المخرج الفلسطيني نصري حجاج في «كتاب شام»: نصوص تتجاوز الأبوة إلى اختبار مشاعر كثيرة

سارة سليم
حجم الخط
0

أن تقرأ ثم تتخيل ما قرأته واقعا فهذا طبيعي، لكن أن تقرأ ثم تتخيل ذلك لأنه واقع فهذا المؤلم، فالأشياء الصادقة تؤلمنا أكثر لأننا ندرك في لا وعينا أن الكتابة عنها واستحضارها موجع جداً، إذ يصعب على المرء أن يفتح جراحه الواحدة تلو الأخرى ليعيد تشكيلها على شكل نصوص تميل للشعر كثيراً وللحياة أكثر، نصوص كتبها صاحبها وهو على فراش المرض، وربما في انتظار الموت، ذلك الزائر الذي يجعله يستحضر أكثر المشاهد رسوخا بحياته. مشاهد لم تغادره لحظة واحدة، فهي علّمت آثارا لن تنمحي بسهولة، ولا يمكن لأي شيء في الدنيا أن يزيلها مهما تصور أن بإمكانه فعل ذلك. لذا فالعودة بالحياة إلى الوراء كأنها شريط سينمائي لا يمكن أن تأتي هكذا اعتباطا مالم يجد سبيلا ليكون حلقة وصل بين ماضي حزين وذكريات مترامية الأطراف في ثلاثة أماكن: فلسطين الأصل، لبنان بلد والدة الكاتب ومنشأه، وسوريا الحب الذي أتى بشام للدنيا وكان لها هذا الكتاب. يقول:
«تسألُني شامُ:
هل أنا فلسطينيَّة
أم سوريَّة
أم لبنانيَّة
مثلما كانت جَدَّتي فاطمة؟
فأقولُ لها:
اِسْألي اسمَكِ
فأنتِ بلادُ الشَّامِ كلُّها،
رُوحُها وقلبُها المَنذُورُ
للحرِّيَّة
يا بابا».
إنه «كتاب شام» الذي صدر بعد عام من رحيل الكاتب والسنيمائي الفلسطيني نصري حجاج، وهو عبارة عن نصوص كتبها لابنته شام جمعت تلك النصوص بعد وفاته في هذا المؤلف، الذي تكفلت دار المتوسط بنشره حتى أنها وضعت صورة الغلاف رسمة ابنته شام له، وكأن كتابه هذا امتداد لحكايات سترافقها في رحلة حياتها. ولكن فيما يبدو أنها أيضا نصوص سيرة ذاتية كتبها انطلاقا مما حكاه لشام بداية من انتظار قدومها للدنيا إلى وفاته، يقول: «أنا وعبير نتوقع في خلال شهر كانون الأول/ ديسمبر طفلتنا التي نتمنى أن تأتي إلى هذا العالم خاليا من الطغاة والقتل والنزوح واللجوء والأُصولية والطائفية والسجون والأحقاد والكراهيةِ والفقد، ونتمنى أن نزرع دربها بالياسمين من هنا وهناك وهنالك إلى دمشق الحرة.»
إنه كتاب عن صدق مشاعر الأبوة، يقول: «كلما قالت شام إنّها تُريد الذهاب إلى الحديقة لتلعب، تخرج الشمس من أجلها».
لكنه أيضا كتاب حزين ذلك الحزن الصادق الذي لا يعرف كيف يكون ثرثارا، يقول:
«دائما تضحك شام
عندما أغني لها
من تأليفي وألحاني
أغان تنساها وأَنساها
بعد لحظة
لكنها تضحك بفمها الصَغير
وعينيها العميقتين
ولا تعرف أنّني بعد أن تنام
في آخر الليل
أجلسُ أمام التلفاز
أشاهد الأطفال المقتولين
في غزة وسوريا
وأبكي».
يرى كارلوس فوينتس أنه «‏في حال لم يجرِ نقل الألم إلى قصيدة أو لوحة، يستمر إلى الأبد صامتاً ووحيداً وداخل الجسد الذي يعاني». ولعلها عبارة صادقة تماماً، فحين نتحدث عن الألم الذي يرافق المبدع أيا كان نوعه جسديا، أو نفسيا، تستحضر الذاكرة في لحظة راهنة كل أشكاله، ليعيد الكاتب تمثيل ذلك الإحساس إبداعيّا، إذ لا أحد يمتلك المقدرة على الإبداع مثل الألم الخفي الذي يعيش داخله ولا يفارقه إلاّ عندما يتخفف منه حين يشاركه بالوسيلة التي يرتاح في التعبير بها، ليصبح مساحته المشتركة مع الغير وصوته الذي يحتاج أن يتقاسمه معهم.
ووحدها الكتابة سلاح ضد الموت والنسيان فهي رهان على الخلود، لذا برأيي كتب حجاج نصوصا قد تبدو متفرقة، لكنها متماسكة للحد الذي لا يمكن أن تقرأ نصا بمنأى عن الآخر، مع أن لا شيء في الظاهر قد يجمعها، وقد يبدو أيضا أنه كتبها لأجل ابنته شام، وفي الحقيقة كتبت لها ولأجلها، لكنها تتجاوز كونها نصوص محبة أب لابنته بل سيرة مؤلمة لذاكرة متورمة، كثفها في نصوص قليلة الكلمات كثيرة الرمزيات.
وأستعير من الشاعر الفلسطيني خالد سليمان الناصري تساؤله في كتابه «بلاد الثلاثاء»: أية ذاكرة متورمة، ومثقوبة ستكون لنا». فأي ذاكرة متورمة اختزلها نصري حجاج ليكتب ما سيظل يذكّر شام به، ويذكّر كل من قرأ هذا الكتاب بقضية اسمها فلسطين، وبمحنة اسمها سوريا، وببلاد الشام التي حملت شام اسمها، يقول:
«وهي نائمة، أتأمل وجه شام الوديع فأهمس لها:
أنت صغيرة وهشة يا حبيبتي كي تكوني نصف فلسطينية نصف سورية.
يا لشقاء هويتيك النازفتين في عالم متوحش
يا بابا.»
فهو يربط أي شيء يريد أن يتحدث عنه بابنته شام، فوحدها جعلت ذاكرته تنفتح على الماضي بكل ما فيه من منفى، ولجوء، وكأن إدراك السعادة عنده يكون بالتخفف من ثقل الألم، يقول: «سأُسَمِّيك تفاحة هكذا.. ثمرة واحدة فقط/ أشاعت الفوضى في الكتب المقدسة/ وعلّمت الإنسان/ أبجدية المنفى.»
وكأنه يراها جزءا من تلك البلاد البعيدة التي حملت اسمها، وحملها هو داخله في أبسط التفاصيل الصغيرة، فهو حين يرى شام تقوم بشيء يذكره ببلاده، كأن تأكل الملوخية مثلا، يشعر بسعادة من استعاد وطنه وقد عبر عن ذلك بقوله: «ماذا يريد أب فلسطيني في الوطن أَو الشّتات من أطفاله أَكثر من هذا؟! في صحن الملوخيّة تكتمل الهوية».
ترى الشاعرة والكاتبة الأمريكية الحاصلة على نوبل لويز غليك أن «ثمّة دائما ما يمكن صنعهُ من الألم»، وما صنعه حجاج من الألم هو أنه تمنى عالما خاليا من الحروب وكل ما يجعل الإنسان يفقد إنسانيته. فحين يتحدث عن المخيم انطلاقا من سؤال شام له عن معناه، فإنه لا يشرح لها الكلمة كما ينبغي لطفلة في سنها أن تستوعب ما يعنيه، بل يفكر في ما ستستوعبه حين تكبر و تعيد طرح السؤال على نفسها، لأنه يعرف أنه لن يكون موجودا ذلك الوقت ليجيب على تساؤلاتها، يقول: «تسألني شام: ما هو المخيم، يا أبي / فأقول لها / المخيم وطن أحياناً/ حين يكون المنفى/ جرح الروح / وأحياناً أخرى/ ظل هوية/ هش/ وتائه في الزمان/ وفي المكان / وينتظر غودو الذي لا يأتي/ یا بابا».
والتجربة التي يحكيها في نصوصه هذه تتجاوز كونها تجربة شخصية عن مشاعر الأبوة في أصدق لحظاتها الإنسانية، بل تتعداها إلى اختبار مشاعر كثيرة تعيش داخله ولا سبيل لإخراجها إلاّ عندما يسردها على ابنته شام، فهو بذلك يلمس حقيقة الأشياء، فأحيانا ما نعتقد أنه قمة العجز الإنساني يصبح مع الوقت شيئا نطمح إليه، خاصة عندما نختبر مشاعر أخرى مفرطة في السوء، تنمو وتزدهر في بيئة المنفى. يقول:
«تعالي، يا ابنتي تعالي
لأحكي لك عن الجزمة المطاط السوداء
رفيقة طفولتي في وحل المخيم. الجزمة الأرخص والأجمل
لم تكن جزمة فقط
كانت معلمتي الصادقة، منها تعلمت المشي في وحول العالم المتحضر.»
المفارقة في كتابات حجاج أنها تحمل وجع من يفقد وطنه، ويهجر بعيدا عنه، وتحمل أيضا بصمة وجع جسدي سببه المرض الذي نال منه، ولم يترك له فرصة إتمام ما تركه معلقا، كروايته الوحيدة التي بقيت يتيمة بفصل واحد، وكأنها تنتظر معجزة ما لتكتمل، لربما يحدث ذلك عندما تتحقق أحلامه وتعود الأوطان لأصحابها.
فبقدر ما ترصد كتاباته الألم، إلاّ أنها تبحث عن الأمل، الأمل الذي لم يفقده في أكثر لحظاته وجعا، يقول: «كنت عندما يشتد وجعي، أستنجد بالخبيرة والعكوب والملوخية، وأحلم بفراش مغطى بوريقات زعتر وميرمية، وكنت أسمح لوحول المخيم أن تزورني؛ لأصنع منها دمى، أتركها تجف، لتلعب بها، شام وأنا، وتعطي لكل دمية اسما نختاره من أحلامنا معا. هذا هو العلاج الذي تفوّقتُ معه على الكيماوي. المعنويات؟ ما المعنويات؟».
تسأل شام والدها عن صدى صوتها فيشرح لها باللغة العربية معناه ويعلمها كيف تنطق الكلمة، لكنه حين يسألها هل تفضل الصوت أم الصدى، تجيب:
«أنا أحب الصوت
شام تحب أن تكون صوتا
وليس صدى يا بابا».
وها هي أصبحت صوت نصري حجاج وصداه من خلال كتابها هذا.
في الكتاب قصيدة بعنوان: «إلى شام ومحمود درويش وباسل شحادة وإلينا جميعا»، وكأنه يقول إن الكتابة ليست فقط تجسيدا لهشاشة الإنسان حين يقترب من الموت، بل الكتابة بالنسبة له في لحظات مرضه مقايضة للذكريات بنصوص خالدة تبدأ من الماضي لتتوغل في الحاضر لكنها تعد بالمستقبل، ما يحيلني إلى عبارة ذكرت في قصيدة لمحمود درويش يقول فيها:
«هزمتك يا موت الفنون جميعها».
نصري حجاج: «كتاب شام»
منشورات المتوسط، ميلانو 2022
136 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية