيلة والمكر والأسلحة والمال الحرام وغيرها من مضمرات أنساق السياسة والأيديولوجيا والتعصب والكراهية والتكفير، وكرسي المثقف يظل هو أكثر تلك الكراسي ارتيابا، فهو كرسيٌ للمقصلة، أو للاعتراف، أو للثرثرة، أو هو يشبه كرسي «غودو» المسكون بهواجس الانتظار، والتوهم بأن العالم مرمي أمامه على الطاولة، وأن فكرة الوجود تنحصر في العلاقة التأويلية والمتخيلة ما بين الكرسي وتلك الطاولة.
مقال سعيد يقطين في جريدة «القدس العربي» يوم 11/8/2021 الموسوم «أين يوجد المثقفون» أثار شجناً، له امتياز الجرح ووجع الغياب، إذ يمكن لهذا السؤال «الفنطازي» أن يجعل مفهوم «الوجود» وكأنه بحث في خرم الأبرة، أو في متاهة الرمل، مثلما يجعل الأشياء والعلامات ضيقة، أو غائمة ورمادية أو سائلة، فالكلُّ خارج الجغرافيا وداخل النص، وربما يتوه الكلّ داخل اللغة وخارج الواقع. هذا الوجود، قد يكون مضللا، وإشكاليا، على مستوى توصيف المثقف، أو على مستوى تحديد وظيفته، فليس ثمة خريطة واضحة، ولا أدّلاء واضحون، إذ هو قرين بشيء من المكر، أو الهروب من فخ التاريخ، لكنه يدفعنا إلى استدعاء التاريخ بحثا في أرشيف الوظائف عن «موجودات» هذا المثقف، وعن أدواره، وعن علاقاته السرية والمفضوحة، أو الممسوسة بـ»ذاكرة الكراسي» وبعناوين السلطة والمعارضة، والأيديولوجيا والانقلابات العسكرية، وأحسب أن وظيفته في الحاضر لا تشبه الخيار الذي ذهب إليه برودسكي حينما قال للقاضي، وهو يسأله عن وظيفته، بأنه شاعر، فرده بسخرية، مَن أعطاك ذلك؟ الوجود الحقيقي لـ»المثقف العربي» سيظل مشوبا بالغموض، ليس بعيدا عن لعبة الكراسي، ولا عن لعبة «باربوس» في رؤية العالم من خلال ثقب الحائط، فهذه الرؤية هي خلطة، لوظيفة اللص والشبقي والخائف والمتفرج والشاهد، لكن أخطر ما فيها هي السردنة المريبة للأحداث والوقائع والسير، التي تجعلها قابلة للتغيير، حسب طبيعة المكان والزمان، وحسب حجم الرعب والأعطيات والعلاقات والامتيازات. هذه الوظيفة ستظل «افتراضية» فهي صالحة وآمنة، إنْ ظلت بعيدة عن جوهر الحكم، وستكون طالحة إن دفعت المثقف ليكون مشاغبا ومعارضا، أو ثوريا أو متفقها، حتى قيل إن بعض الحكومات، تسعى دائما لترويض المثقفين، وإبعادهم عن صناعة الوضوح الذي قد يشبه صناعة الألغام الرمزية، وربما عملت بعض أجهزتها السرية على تشجيع الاتجاهات ما بعد الحداثية، لأنها تتحدث عن «لوغارتمات ثقافية» وتهتم بصناعات غير أرضية، وهي مسائل تلامس نرجسية المثقف العربي، ولا علاقة لها بنرجسية السلطة، لا تهدد أحداً، ولا تضر الحكومات العربية من بعيد أو قريب! لذلك ظل المثقف العربي يعيش إحساسه الخفي بالاغتراب الوظائفي، بمعناه الماركسي أو الوجودي، وأن تمثيله «اللغوي» هو الخيار المتعالي والإشباعي لمواقفه، ولرهاناته، وأن وجوده خارج اللغة هو ما يجعله خاضعا للمعايرة، ولشهوة السلطة – السياسية والأيديولوجية والدينية- وأن إعطاءه صفة الشجاعة والتجاوز والمواجهة، تبدأ من مسؤوليته في التمرد، وفي صنع وجود مضاد، والذي سيتقاطع مع خيار «شهوة الغياب» كما سماها حيدر سعيد، ومع بطش صاحب الكرسي الأبوي الذي يكره لعبة الكراسي الأخرى، والذي لا يطمئن لسلام «الأمة» إلّا عبر سردية كرسيه العالي، المصنوع من الأبنوس، أو من أعصاب الناس أو من الخيزان لا فرق..
حكاية وجود المثقف العربي الشائهة، وحتى المطالبة له بدور «عضوي» على طريقة غرامشي ستظل عسيرة، إذ يتطلب الدور وجود «الكرسي» والكرسي يعني نوعا، ولو خفيا من السلطة، حيث فعل المراقبة والكشف عن المستور، وهي ممارسات من الصعب على أي حكومة عربية القبول السهل بها دون شروط..

