استمرار ملاحقة الصحافيين وتكميم الأفواه في العراق: أكثر من 300 انتهاك خلال عام

مشرق ريسان
حجم الخط
1

بغداد ـ «القدس العربي»: وثّقت منظمات حقوقية معنية بالدفاع عن حرية الصحافة وحقوق الصحافيين في العراق، استمرار الانتهاكات والملاحقات القضائية والأمنية التي تطال الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام في هذا البلد، تزامناً مع اليوم العالمي لحرية الصحافة، مسجّلة أكثر من 300 انتهاك طالتهم خلال عامٍ واحدٍ فقط.
وقال مركز «النخيل» للحقوق والحريات الصحافية، في بيان أمس الأربعاء، : «يحتفل العالم في (3 أيار/ مايو) في اليوم العالمي لحرية الصحافة، والتي تمر ثلاثة عقود كاملة على إقرار هذا اليوم من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي مناسبة مهمة للتأكيد على حرية الصحافة وحمايتها ومنع المساس بها».

مخاوف وقلق

وأوضح أن «حرية الصحافة في العراق، مرت طيلة عقدين بتحديات ومطبات عديدة ومحاولات مستمرة من أجل تطويع النصوص القانونية والتشريعية في التضييق على الصحافة وحرية التعبير، ولعل أبرزها ما طرح ويُطرح بشأن قانون جرائم المعلوماتية وقانون حرية التعبير، وهما مشروعان غامضان يثيران المخاوف والقلق لدى الأوساط الصحافية والإعلامية وعموم الجمهور بشكل عام، فضلا عن تزايد الدعاوى القضائية خلال الأشهر القليلة الماضية».
وأضاف: «ما يؤسف له أن العراق يحتفل بهذه الذكرى وسط جملة جديدة من التحديات وتكميم الأفواه بطرق وأساليب مختلفة ومنها عودة (التحشيد الطائفي والمناطقي) ضد مؤسسات إعلامية، واستخدام أسلوب الترهيب واستهداف الصحافيين بحملات تحريضية وتسقيطية، فيما تكتفي الجهات المعنية بالتفرج بل وتساند تلك الدعوات في بعض الأحيان للاسف الشديد ونادرا ما تكون لها مواقف خجولة ولا تتناسب مع الحدث، وهذا يضاعف من محنة الإعلام والإعلاميين وحتى الفنانين والناشطين في العراق».
ودعا «لإنهاء حملات ملاحقة الصحافيين والناشطين والتي دفعت الكثير منهم إلى ترك محل سكناهم والهجرة إلى خارج البلد أو إقليم كردستان العراق، الذي يشهد هو الآخر تراجعا كبيرا في مستوى الحريات الصحافية وتزايد اعتقالات وسجن الصحافيين».

«لم نر تقدما»

وذكر أن «اليوم العالمي لحرية الصحافة، هي مناسبة مهمة لتذكير رئيس مجلس الوزراء بما قطعه على نفسه في البرنامج الحكومي وفي أكثر مناسبة وتصريح، بحماية حرية الإعلام والتحقيق بملابسات قتل المتظاهرين والناشطين والصحافيين إبان تظاهرات تشرين وإعلانها للرأي العام، ورغم مرور ستة أشهر على تشكيل الحكومة لم نر أي تقدم يذكر في هذا الملف، في وقت تتضارب أنباء حول مصير المتهم الأبرز باغتيال الشهيد هشام الهاشمي (الخبير الأمني البارز)، مما يجعل الحكومة على المحك في تنفيذ ما جاء في برنامجها الحكومي».

