المأمول في النماذج الحديثةكيف ستكون معاجمنا لو أُعيد إخراجها على غرار قاموس أكسفورد؟ المأمول في النماذج الحديثة

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
0

قد يستغرب المتأدِّب، والقارئ عموماً، لماذا التأمّل بمعجم عربي-عربي، زيادة على ما لدينا في اللغة العربية من معاجم تلبّي حاجة الطالب والباحث المتخصص معاً. لدينا “كتاب العين” للخليل بن أحمد الفراهيدي البصري المولد والنشأة، من علماء القرن الثاني للهجرة (718 ـ 791م). ففي كتابه بأجزائه المتعددة نجد ما يروي الغليل من شرح المفردات العربية مع الكثير من ورودها في نصوص من الشعر والأمثال، مما كان معروفاً لعلماء اللغة حتى أواخر القرن الثاني للهجرة. وقد يجد المتأدِّب والباحث في عصرنا الراهن بعض العَنَت في البحث عن معنى كلمة حسب الطريقة التي اتبعها مُصنِّف “كتاب العين” الذي يرى أن العربية هي لغة العَين وليست لغة الضاد. والطريقة هي أن نبحث عن جذر الفعل الثلاثي بصيغة الماضي من الكلمة التي نبحث عن معناها. ولتكن كلمة “استكتاب” مثلاً، فنبحث عن جذر الفعل “كَتَبَ” الذي يقع في باب “الباء” وفصل “الكاف”. عندها نجد المعنى الذي نطلب، وما يتفرّع عنه من صيغ، مع الكثير من النصوص في الشعر أو الأمثال أو من الآيات الكريمة.

من الواضح أن هذا الأسلوب في البحث عن معنى كلمة ليس في طاقة الكثير من المعاصرين من القرّاء غير المتخصصين في علوم اللغة العربية.

ومثل هذا القول ينطبق على المعاجم التي ظهرت بعد “كتاب العَين”. مثل “مختار الصِّحاح” للرازي، المتوفى عام 1261م، ومثل المعجم الأكبر “لسان العرب” 5006 صفحة لابن منظور، المصري، المتوفى عام 1232م، ومثله “القاموس المحيط” للفيروز آبادي وغير ذلك من المعاجم التي صُنِّفت في أقطار عربية شتى، وجميعها أعمال قيّمة ومفيدة.

من أجل هذه الصعوبة في البحث عن معاني المفردات في العربية، تجرّد عدد من أصحاب اللغة إلى إعادة ترتيب المفردات حسب النظام الأبجدي في الأحرف الثمانية والعشرين العربية، بدءاً بالهمزة، التي تتدرّج إلى الهمزة والباء، ثم إلى الهمزة والتاء، وهكذا. لكن الذي لا نجده في هذا الترتيب، ونجده في المعاجم التراثية هو ذلك الفيض من الأمثال في ورود المفردة في الاستعمال بنصوصها.

وثَمّة وجه آخر لهذه الصورة في المعاجم ذات اللغتين، مما ظهر في العصور الحديثة، وخاصة منذ بدايات القرن العشرين. ففي بلاد الشام ظهرت حاجة لمعجم فرنسي ـ عربي، وبعده عربي ـ فرنسي، وخاصة في لبنان. وفي مصر ظهرت حاجة لمعجم إنكَليزي ـ عربي، وبعده لمعجم عربي ـ إنكَليزي. فظهر “القاموس العصري” من عمل إلياس أنطون إلياس، المصري المولد اللبناني الأصل. ثم أخرج المصنِّف منه: القاموس الإنكَليزي ـ العربي، وبعده العربي ـ الإنكَليزي، وتوالت الطبعات إلى عام 1972، عشرين سنة بعد وفاة الياس أنطون الياس، عام 1952.

لكن ما نجده من وفرة الأمثلة والنصوص في المعاجم التراثية لا نجده في المعاجم العربية الحديثة، ولا في المعاجم مزدوجة اللغة، حتى في أحدث تلك المعاجم، مثل معجم “المَورد” من عمل منير البعلبكي، أو في “المورد” عربي ـ إنكَليزي من عمل الدكتور روحي البعلبكي. وقد تكرّرت طبعات هذه القواميس كثيراً في العقدين الأخيرين، مما يدل على الحاجة الشديدة لهذه الأعمال الجليلة. وثمة “القاموس المزدوج”: عربي ـ فرنسي/فرنسي ـ عربي من إصدار دار الكتب العلمية ـ بيروت؛ صدرت طبعته الأولى عام 2004، وهو عمل ممتاز لأنه يشمل المصطلحات العلمية في مختلف ما استجد من العلوم الحديثة.

وقد يقول قائل إن وظيفة المعجم أو القاموس هو إعطاء مقابل للكلمة بلغة ثانية. وهذا كلام سليم. ولكن كيف نقارن الفائدة من الأمثلة الفعلية في ورود المفردات في نصوص تراثية أخذت مكانها في تاريخ اللغة إزاء أنعدام تلك الأمثلة في المعاجم الحديثة؟

هذه الأوضاع في صفات المعاجم العربية، التراثية والحديثة، ومزدوجة اللغة، تدعو إلى النظر في أمثلة من المعاجم بلغات أجنبية، لنرى كيف تختلف تلك المعاجم عما لدينا من حيث تقديمها فوائد نأمل أن يكون لنا مثلها في معاجمنا العربية. ولنأخذ مثالاً قريباً من “قاموس أكسفورد للّغة الإنكَليزية”. يقع هذا القاموس في مجلدات كثيرة ليس في مقدور الأفراد شراءها، غالباً؛ وهذا ما دعا إلى الحاجة لإصدار “القاموس الأقصر” من المجلدات الكبيرة، وهو أقصر، لكنه يحتوي على 2515 صفحة في مجلد واحد بدل الأثني عشر مجلداً. ميزة هذا القاموس أنه يعطي جذر الكلمة من مصدرها بلغة أجنبية أو من اللغة الإنكَليزية القديمة (الأنكَلوسكسونية). ومعروف أن اللغة الإنكَليزية مُشتَقة من الجرمانية العليا القديمة، ومن الإغريقية واللاتينية وبعض اللغات الأوروبية المشتقة عن اللغات الكلاسية، إضافة إلى جذور كلمات عربية أو هندية أو غيرها. وتتوسع المفردة إلى شكلها صفةً أو ظرفاً أو إلى شكل الضدّ منها، مع أمثلة فعلية في الاستعمال القديم والحديث، والإشارة إلى تغير معناها في الاستعمال الحديث. يتبع هذا القاموس الخطوط التاريخية في تطور اللغة الإنكَليزية، ويُعنى بالصفات الأدبية للكلمة، إضافة إلى الصفة العلمية، والعتيقة، والفنية، والعامية، والجِهَوية، وحتى الصيغة المبتذلة.

يا تُرى كيف ستكون أوضاع معاجمنا العربية، أو مزدوجة اللغة، لو أُعيد إخراجها بالشكل الذي نجده في قاموس أكسفورد، على خطوط تاريخية، وهو ما دعا إليه دكتور صموئيل جونسن (1704 ـ 1784) في أول معجم كبير في الإنكَليزية؟

لم يكن في الإنكَليزية مُعجم مُعتَمَد قبل مُعجم د. جونسن، يوم اجتمع عدد من الناشرين في لندن عام 1746 وكلّفوا د. جونسن بمشروع مُعجم للّغة الإنكَليزية على غرار ما فعلته الأكاديميتان الإيطالية والفرنسية بإخراج معجم يجري اعتماده في تينك اللغتين. كان الرجل يأمل في إنجاز المشروع بثلاث سنوات، لكنه استغرق تسعاً من السنوات بمساعدة ستة من اللغويين. وبقي معجم جونسن المرجع الأساس لأكثر من مئة سنة. يحتوي المعجم على أربعين ألف كلمة و114 ألف مقتطف من مشاهير الكتاب الإنكَليز من مئتي عام قبل جونسن، مع شروح إضافية للمعاني وأضدادها. كان الدافع الرئيس وراء تصنيف مُعجم مُعتمَد خشية كتّاب العصر أن تضيع لغتهم مع التقادم وتضاؤل الاستعمال. يؤكد جونسن في مُعجمه على الخطوط التاريخية في تطور اللغة، وتغيّر المعنى مع تغير الأجيال، لذا كان لا بد من تثبيت المعاني مع الإشارة إلى احتمال التطوّر والتغيّر الذي حدث مع الزمن. فمثلا كانت المفردات الإنكَليزية في العصر الإليزابيثي، قبل أكثر من مئة سنة من عصر جونسن، تعني أحياناً شيئا يبتعد تماماً عما تعنيه في عصر جونسن في القرن الثامن عشر، أو في عصرنا الحاضر. كلمة pen أو pencil التي تفيد اليوم “قلم” كانت في عصر شكسبير تعني “ريشة” أي ريشة الطائر التي يُكتَب بها أو للتلوين. وكلمة scandal التي تعني اليوم “فضيحة” كانت في عصر شكسبير تعني “جرحاً في الجبهة نتيجة اصطدام بجسم حاد”. وثمة أمثلة غير ذلك.

ومن أمثلة الدقة في معاني المفردات في معجم جونسن كلمة anthology التي يقدِّم لها جونسن برسم الكلمة بالإغريقية ويشرحها “مجموعة أزهار”. والغريب أن كلمة “أنثولوجيا” قد اختلطت في الترجمة العربية مع “أنطولوجيا” Ontology التي تعني “الماهيّة” أو “طبيعة الشيء”. ولا يفتقر هذا المعجم إلى تفسيرات طريفة مثل: cahfee القهوة: شراب تركي ساخن أسود يسبِّب الأرق. دخلت الكلمة في الإنكَليزية عام 1671. Pension: مكافأة التقاعد: مكافأة تدفع لأي شخص لقاء لا شيء. وفي إنكَلترا يُفهم أنها تدفع إلى صَنيعة الدولة لخيانة وطنه! Patron: الراعي: شخص يواجِه أو يَدعَم. وهو في العادة تعيسٌ يدعم بوقاحة ويُكافأ بمديح زائف. Oats الشوفان: حبوب عشبية تُقدّم علفاً للحيوانات في إنكَلترا وهي الطعام الرئيس في سكتلندا!

وإذا تجاوزنا هذا العَبث في معجم جونسن، يمكن أن نفيد في تثبيت أصول المفردات في العربية لأن بعض الناس، مثلاً، يحسب كلّ كلمة وردت في القرآن الكريم عربية أصلا، ناسين أن القرآن الكريم نزل بلغة قريش، أكبر القبائل التجارية وصاحبة سوق عكاظ الذي يجتمع فيه تُجّار من بيزنطة وفارس والحبشة وغيرها. هؤلاء أدخلوا الدراخما الإغريقية البيزنطية، التي تحرّفت إلى درهم (وشَرَوهُ بثمن بَخسٍ دراهم معدودات). وديناريوس/دينار، و”مُصحف” الحبشية، وسندس واستبرق الفارسية، وغيرها كثير مما دخل في لغة العرب وبخاصّة لغة قريش، التي نزل بها القرآن الكريم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية