بغداد ـ «القدس العربي»: لا يزال موضوع المختطفين والمغيبين قسراً في العراق بدون حل على وقع إهمال حكومي وتصاعد في المطالبات الحقوقية لإنهاء هذا الملف الذي تسبب بمعاناة أعداد كبير من العراقيين.
عضو مفوضية حقوق الإنسان، علي البياتي قال لـ«القدس العربي»، إن «المفوضية أعطت أهمية لملف المختطفين والمغيبين، ولديها قاعدة بيانات للشكاوى التي وصلت من ذوي الضحايا حيث وصلت إلى 8 آلاف.
يبقى هذا الموضوع قيد التحقيق، ولم نر جدية من قبل الحكومات المتعاقبة لإتمام وإنهاء هذا الملف على الرغم من أن العراق موقع على اتفاقية حماية الأشخاص من الإختفاء القسري، وهي أن تقوم الدولة بحماية مواطنيها من الإختفاء القسري، وأن يكون هناك إنصاف لعوائل المختطفين».
ولفت إلى أن « الموضوع يحتاج إلى جدية وتفعيل اللجان القديمة ولا نحتاج إلى لجان جديدة، وعلى الدولة عمل قاعدة بيانات توضح من خلالها أعداد المختطفين والسجناء والمطلوبين للقضاء، وأن تكون تحت تصرف مفوضية حقوق الإنسان لمطابقتها مع الأسماء التي لديهم من خلال الشكاوى التي ترد من قبل ذوي الضحايا».
وأشار إلى ضرورة «حسم ملف المقابر الجماعية التي فيها ما لا يقل عن 12 ألف ضحية، وحسم ملف العراقيين خارج العراق من النازحين واللاجئين أو من هربوا خلال العمليات العسكرية من المنتمين لتنظيم داعش، وهذا يتطلب تنسيقا مع الدول الاقليمية والأنتربول الدولي»، مبيناً أن هذا «يحتاج إلى عمل مؤسساتي وليس إلى تصريحات فقط ويكون القضاء هو الفيصل في حسم هذا الملف وإنصاف ذوي الضحايا».
وكان ناشطون عراقيون وعرب قد أطلقوا قبل أيام وسما على موقع تويتر باسم «وينهم» لمناشدة حكومة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي الكشف عن مصير المغيبين والمخفيين قسرا.
وقال الناشط محي الانصاري، لـ«القدس العربي» إن «وسم وينهم اكتسح مواقع التواصل الاجتماعي منذ الساعات الأولى لإطلاقه وعلى مدى يومين اثنين ليكون الأكثر تأثيرا في العراق اجتماعيا وسياسيا».
وتحدث عن نجاح ما قال إنهم «ناشطون وصحافيون معظمهم من المناطق المحررة في إطلاق هذه الحملة التضامنية لمطالبة الكاظمي بالكشف عن مصير آلاف المغيبين والمخفيين قسرا في سجون سرية خاضعة لإشراف الميليشيات».
الانصاري قال، إن «الميليشيات الموالية لإيران كانت قد اختطفت عشرات الآلاف من العراقيين من محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى وديالى إبان معارك تحرير تلك المحافظات من سيطرة تنظيم الدولة بين عامي 2014 و2017».
في السياق، بيّن المدون العراقي حازم المعموري، لـ «القدس العربي» أن «الغاية الأخرى من إطلاق الوسم هي توجيه رسالة إلى المجتمع الدولي للضغط على حكومة الكاظمي للبت في مصيرهم».
وحسب قوله «الجهات الخاطفة متعددة لكن أهمها الميليشيات وبعض فصائل الحشد الشعبي».
وأشار إلى «سجون سرية تابعة لبعض الفصائل والميليشيات دون أن نستطيع تحديد أماكنها إذ ينقل المختطف من سجن إلى آخر بشكل مستمر حسب ما يصلنا من معلومات». وقدّر أعداد المختطفين بين 12 إلى 17 ألف شخص، «لكنها تبقى مجرد تقديرات».
ناشط آخر، هو مصطفى سلمان، لفت لـ «القدس العربي إلى أن «مرحلة ما بعد 2014 شهدت تغييب آلاف المدنيين بدوافع طائفية وانتقامية، وهؤلاء لا يزال مصيرهم مجهولا حتى اليوم، على الرغم من بعض التقارير التي تتحدث عن وجودهم في سجون سرية بناحية جرف الصخر، بينما تتحدث تقارير أخرى عن تصفية معظمهم وهو ما يلزم الحكومة تشكيل لجان مستقلة غير تلك التي سبق أن شكلت من أجل الوصول الى الحقيقة وإنصاف ذويهم الذين يعيشون مأساة حقيقية»، حسب قوله.
أما الباحث مجاهد الطائي، فقال في حديثه لـ«القدس العربي» إن هناك «أبعادا طائفية مرتبطة بنزعة انتقامية وحشية تحملها ميليشيات الفصائل الولائية المرتبطة بإيران، مثل حزب الله العراقي وعصائب أهل الحق وسرايا الخراساني وسيد الشهداء وغيرها، لكنها ليست الوحيدة حيث أن باقي ميليشيات الحشد الشعبي قد ارتكبت جرائم قتل واخفاء لكن ليس بحجم الفصائل الولائية الأكثر تطرفا وعنفا».
ووفق قوله «لإيران مصلحة دائمة في عدم استقرار المجتمع السني وعدم استقرار العراق ككل، فهي تعتاش على إضعاف العراق وإدخاله في أزمات دائمة ومعقدة سواء أزمات إنسانية أو صحية أو أمنية أو اقتصادية، لذلك، كل ملف يؤدي لعدم الاستقرار إيران تؤيده وتدعمه وتوجه ميليشياتها للاستمرار فيه». كذلك، عدّ مدير «المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب»، عمر الفرحان، أن «دوافع طائفية أو انتقامية، وفي بعض الأحيان شخصية، تقف خلف استمرار تغيّيب آلاف المدنيين من محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين في سجون سرية تشرف عليها فصائل مسلحة».
وقال لـ «القدس العربي»: إن «معظم حالات التغييب تستخدمها بعض الميليشيات لأغراض الابتزاز المالي لذويهم».
ووجه انتقادا لموقف السياسيين من العرب السنة من قضية «المغيبين قسرا» واصفا إياه بالذي «لا يرقى إلى مستوى الإنسانية، ولا يرقى إلى العهد الذي قطعوه لأهلم وناسهم في الانتخابات، وقد عملوا على استغلال هذا الملف من أجل مصالحهم الشخصية ومنافع أحزابهم ليس إلا».
وساق مثالا لذلك تعامل بعض السياسيين مع حالة «اعتقال تعسفي قبل يومين في صلاح الدين على يد مليشيا سرايا السلام، حيث أبلغ ذوي المعتقل أحد نواب المحافظة فقال لهم أنتم لم تنتخبوني ولذا لا أستطيع مساعدتكم، واتصلوا بنائب آخر من محافظة نينوى فقال لهم أنتم من عشيرة وأنا من عشيرة ولا أستطيع مساعدتكم».
وبين أن «ملف المغيبين والمختطفين ملف شائك تشترك فيه جميع أطراف العملية السياسية، سواء بالفعل أو الصمت».
أضاف، أن «هناك مئات الآلاف من المغيبين والمعتقلين في سجون سرية وعلنية وما رصد من أرقام إلى هذه اللحظة لا يشمل جميع الضحايا»، حسب قوله.
ونقل عن اللجنة الدولية المعنية بالإخفاء القسري «أن العراق من أكبر عدد بلدان العالم من حيث المغيبين فقد وصل العدد ما بين (250 ألفا إلى مليون مغيب) حسب ما وثقوه من أهالي الضحايا من عام 2003 وإلى عام 2019».
ووثق مركز توثيق جرائم الحرب الذي يديره «أكثر من 10 آلاف حالة إخفاء في محافظة صلاح الدين، منها 5 آلاف لسكان من أطراف قضاء بلد، وأن هناك 200 معتقل من أبناء مدينة الاسحاقي التابعة للقضاء معتقلون منذ عام 2017، بينما هناك أكثر من 13 ألفا من المعتقلين والمغيبين من محافظة نينوى خلال الفترة نفسها لا يزال مصيرهم مجهولا».
أما في مدينة سامراء، «التي تخضع أمنيا لسيطرة ميليشيا سرايا السلام» وفق فرحان، «فقد وثق مركزنا 1085 حالة اعتقال وتغييب من بينهم أطفال من عشيرة البو سلو في منطقة الجلام التابعة لسامراء».
كما أن «لا يزال هناك «قرابة 900 مدني اعتقلتهم قوات بدر أثناء عمليات تحرير مدينة الصقلاوية، بينما لا يزال أكثر من 4 الاف شخص اعتقلتهم الميليشيات خلال عام 2014 في سيطرة الرزازة معظمهم من محافظة الأنبار».
وحسب الفرحان « الحكومة العراقية تتحدث عن 27 ألف معتقل، لكنها أرقام غير دقيقة، حيث غُيّب منذ غزو العراق إلى اليوم مئات الآلاف على يد القوات الأمريكية والقوات الأمنية والميليشيات لا يعرف مصير معظمهم حتى الآن».
وتتوزع أعداد المغيبين، المصدر «على السجون السرية الخاضعة لإشراف الميليشيات والتي يبلغ عددها العشرات منها ما كشفه مؤخرا مركزنا في تقاريره، سجن سري خلف جامع النداء وسط بغداد، وسجن سري في منشأة القعقاع في منطقة اللطيفية، وغيرها العشرات من السجون السرية المنتشرة في كافة مناطق العراق».