سؤال سعيد يقطين رغم أهميته، سيظل سؤالا مفتوحا على فراغنا القاتل، مشفوعا بحلم البحث عن حلول لمصائبنا الثقافية، وعن رؤية ما يواجهنا من «تغولات» قاهرة، تبدأ من التغوّل الأصولي التكفيري، إلى الشعبوي والجماعوي والطائفي، ولا تنتهي عند التغوّل السلطوي الذي فرض سلطته على غابة العنب، وترك الجميع يضرسون، مثلما جعل كرسيه الوثير والعريض عنوانا غاويا في فضاء المقهى والمجلس والجامعة…

كلنا مهددون لكن!

المجتمع الثقافي العربي في الماضي كان يجد في المكان -الجامع – السقيفة- الإيوان- بوصفه الهابيتوس الجمعوي، مجالا لممارسة وظيفة السجال والتمثيل، التي لا تتعدى حدود «الولاية الخاصة» وليس «الولاية العامة» كما يقول الفقهاء، لأن تلك الولاية تخص السلطة وأحزابها ومنابرها، وأنّ وظيفة المعارضة ظلت رهينة بالصعلكة، والكدية، والشطارة، أو في العزلة، والتخفي عن عيون البصاصين الذين يفوق عددهم أعداد الشعراء، وحتى الهابيتوس الثقافي اليوم لا يختلف كثيرا، رغم تغير الوظائف والمنصات، إذ هي أمكنة تتكرر فيها عزلة المثقف، وخصخصته، حيث يتحول مجتمع المقاهي والأرصفة، وحتى المجتمع الأكاديمي والمجالسي إلى هابيتوس «معرفي» يتبدى فيه حوار الأفكار وجدلها، ولإقرار ضوابط مخرجات اللغة واستعمال المصطلحات والمفاهيم، وهي تسميات استعارية، لا تعنى بنقد وتقويض النسق والخطاب العميق، بل تكتفي بلذائذ المناوشة، وفي أحسن حالتها، تغامر بتهريب «النسق المضمر» عبر خطاب السخرية والنكتة، وعبر استعارات وشتائم واستعراضات وتوريات تنطفئ عادة بعد الاستعمال، أو تغيب في الشارع العمومي، فهي لا تضع خطاب نقد السلطة وتغييرها مثلا على رأس أولوياتها وبرامجها.
تقزيم الكرسي الثقافي كناية عن تاريخ الخوف، وعن رهاب السلطة، فمن الحماقة أن نجد إشهارا في مناقشة أفكار عملية عن «إصلاح الخطاب الديني» وفصله عن «خطاب الفتوى» لأن مثقف المقهى، والبيان، والدرس سيكتفي بنقد الماضي بوصفه المنطقة الغائبة، أو العقدة التي لم نتجاوزها لحد الآن، لأن النظر في مسائل الحاضر ستكون عملية محفوفة بمخاطر كثيرة أولها خطر نقد استعمال السلطة ذاتها. نحن مهددون وجوديا، وأن كراسينا لا تصلح لتمثيل»وجودنا الثقافي». هذه توصيفات قد تبدو عمومية، وتجريدية، لكنها واقعية، لأن البحث عن الوجود لا يكتفي بوجود الأفكار والسرديات والتخيلات البطولية، وأوهام ترميم المدن الدوستوبية ونزع الأشباح عنها، بقدر ما يتطلب وعيا صادما للواقع، وإلى مواجهة الأشباح الحقيقيين، المغروسين في لاوعينا، والمسؤولين عن مراقبة وظائف صناعة الخطاب السياسي والخطاب الحقوقي. فضلا عن مسؤوليتهم في مراقبة صناعة الرأي العام والوجدان والضمير، وهذه أيضا قضايا حساسة، وتتطلب مقاربات حذرة، فالحكومات لا تسمح أن يكون الرأي العام والوجدان والضمير من حصة الثقافي، لأن في ذلك الثقافي كثيرا من الدسائس التي تخشى منها تلك الحكومات، وهذا ما يجعل المثقف تحت العين والمراقبة، وأن وجوده سيظل مرهونا بوظيفته كمواطن سياقي، لا يؤمن بالشغب المعرفي، ولا بالولاءات والتآويل المضادة..

رهانات الكراسي

البحث عن وظيفة ثقافية نظيرة للوظيفة السياسية أو السلطوية يتطلب وجود النسق الفعال لحركة تلك الوظائف، ومدى حدود صلاحياتها وحقوقها، ولا أظن أن سلطة عربية واحدة تقبل بذلك، أو حتى تطمئن للحلول الثقافية، ليس لأن المثقفين حالمين أو خياليين، أو «بطرانين» بل لأن رهانات الكراسي لا تقبل النزق الثقافي، ولا التأويل الثقافي، إنها محكومة بقاعدة الضبط والطاعة، والنظر إلى «سيف مسرور» كما ليس هناك من مثقف يعرف حدود أصابعه – يملك حماقة التورط بهذه اللعبة، التي ستحوله إمّا إلى أراجوز أو إلى مسرور آخر، أو إلى حارس من حراس الشرف الحكومي..
الوجود الثقافي في المؤسسات والمشاريع الكبرى، ومنها المشاريع النقدية، أو التنويرية وغيرها لا تعني حيازة كاملة للإنوجاد بمعناه الفاعل، بل تعكس حراكا، ظل ناقصا ولم يكتمل، لأن الحكومات لا تقبل باكتماله، ولا تقبل بأن يتحول التنوير إلى مشروع، ولا النقد إلى ممارسة علنية، لاسيما وأن النقد لا يخص العقل العربي على طريقة الجابري، بل سيمسّ الضمير الفاسد، والكف التي تسرق وتقتل وتزوّر، والجسد الذي يخون، وبالاتجاه الذي يدفع إلى إثارة السؤال الثقافي، وإلى التبشير بصناعة المثقف البطل أو المنقذ، وإلى صناعة كراسٍ أخرى، مناوئة أو تتسع للمختلف، وهنا تكمن أهمية «السؤال الثقافي» بوصفه استفزازا، أو تعرية، أو تهديدا، أو بوصفه دعوة للحكومات العربية التي فشلت في التنميات المستدامة، ونجحت في تغويل «العقل الأمني» وفي تهميش «الملف الثقافي» أو ربما توسعيه ليكون ملفا في خفايا الأمن الثقافي..
سؤال سعيد يقطين رغم أهميته، سيظل سؤالا مفتوحا على فراغنا القاتل، مشفوعا بحلم البحث عن حلول لمصائبنا الثقافية، وعن رؤية ما يواجهنا من «تغولات» قاهرة، تبدأ من التغوّل الأصولي التكفيري، إلى الشعبوي والجماعوي والطائفي، ولا تنتهي عند التغوّل السلطوي الذي فرض سلطته على غابة العنب، وترك الجميع يضرسون، مثلما جعل كرسيه الوثير والعريض عنوانا غاويا في فضاء المقهى والمجلس والجامعة…

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية