المبنى الفني ووحداته في ملحمة جلجامش

حجم الخط
0

تشكلت بنية ملحمة جلجامش شأنها شأن الملاحم الأخرى من مجموعة وحدات أساسية، ارتقت بمجموعة الأحداث إلى مصاف راقية، حيث أنها كنص ملحمي سعت إلى ملاحقة التاريخي للوصول إلى الأسطوري، ذلك تم بتشكيل جملة علائق، ساهمت في بلورة بنيتها الموضوعية والفنية. إذ يُعد لم شتات هذه الملحمة واحداً من الإنجازات العظيمة لعلم الآثار والبحث الأكاديمي.
لقد تم جمعها من ألواح مكسرة من الطين المشوي. وطبيعي كان تشكّل وحداتها كملحمة من مجموعة خصائص مشتركة بين الملاحم جميعاً، وهي خاصية التنوع في المعتقدات وحقائق التاريخ. وفي كونها نصاً ذاتياً، لأنها بمجهولية مؤلفها يمكن إحالتها، كونها تنتمي إلى العقل الجمعي المنتج. ولكن النظر إلى بنية تشكّلها الذاتي كنص، نجد أنه يتميّز بمجموعة خصائص هي في الأساس وحدات اعتمدتها الملحمة كمنتَج أدبي، إضافة إلى بنية الزمان والمكان، وتحوّلهما بين الحين والآخر، حسب مقتضى وسياق الأحداث وتطورها، وبذلك يكون التحوّل في هذا من زمان ومكان واقعيين إلى زمان ومكان أسطوريين. والوحدات هي: الوصف، السرد، التكرار، الرؤيا (الأحلام). وهي بشكلها العام تجتمع على الشعرية والسردية. ففي الأول وكما ذكر الباحثون؛ كونها تعتمد على أسس الشعر كالإيقاع والترتيل كأداء، والتشبيه في طرح المشهد الروائي والتنوع في الوصف والسرد ووسيلتهما هي اللغة التي تتميّز في كونها لغة صورية مجازية، أي أن الكلام فيها صورياً محسوساً، قبل أن يكون فكرياً مجرداً، فقد كان السومري يتعامل باللغة، وكأنها لا تزال في الطبيعة بعلائقها لا في ذهنه. فهو كمن يقتبسها كحكايات وأصوات من الطبيعة من حوله. فللتعبير عن رغباته يصف الأشياء جنباً إلى جنب برموزها اللغوية كمن يصوّرها في مواضعها.
لقد تشكلت الملحمة من مجموعة فصول احتوت وقائع تتصل مع بعضها لتُنشئ معماراً لرواية كاملة. وهذه الفصول لها زمانها ومكانها وشخصياتها. كذلك تنفرد في معاينتها من خلال بنية مروياتها وحكاياتها. لكنها في المحصلة النهائية حققت معمارها الفني عبر وحداتها. وهذا يُحيلنا إلى رأي شتراوس في الأسطورة وطبيعتها.
فترابط أجزائها يشكّل منها وحدة نص تمنح معنى على صعيد نمو الحدث وتصاعده وترشيح الفكرة والملحمة، في سعيها الحثيث إلى الأسطوري، إنما حققت المنحى الذي أغنى بدوره المعاني وملاحقة مجموعة أفكار تركزت في حقيقة الوجود، وجدلية الحياة والموت والانبعاث والخلود. فالزمن على سبيل المثال، وكما ذكر الناقد طراد الكبيسي في كون الملحمة في حالة دوران حول نقطة مركزية، جوهرها فكرة التاريخ في الفكر القديم عبر ثنائية (الحياة والموت) كذلك ارتباط هذا بمفهوم الزمان والمكان في الفكر الرافديني القديم.
كذلك يتضح هذا من خلال عرض الحوادث عبر السرد. وطبيعي أن المادة المسرودة تحمل معاني ظاهرة وباطنة، بما توفره الملحمة من تراكيب اللغة وغناها الشعري. لقد اعتمدت الملحمة في استهلالها على التلخيص، حيث أعطت مشهداً كاملاً، كشف عن طبيعة ما جرى للملك (جلجامش) :
هو الذي رأى كل شيء
حتى نهايات الأرض
الذي خبر جميع الأمور
وعد الكل الغريزة الحكمة
الذي عرف جميع الأمور
جلجامش الذي رأى الأسرار
وفتح الخفايا
وصل ما قبل الطوفان
وسلك طريقاً بعيدة وتعب
وبعدها تتوالى الأحداث عبر اثني عشر لوحاً. فالوصف تميّز باعتماد المقاربات البيئية، والتشبيه
تعالي يا شمخة
هات التي تُشير إلى ما في الملحمة من المماثلة بين الموصوف به وبين المشبه والمشبه به، مثل:
خذيني
إلى المعبد المقدس مسكن آنو وعشتار
موطن جلجامش الكامل القوة
الذي يبرز قوته فوق الناس
مثل الثور(السماوي)
إنه كامل الرجولة، مليء بالحياة
كل جسمه متزوق فتنة
………………….
ممسكاً بعضهم البعض كالثيران الوحشية
أنت كالأوحد، ولدتك أمك بقرة الأسوار الوحشية
الربة ننسون
وهذا يؤكد مقاربة بين الإحساس بالشيء ومفردات البيئة (المكان) ذلك عبر وصف غير مبالغ فيه، بقدر ما ينساب مع ما يشكّل من المعاني المقبولة، سواء أكانت سلباً أم إيجاباً، خاصة في تصدي (جلجامش) للإلهة (عشتار) عند طلبها الزواج منه. فقد كان وصفه لها كشفاً لما هو قبيح من تصرفاتها.
أما في السرد فإنه اندرج على تنوع واضح. فهناك راوٍ مركزي يعكس المشاهِد بكل جدارة وقوة، وهو سارد عليم. وهناك راوٍ يتحدث منذ بداية الملحمة، حيث يبتدئ بعبارة (هو الذي رأى كل شيء) لكن سرعان ما تغيّر إلى صيغة أخرى للسرد. ثم في مناجاة (أنكيدو) إلى بوابة غابة الأرز، وفي تداعيات (جلجامش) بعد وفاة (أنكيدو).

أما التكرار؛ فإنه شمل تكرار المقاطع كاملة، أو إنه أتى على المعاني بصيّغ أخرى، وأعتقد أنها فعالية لغوية تُحيل إلى تجديد الصوّر وترسيخ المعاني، خاصة الأفكار.

أما التكرار؛ فإنه شمل تكرار المقاطع كاملة، أو إنه أتى على المعاني بصيّغ أخرى، وأعتقد أنها فعالية لغوية تُحيل إلى تجديد الصوّر وترسيخ المعاني، خاصة الأفكار. إن البعض يعزي التكرار إلى كونه نهجاً تقليدياً ترسمه الملاحم العالمية. وكان الأسلوب الأدبي الشائع في المنطقة، أو أنه راجع إلى أن أصل كثير من الملاحم الشعرية القديمة كونها تؤدى إنشاداً وترتيلاً في الساحات والمعابد، حيث كان المنُشد يستعين بالتكرار ليستعيد إلى ذاكرته ما ينشده من أبيات تالية. ويؤكد طراد الكبيسي استناداً إلى رأي كَريمر في أن التكرار والمقابــلة والوصف والتشبيه، نجد استخدامها على قدر فائق من الحــذق والمهارة في عموم الشعر السومري والأساطير والتراتيل والقصائد الغنائية والمراثي. ويشمل التكرار أفكارا تباينية ومتوازية، غرضها الإضافة، لأنه يرتبط بحاجة الكلام الشفاهي (المروي) ويرتبط بخاصية الزمن القابل للإعادة في الأساطير، وبالتالي إعادة الخلق في المستويين الأدبي والحياتي.
ومن الصيّغ الأخرى الداعمة للنص الملحمي؛ هي إعادة صياغة مسيرة المدينة (أوروك) وسيرة ملكها (جلجامش) خامس ملوكها، صياغة أسطورية، لكي يفتح أمامها باب المجاز والبلاغة في البناء. كذلك هناك استثمار للأحلام كدالات، واعتبارها مفاتيح تُشير إلى (اللاوعي) المعبّر عن الاستعداد غير المعلن في ذات (جلجامش) وكان هذا جل الأحلام التي هي أيضاً صيّغ بلاغية، هي مجاز يُضاف إلى وحدات النص، تخص بلاغة المعاني في محتواها التي أسهمت في تغيير وتطوير مفاهيم الملك. ذلك بتوفير أجواء الاستعداد النفسي لاستقبال المثيل (أنكيدو) ومن ثم تقبّل أفكاره ورؤاه للوجود العام والخاص. ومن الأمثلة على ذلك وهي أحلام تنبؤية نورد :
قد سقط على ظهري
مثل جنود الإله آنو
حاولت رفعه، ثَقُلَ عليّ
………………………
يا أماه رأيت حلماً ثانياً
في أوروك ذات الأسوار
كانت فأساً مرمية
والازدحام عليها
والأم تركز في تفسيرها على التنبؤ:
إن كفؤك شُهب السماء
هو الرفيق القوي
الذي ينقذ الصديق
إن الفأس الذي رأيت هو رجل
هذه الاستخدامات والتوظيف أسهمت مع وحدات النص، لأنها أحلام و(رؤيا) استباقية تنبؤية بدليل ما قاله (جلجامش):
عسى أن أحصل على صديق مساوٍ لي
أو كما ترجمها طه باقر:
فتح جلجامش فاه وقال مخاطباً أمه
عسى أن يتحقق هذا الفأل بمشيئة أنليل العظيم
فيكون لي صاحب وصديق ناصح
من كل ما تقدم نرى كما رأى الباحثون؛ أن الملحمة ذات صياغات متنوعة وعديدة، ساهمت في تعميق المعاني والأفكار. وبهذا حققت وحدة بين الشكل والمعنى.

٭ ناقد عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية