بدوا كما لو أنهم ملكيون أكثر من الملك، وفرنسيون أكثر من فرانسوا ميتران، وماكرونيون أكثر من حرم أيمانويل ماكرون، مع ما يمثله لها من كونه “آخر بختها” ومكافأة نهاية الخدمة في الحياة الدنيا!
كان هذا يوم السبت الماضي، وهو اليوم الذي تجددت فيه مظاهرات الُستر الصفراء، ومعلوم أنها ترعب القوم في القاهرة، أكثر مما تخيف أهل الحكم في قصر الإليزيه، فالجماعة في مصر يعتبرون كل صيحة عليهم، وكل مظاهرة تخرج للشارع ولو في بلاد “الواق واق”، وكأنها خرجت على عبد الفتاح السيسي نفسه، ولهذا تم تجريم “السُتر الصفراء” في مصر، ومداهمة المحلات التي تتاجر فيها، وجرى القبض على محام لحيازته “سُترة صفراء”، والتي دخلت على “الجدول”، ويُقصد به “جدول المخدرات” الذي يشمل الأدوية التي تحتوي على مخدر، ويُحظر على الصيدليات بيعها إلا بتذكرة طبيب، وما عدا هذا مسموح بالتداول، على غير ما يجري في بلاد الفرنجة؛ فكل الدواء يُصرف بتذكرة طبيب، لذا وجب التنويه!
المحامي اسمه “محمد رمضان”، وهو من محافظة الاسكندرية، وقد داهمت قوات الأمن منزله، وقبضت عليه وفي حيازته “السُترة”، وقد سهل من مهمة القوات الباسلة، أن المحامي كان قد نشر صورته على “الفيسبوك” يرتديها، فكانت صيحة قوات الأمن: هي الحرب، وتم الإعلان أنه بمداهمة منزل المجرم تم العثور على “سُترة صفراء” فاقع لونها، ودائماً يكون الإعلان بعد القبض على المتهمين في المداهمات الأمنية، أنه في حيازته أسلحة غير مرخصة، أو مفرقعات، لكنها المرة الأولى التي تعتبر “السُترة الصفراء” هدفاً، وحيازتها جريمة، وهذا ما يفسر تعامل الأذرع الإعلامية للانقلاب العسكري في مصر مع الحدث الفرنسي، كما لو كانوا فرنسيين أكثر من فرانسوا ميتران، أو فرانسوا بورجا، أو فرانسوا باسيلي، أو أي حامل للاسم “فرانسوا”، والأول رئيس فرنسي راحل، والثاني باحث فرنسي في الحركات الاسلامية، كنت التقيته في القاهرة في بداية التسعينات وأهداني كتابه “صوت من الجنوب”، وقد سألت نفسي أين ذهب الفتى، قبل أن آراه بعد أيام من تذكره، عجوزاً على شاشة قناة “الجزيرة”، في برنامج المرموق محمد كريشان: “سيناريوهات”!
أما الثالث، فهو مصري من شبرا، وهو نجل القس وعضو البرلمان المصري “بولس باسيلي”، قدس الله سره، والذي لم يأخذ من فرنسا سوى اسمه “فرانسوا” وعندما قرر الهجرة هاجر إلى واشنطن، وليس إلى باريس، ومع هذا فإن عمرو أديب، وأحمد موسى ووائل الإبراشي يتصرفون كما لو كانوا هم “فرانسوا”، فكلما خرجت المظاهرات في باريس، واشتكى منها ماكرون، تداعت له الأعضاء في القاهرة بالسهر والحمى!
ولاحظ هنا أن القنوات المصرية لم تغط هذه المظاهرات، فحتى عندما بدأت قناة “فرانس 24” تهتم بها نسيبا، فإن الاعلام المصري لأنه ماكروني أكثر من السيدة “بريجيب ترونيو ماكرون”، حرم الرئيس الفرنسي، فإنه يتجاهلها حتى إذا جن الليل، انطلق مذيعو الغبراء هجوماً عليها، وتحذير المصريين من أن يكونوا كالفرنسيين يخربون بيوتهم بأيديهم، مع التركيز على عمليات السرقة والنهب للمتاجر، واظهار صورة البوليس وهو يعتدي على المتظاهرين، لإثبات أن هذا يحدث في “أحسن العائلات” وأعرق الدول الديمقراطية، فلماذا يلومون على الأمن المصري إذا قتل وحرق الجثث؟!
كلام دراويش
في يوم السبت الماضي، كان المدد من قناة “روسيا اليوم”، وهي قناة روسية، أطلقت ضمن اتجاه بعض الدول غير العربية لاطلاق قنوات باللغة العربية لمخاطبة العالم العربي، بعد النجاح الذي حققته “الجزيرة”، فأطلق الأمريكان “الحرة”، وأطلق الألمان “دي دبليو”، وأطلق الفرنسيون “فرانس 24″، وأطلق البريطانيون تلفزيون “بي بي سي” باللغة العربية، وأطلق الانقلابيون “دي أم سي” وهي كلها قنوات فشلت، لتشعرك أن “الجزيرة” دفن فيها أحد أولياء الله الصالحين، ولا أريد أن أخذكم في سكة “المدد”، وكرامة الأولياء، وحديث المتصوفة، حيث أن من ذاق عرف، ومن عرف وصل، ومن وصل اتصل، ومن اتصل يبدو أنه مدفون هناك، فكل من جاء عليها لم يكسب، وكل من حاول منافستها فشل، وكل من تركها أصابته اللعنة.
لا عليك من كلام الدراويش هذا، فأنا “درويش متقاعد”، فحتى البرنامج الوحيد الذي فيه الرمق في القناة الألمانية، والذي كان يقدمه “يسري فودة” أوقفوه، وقد ظللت ردحا من الزمن أنادي في البراري: أين جمانة نمور؟! فكنت “أنده ويرد الصدى”، بحسب أغنية الرائعين المتقاعدين أيضاً “وائل كافوري” و”نوال الزغبي”، اللذين انفصلا فنياً فماتا سوياً. بل أين غسان بن جدو، الذي صار يملك قناة من بابها “الميادين”، لكنه كان في برنامجه الاسبوعي في “الجزيرة” أكثر حضوراً.
كل القنوات سالفة الذكر، حققت نجاحا نسبيا في بدايتها، ولو بحرص الناس على مشاهدتها لعلهم يجدون على النار هدى، إلا “روسيا اليوم”، فقد ولدت يا الهي ميتة، وتذكرت الآن أنني لا أعرف حتى مراسليها من القاهرة، رغم ما يطلقه الزملاء علي من أنني شيخ الحارة الإعلامية في مصر!
ما علينا، فيوم السبت الماضي، بثت قناة “روسيا اليوم” عبر موقعها فيديو يعرض “لقطة اليوم” من المظاهرات الفرنسية، ولا أدري إن كان البث تم عبر شاشتها أم لا؟! الفيديو لمن قيل إنها جندية فرنسية، كانت الفتاة قوية البنيان، ممتلئة الجسم، مما يصدق القول فيها بأنها “جندية فرنسية”، فليس فيها من “العود الفرنساوي” الشهير شيئاً، وهذا “العود” اختفى بالتركيز في المشاركات في المظاهرات، حتى بدا أنه وهم سربه الفرنسيون لنا، لمجابهة الذوق العربي، الذي كان يرى جمال المرأة بمواصفات الناقة، ومن الواضح أن “التيك أوي” الأمريكي غزا بلد الجن والملائكة، فصار الأمر كما رأينا في المظاهرات.. نساء من زمن “السمنة البلدي”!
ترجمة “روسيا اليوم” لهذا النحيب، أن الجندية الفرنسية تبكي بحرقة، وتقول للمتظاهرين “اقتلوني ولا تحرقوا فرنسا كما حرق العرب بلادهم”، ولأنها حالة تحتمل الفهلوة العربية المشهورة، فقد قرأت لأحد المعلقين قوله، إنه يجيد اللغة الفرنسية جيداً، وأن ترجمة “روسيا اليوم” مغلوطة، فهذه جندية التحقت بحركة الجماهير، وأنها توجه رسالتها لزملائها الجنود. وكان واضحاً أن علاقته بالفرنسية هي نفسها علاقتي بها، وحدود معرفتي بها لا تخرج عن “جيم آبل.. تيتى آبل”، وطبعا “بونسوار مزمازيل”. لغة شيك فعلا لكن مشكلتها أن الحروف تؤكل داخل الفم، فلا تغادر عتبته، ولكنه تخرج من الأنف فيصعب تعلمها، فضلا عن أنه لا يجوز فيها “التشكيل” وقد كان المدرسون قديما يدرسون لنا الانكليزية مشكلة وبذات حروف القلقة، لكن لا بأس!
من أجل فرنسا
صاحبنا المعلق ترجم الحركات، فألا وأن الفتاة الفرنسية ترتدي زيا قريباً من زي الجندية، وقد خلعت سترتها، فهي لا بد أنها جندية التحقت بحركة الجماهير: “دار دار زنقة زنقة”!
لنكتشف في الأخير أن كلا الترجمتين خطأ، سواء الخاصة بالموقع المسؤول، أو المعلق المجهول، فهي متظاهرة فرنسية، وتوجه حديثها لرجال الأمن، فالمتظاهرون ليسوا مسلحين، وهم إخوتكم وأخواتكم. وتطلب منهم أن يكونوا معهم.. وأن يصرخوا معهم، وتخاطب عواطفهم لماذا تفعلوا بنا ذلك، أليس لكم أطفال؟! كونوا معنا من أجل فرنسا!
وبعد دقائق من بث “روسيا اليوم” لهذا الفيديو، بترجمته الجريمة، انتشر انتشار النار في الهشيم، فهل تمت المسألة بسلامة نية وحسن طوية؟ وهل من قام بالترجمة لديه دراية باللغة الفرنسية؟ والسؤال الأهم هل الترجمة تمت في مكتب القاهرة، أم في مكتب القناة في “موسكو”، بصوت أكرم خزام؟!
وإذا كان مثلي يستبعد أن يقدم على الترجمة المغلوطة، من ليس له علاقة بالفرنسية وفي قناة مسؤولة، فإن السؤال تكمن أهمية الاجابة عليه، في معرفة إن كان الفزع من المظاهرات قد وصل إلى بوتين في قصره؟ أم أن القناة نفسها وبتوجيه رئاسي قررت أن تقدم خدمة للحاكم العسكري في مصر؟!
لقد كتبت على صفحتي على “الفيسبوك” أن ترجمة “روسيا اليوم” فضيحة، ولم تكد تمر سوى دقائق على هذا التعليق الذي اصطحبه المنشور في “روسيا اليوم”، حتى تم تصويب الترجمة، وبدون الاعتذار عن ما سبق، وقد نشر في مواقع كثيرة نقلا عن القناة الروسية، التي تخلصت منه بعد ذلك، ولما كان هذا تم بعد منتصف اليوم، إلا أن اللافت هو احتفاء الأذرع الإعلامية به، وبعد أكثر من ثماني ساعات على هذا التصويب، وبدا الأمر أنه متفق عليه، فالصورة بالترجمة الخطأ أذيعت في أربعة برامج، وهو ما أمكن رصده في تقرير بثته “الجزيرة مباشر”، وقد قام أحدهم وهو “عمرو أديب” بالإجادة، فالست تلطم، وتقول نحن نصلي مع بعض، حرام عليكم، أنتم ليه بتولعوا في البلد، تعالوا واقتلونا ولا تخربوا البلد.
عندما أطلعت على توجيه أمني بما يتم الاهتمام به من فيديوهات لقنوات خارجية في سياق الهجوم على الاخوان (تقرير للقناة الألمانية)، والهجوم على أردوغان في فيديوهات لأحدى القنوات التركية، عدت لأسال هل “روسيا اليوم” ضالعة في هذا الفيلم أم أنه حسن النية؟ وقد ورد في الأثر أن الطريق إلى حهنم مفروش بالنوايا الحسنة، لاحظ عبارة “لا تخربوا فرنسا كما خرب العرب بلادهم”، ولا تنسى أن تقول يا سبحان الله، فالجنرال في مصر يتبنى فكرة أن المظاهرات تهد البلد، وأن ثورة يناير هي المسؤولة عن كل الانهيارات الحاصلة في مصر على يديه!
لن تسقط فرنسا، لسبب بسيط وهو أن الجيس الفرنسي ليس على الخط ووزير الدفاع لم يعط مهلة للقوى السياسية، ويقول للشعب الفرنسي “أنتم متعرفوش أنكم نور عينيا”، ولا تزال البلاد في سعة من أمرها، ما دام القادة العسكريون خارج ملعب السياسة.
لقد رضخ أهل الحكم في فرنسا أمام المظاهرات، وهذا ما زاد الجنرال وإعلامه رعبا على رعبه، فهو خائف من أي خروج جماهيري ولو في الصين، لأن الثورات تنتقل بالعدوى!
لا يُغني حذر من قدر!
صحافي من مصر