تطرق المحلل والباحث السياسي التونسي في هذا الحوار لـ«القدس العربي» إلى مستجدات المشهد التونسي في ظل الأزمة الراهنة. واعتبر أن لا عودة اليوم إلى الديمقراطية الحقيقية وتوحيد جميع التونسيين إلا بعودة الشباب للمشهد السياسي وتحسين جودة المجتمع المدني كي يتجاوز نقائصه. وأشار إلى أن السياق كاملا خلال العشرية الأخيرة كان لا يساعد على نشأة الديمقراطية ونجاحها وترعرعها، إضافة إلى سوء إدارة الحكام الجدد والتباين بين الانتظار وامكانيات الإنجاز. وتحدث أيضا عن عمل البرلمان الجديد والتحديات الراهنة في البلاد اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وآفاق الوضع، مؤكدا أن الأزمة متداخلة ومركبّة في البلاد سياسية، اقتصادية، اجتماعية وحتى تاريخية.
الجويني حاصل على شهادات عليا في العلاقات الدولية والترجمة والفلسفة السياسية، ويشتغل على مواضيع واهتمامات تشمل الشؤون الليبية والعلاقات التونسية الليبية والمغاربية. وله عشرات الأبحاث والدراسات مع مراكز أبحاث محلية ودولية، وهو مستشار لدى عدد من المؤسسات والمنظمات الدولية والإقليمية. وهنا نص الحوار.
○ كيف ترون التحولات الراهنة والوضع السياسي في البلاد خاصة مع انطلاق عمل البرلمان الجديد، وكيف هي العلاقة بين السلطة التنفيذية ومجلس نواب الشعب؟
•العمل البرلماني سواء في النظام الرئاسي أو البرلماني في الديمقراطيات الحقيقية – وليست المشوهة – دائما يبقى فيه لكل سلطة وظيفتها وفق مبدأ فصل السلطات، ولكن الآن في نطاق الرؤية الجديدة التي اقترحها الرئيس قيس سعيد فإنه ليست هناك سلطة بل هناك وظائف. وحتى السلطة التشريعية تقريبا باتت وظيفتها عمليا – وليس قانونيا- تترّكز بالأساس في المصادقة على كل ما يقترحه الرئيس. والحقيقة لا أتوقع أن يكون هذا البرلمان قادرا على فعل شيء لأكثر من دليل، أولا لضعف شرعيته الانتخابية بعد نسبة التصويت الضئيلة، أقل من 11 في المئة. والنظام الحالي في تونس هو رئاسوي مركزّي أي أن كل شيء بيد الرئيس، وهذا الأمر يجعل دور البرلمان محدودا. فضلا عن أن المسألة لا تتعلق فقط بتشريعات أو بالجانب التشريعي بل هي أعمق من ذلك بكثير، فالأزمة متداخلة ومركبّة في البلاد سياسية، اقتصادية واجتماعية وحتى تاريخية. وفي الحقيقة كنا سابقا نتحدث عن انقسامات والآن نتحدث عن مسائل أعمق، وكل ما نرجوه ونأمله بأن لا تدخل تونس في مرحلة صعبة قد تهدّد السلم الأهلي.
○ لو تفسّر لنا مواقف الأحزاب والشارع التونسي وأين يميل؟
•في الحقيقة كانت مواقف الأحزاب السياسية في تونس متباينة مما حصل يوم 25 تموز/يوليو، غالبية الأحزاب سارت في طريق خرق التوافق الدستوري. وأجدد القول هنا إن الدستور ليس شيئا مقدسا بذاته، ولكن أية محاولة تقبل ضرب أي فصل في الدستور والقواعد الدستورية دون توافق، فإن ذلك يفتح الباب أمام كوارث لها بداية وليست لها نهاية، وهذا للأسف الشديد ما حصل. فبعد الجدل الطويل الذي رافق تطبيق الفصل 80 نرى أن الشرائح التي أيّدت تطبيق الفصل بالشكل الذي حصل في موقف مغاير الآن. ومن البداية كان جليا أن هناك أحزابا مشكلتها ليست في تطبيق الدستور أو في النظام البرلماني أو الرئاسي وغيره، ولكن مشكلتها في الأحزاب التي تستقطب بشكل أو بآخر الانقلاب على الإرادة الشعبية. ففي نهاية الأمر دستور 2014 كان بإرادة شعبية وبتوافقات واسعة، وهذا مرة أخرى يؤكد أن المسألة ليست دستورا وقوانين، بل هي تشبع بثقافة ديمقراطية، وللأسف الشديد هذا غير موجود في مجتمعنا. وطبعا في ظل الموجة الشعبوية لتأثيم الأحزاب وسوء النظر لها كأنها سوق للبيع والشراء وترذيل العمل السياسي، فإن جميع الأحزاب تدفع الثمن. رغم أن الأحزاب – كأجسام وسيطة في كل أنحاء العالم – هي الشكل الأرقى للتنظّيم والتعبير عن الأفكار والوصول للسلطة السياسية وممارسة الحكم وتغيير واقع الناس. الآن أصبحنا في منطق ما دون المأمول وما دون الديمقراطية، قد يكون أشبه بمنطق الجماعة أو «الشلّة» بالعامية التونسية أو «السكتاريزم» أو الاقطاعية، ومنطق الولاء الأعمى، ولكنه في كل الأحوال ليس منطق الديمقراطية ولا منطق الحكم والمعارضة، بل نحن في منطق آخر.
○ تحدثت عن غياب منطق الديمقراطية أو غياب الثقافة الديمقراطية، فهل هذا ما يفسّر فشل التجربة الديمقراطية أو تعثّرها في تونس؟
•تونس في الحقيقة لم تفشل بل حققت معجزة بكل المقاييس لأنها حافظت على الديمقراطية لمدة عقد، وهي معجزة لأن معايير النجاح والفشل تقتضي الانطلاق من الظروف التي لم تكن في صالح تونس.
فالديمقراطية في تونس كانت مهددة أولا لأننا نريد ديمقراطية في مجتمع غير ديمقراطي ومع نخب لا تفهم معنى الديمقراطية (بعد هرب بن علي حديث النخب ومنها الإعلامية مثلا كان تركيزها عن أموال بن علي عوض الحديث عن أهمية العمل والإنجاز أو محاولة تكريس الديمقراطية عبر التواصل الشعبي البناء ألخ…). فالنخب في جلها ليست بعيدة عن الشعب العادي البسيط «كما تصفه» في فهمها للديمقراطية لأنها تفهم الديمقراطية فهما نظريا مجردا لا عمليا بما تحمله من مشاكل وتحديات. كذلك أعتقد أن المحيط الجيوسياسي، حرب ليبيا وبعض الدول العربية كل همها تجنب الديمقراطية، إضافة إلى نفاق وازدواجية معايير القوى الكبرى، كلها عوامل لم تكن تلعب لصالح ترسيخ الديمقراطية في تونس. بعد الخروج من مرحلة بن علي لم نذهب إلى الديمقراطية بل انتقلنا إلى دكتاتورية الأجسام الوسطى والمتمثل في التسيب النقابي والإعلامي.
إضافة إلى ذلك فإن بقايا أزمة 2008 العالمية كانت عاملا زاد الطين بلة في الأزمة الاقتصادية وهي من أسباب الثورة التي هي أساسا اقتصادية واجتماعية على عكس ما يذهب إليه كثيرون في تقديري. لقد شهدت تونس أيضا مشاكل عديدة بعد 2011 وسجلنا انحسار أهم قطاع اقتصادي وهو السياحة. زاد عليه تعطيل الإنتاج والعمل وغياب المنوال التنموي الناجع الذي يمكن أن يعطي ثماره، إضافة لتراخي الديمقراطيات الغربية الكبرى في دعم الديمقراطية التونسية. يعني الغرب يريد الآن (يزعم انه يريد) لتونس اتفاقا مع صندوق النقد بينما كان بإمكانه التضامن معها من أجل بناء الديمقراطية، ماذا كان يضره في ذلك؟ هناك نفاق لم يعد خافيا على كل ذي عقل.
فالديمقراطيات تقوم بنوع من التكافل (خطة مارشال فرنسا ألمانيا والدعم الأمريكي بعد الحرب الثانية، بريطانيا وإلغاء الديون بعد الحرب الأولى والدعم الأمريكي بعد الحرب الثانية). وهنا أيضا أعتقد أن النخب التونسية منها من روج في الخارج في أوروبا مثلا، تصورات خاطئة عن البلاد وبسبب ذلك كان الدعم ضعيفا جدا للديمقراطية. كل العناصر السابقة تفيد أن تونس نجحت فيما يشبه المعجزة، والسياق كاملا كان لا يساعد على نشأة الديمقراطية ونجاحها وترعرعها، زد على ذلك سوء إدارة الحكام الجدد والتباين بين الانتظار وامكانيات الإنجاز.
وهنا أريد أن أضيف أن الثقة في الشعب والمشاعر الشعبية أو المشاعر الجياشة الديمقراطية العاطفية أساسا أمر يجب مراجعته لمن يريد بناء الدول. فالفيلسوف السياسي توكفيل يقول إن المشاعر الديمقراطية هي الخوف والكره والغضب والحسد. وهنا عديد التساؤلات تطرح حول امكانية بناء دولة ونظام يقوم على هذه المشاعر الديمقراطية، وحول ماهية المشاعر التي تحرك الجمهور، وعما إذا كان الجمهور خرج للدفاع عن قاعدة فيزيائية أو حقيقة علمية. إذ أن قسما من التونسيين خرجوا يوم 25 تموز/يوليو 2021 للاحتفال بخرق الدستور وتهديم المؤسسات الوليدة وذلك بقطع النظر عن تقييم أدائها. يعني يجب أن نميز ونفرق بين عيوب الديمقراطية وبين إلغائها لأجل هذه العيوب. فمن يحس بألم في رأسه مثلا يتناول حبة دواء ولا يعالج رأسه بالقطع وفق تقديري.
○ ما هي مساهمة المجتمع المدني والسياسي ودوره في تونس اليوم في ظل التحولات الراهنة والتحديات الصعبة؟
•المجتمع السياسي والنخب السياسية أبرزت مستويات من النجاح في إدارة اختلافها تجاوز بكثير مستوى المجتمع التونسي. وفي العقد الأخير كان هناك مستوى تحضر سياسي استثنائي، طبعا بعض وسائل الإعلام لن تقول كل هذا الكلام بل ستركز على البيع والشراء والعرك ألخ، والسؤال هو أليس هذا الأمر «السيئ» موجودا في الديمقراطيات، أليس في الديمقراطيات توافقات (البعض يسميها بيع وشراء) وهل كل الديمقراطيات هل هي جنة عدن؟
○ بعد حالة الاستقطاب التي رافقت البرلمان القديم اليوم نحن أمام مشهد برلماني جديد فكيف تقيمه؟
•جوهر العمل البرلماني في تونس كان جيدا، فقد شاهدنا فيما سبق التداول في مواضيع تهم الناس وكان أكثر الأحيان جديا وأكثر المخرجات ممتازة (قانون العنف ضد المرأة وقانون الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ألخ) وهي قوانين متميزة لم ير الشعب أكلها بسرعة في هذا السياق المضطرب والقصف الإعلامي المركز، فالإعلام في جله كان يروج للفولكلور ومن مصلحته الاقتصادية التركيز على الفولكلور. الديمقراطية شعارها سلطة الشعب، وتطبيقها وممارستها التداول على السلطة والمنافسة عليها وهو ما تم تتفيهه واعتباره كارثة الكوارث خاصة في مجتمع كلياني له قابلية لفكرة الوحدة الصماء وفيه يكون الاختلاف شيئا سلبيا.
والمجتمع المدني حظي من التقديس بنفس القدر الذي حظي به المجتمع السياسي من التنكيل والتبخيس. فالتمايز الأصلي بين المجتمع المدني والسياسي أن الأخير ينزع إلى المنافسة والتقسيم والمجتمع المدني ينزع إلى الوحدة أو التوحيد.
○ يعني دور المجتمع المدني كان سلبيا في كل ما حصل؟
•الجمعيات التونسية ساهمت في تقسيم المشهد العام في البلاد كما ساهمت في ذلك الأحزاب، ومن المفروض أن نقول إنها لم تقم بدورها، لأن دور المجمع المدني (من أدواره) ترقيع ما تتسبب فيه المنافسة السياسية من انقسام، هل ساهم المجتمع المدني بذلك؟ لا أعتقد. كما أن المجتمع المدني من المفترض انه فوق الانتماءات ويجمع الجميع حول فكرة ومن أجل هدف بقطع النظر عن الانتماء الفكري أو التيار السياسي.
○ في خضم كل ما ذكرته ما مستقبل العمل الحزبي في تونس وآفاقه؟
•الديمقراطية تقوم على توازن بين الجسد الكبير والأجسام الوسطى التي تقف بين الدولة والأفراد لأنها القوة الوحيدة القادرة على ردع الدولة عن التعسف على المجتمع الأهلي والأفراد، وهناك حاجة للأحزاب والمنظمات لأن الدولة كسلطة لها وسائل تعسف يجب أن يتم توفير حاجز أمامها. لكن الخطر أن تكون الجماعة الوسيطة أكثر تعسفا من الدولة ضد الأفراد، والمشكلة في خلق التوازن بين الدولة والأجسام الوسيطة. في تونس الجسد الكلي ضعف كثيرا بعد الثورة، فالحزب الأول لم يستطع إدارة الدولة. وأعتقد انه لو كان الانتقال الديمقراطي انهار في سنة 2013 لتم ترويج سردية الانقسام المجتمعي، إسلامي علماني في تأويل ثنائي بسيط لا يمكن البناء عليه. فنجاح تونس ثمرته الأساسية هو أنه تم كسر تلك السردية، ولكن لا نلاحظ ذلك في الإعلام، تراكم التجربة وأصبح الصراع يتجاوز الثنائية بل حتى ثنائية الثورة والثورة المضادة. وأرى أن تونس تجاوزت أسوأ سردية بين العلمانيين والإسلاميين وهو نجاح جزئي، ولكن المجتمع السياسي تعرض لإضعاف ممنهج، وبكل الأحوال فإنه لا عودة للديمقراطية وتوحيد التونسيين من دون عودة الشباب للمشهد السياسي وتحسين جودة المجتمع المدني كي يتجاوز نقائصه. وأعتقد كذلك بانه لن تكون هناك أهمية لأي عمل سياسي في ظل الشعبوية والدكتاتورية والتفرد بالرأي.
○ كيف ترون آفاق الوضع اليوم في تونس في ظل تعقد الأزمة السياسية؟
•مع الزمن أصبح يتضح بشكل تدريجي أن أقساما واسعة من التونسيين تستبطن الاعتداء على القانون والمستبد العادل في ثقافتها. ويمكن هنا ملاحظة خطابات الرئيس والأصوات المصاحبة المؤيدة، وتصريحات بعض النخب السياسية والإعلامية المستعدة للتضحية بالبلد من أجل إزاحة خصم أو تغيير واقع، لم تنجح في تغييره بالديمقراطية والصندوق، وهو ما يعكس معالم من الشخصية التونسية إذا صح التعبير. وفي تقديري أن الأمر أكبر من حصره في شخصية رئيس أو مسؤول أو حزب، فهناك أعطاب حقيقية في بدن وجسد «الأمة التونسية» إذا صح التعبير. الأعطاب قديمة ومتنوعة وللأسف المعالجات طيلة عقود كانت في شكل مسكنات وضمادات على جرح عميق وحان الوقت الآن لاكتشاف عمق الجرح وفداحة الندوب التي تركها.
○ ما هي آفاق الوضع؟
•في تقديري أننا مقبلون على رحلة تيه مجتمعية، رحلة نتيه فيها أولا حتى نعلم ما كان فيها من فرص، أقول بشكل واضح فرص يعني لم نكن في جنة ولكن كانت عندنا فرص حتى ننتقل ببلدنا ونعطي مثالا في المنطقة، وحتى نعلم ثانيا ما نحن فيه من فوضى، لن تنفع معها قوانين ولا محكمة دستورية لأن المعنى الأول للقانون والديمقراطية هو ردع السلطة وإن كانت في يد الأغلبية شعبيا فما بالك إذا كان من يحكمنا لا يتجاوز وزنه 10 في المئة. وثالثا ستكون رحلة التيه المجتمعية قاسية على الجميع وديمقراطية في توزعها على الجميع وكل ما نأمل هنا أن لا تكون طويلة وخاصة نأمل أن نستفيد منها لأن الشعوب تمر في حياتها بدورات اجتماعية وتاريخية تتعلم منها دروسا.
○ إذن هل تونس مقبلة على مرحلة جديدة من الاحتجاجات؟
•لا أحد يمكن أن يتوقع عودة الاحتجاجات من عدمها، مثلما لم يتوقع أحد احتجاجات 2011 والمرتبطة بالجانب الاقتصادي والتحام الشارع السياسي مع الشارع الشعبي أن صح التعبير. ولكن تقديري أن الناس ترى وتلمس نتائج «الشعبوية» والانفراد في الرأي من اعتقالات وتضييق للحريات وتدهور صورة تونس وعلاقاتها مع الدول الجوار والإقليم. المسألة مؤسفة ومؤذية للبلاد ولكن أعتقد أننا جميعا ندفع الثمن سواء مثقفين أو سياسيين أو نشطاء وغيره لأنه لم تتم صيانة الفرصة التي أعطيت لتونس.