دور القضاء

وأشاد المركز في بيانه بـ»دور القضاء العراقي الذي انتصر للصحافيين والإعلاميين (افرادا ومؤسسات) في أكثر من قضية ودعوى، وأصدر تعليمات مشددة بشأن عمليات اعتقال الصحافيين في سابقة تحسب للمؤسسة القضائية العراقية الرائدة، وهو ما جعل العراق البلد الوحيد في المنطقة الذي ليس لديه سجين صحافي».
أما «جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق»، فأشارت في تقرير مطوّل أصدرته أمس، إلى أن «مسلسل الانتهاكات والخروقات الدستورية تجاه حرية التعبير والعاملين في مجال الصحافة والاعلام، مستمر، ويشهد تدهوراً ملحوظاً من خلال ما سجلناه كجمعية الدفاع عن حرية الصحافة حيث رصدنا خلال الفترة (3/5/2022 – 2/5/2023) التي يغطيها هذا التقرير 345 حالة انتهاك».
وأضافت في بيانها أنه «يعاني الصحافيين/ات العراقيين/ات من مضايقات مستمرة وعدم اصغاء الحكومة لمعوقات العمل الصحافي، وكذلك عدم اتخاذها أي إجراءات تسهم ولو قليلا في الحد من هذه الانتهاكات، التي باتت جزءا من حياة الصحافيين/ات، متناسين بذلك المعاهدات والمواثيق الدولية التي تلزم البلاد بالحفاظ على حرية التعبير وحرية الصحافة التي تعد واحدة من أوجه حرية التعبير».
وكان رئيس الحكومة الحالية، أكد خلال استعراض برنامجه الحكومي، على «إيلاء حرية الصحافة أولوية، والتعهد بالنهوض بواقع الصحافة التي تعاني من فقدان الصحافة المستقلة، وطمس حرية العمل الصحافي بوصفها إحدى الحقوق الدستورية الصريحة، فضلا عن استمرار التهديد والوعيد الذي تتلقاه وسائل الإعلام العاملة في العراق، إضافة إلى اشتراك جهات حكومية في التضييق على حرية العمل الصحافي».
وخلال الفترة التي يغطيها التقرير، صنفت الجمعية حالات الانتهاك التي طالت الصحافيين/ات، بـ(اعتقال واحتجاز، تهديد بالقتل والتصفية الجسدية، هجمات مسلحة طالت صحافيين ومؤسسات إعلامية، إصابات، اعتداء بالضرب ومنع وعرقلة التغطية، رفع دعاوى قضائية، تقييد بكتب رسمية).
وتحدث التقرير عن «ارتفاع مخيف في حالات الاعتداء بالضرب ومنع وعرقلة التغطية من قبل الجهات الأمنية والحمايات الخاصة والشركات الأمنية، الذي اصبح يسجل يوميا، ولم تخل محافظة من عملية منع التغطية او الاعتداء بالضرب، حيث سجلت 205 حالات، يقابلها (66) حالة اعتقال واحتجاز لصحافيين/ات، و(26) حالة تقييد حكومي لحرية العمل الصحافي، و(21) حالة اقتحام مسلح طال مؤسسات إعلامية ومنازل صحافيين، فيما سُجلت (14) دعوى قضائية ضد الصحافيين والمؤسسات الإعلامية، فضلا عن إصابة (11) صحافيا، وتهديد اثنين اخرين».
وتبيّن الإحصائيات وفق المحافظات، عدم خلو أي محافظة من تسجيل انتهاكات بحق الصحافيين/ ات والمؤسسات الإعلامية، حيث جاءت بغداد بالمرتبة الأولى بأكثر المدن تسجيلا للانتهاكات بواقع (85) حالة، وأربيل ثانيا بتسجيل (74) حالة، تليها كركوك (30) حالة، والسليمانية (29)، والبصرة (27)، ودهوك (20)، الموصل (18)، والنجف (17)، وكربلاء (17)، وذي قار (8)، والانبار (6)، و(4) حالات في كل من بابل وديالى وميسان، وثلاث حالات سجلتها محافظة الديوانية، مقابل حالتين في المثنى، وحالة واحدة في كل من صلاح الدين و واسط.
وعدّت الجمعية الحقوقية هذه الانتهاكات أنها «تبيّن مدى تراجع مستوى حرية الصحافة في البلاد، حيث لم تخل أي مدينة من تسجيل الانتهاكات والمخالفات ضد الصحافيين دون مسوغ قانوني، كما يفسر الرصد هذا أن المدن الحيوية في البلاد (بغداد، أربيل، كركوك، البصرة) في تراجع مستمر، ويمكن تعليل ذلك بتأثر هذه المدن بالأوضاع والمتغيرات السياسية».

أمر أساسي

إلى ذلك، أكدت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق «يونامي»، أن حرية التعبير «أمر أساسي» لعمل جميع المجتمعات الديمقراطية.
وذكر بيان للبعثة أن «الاحتفال هذا العام باليوم العالمي لحرية الصحافة تحت شعار (بناء مستقبل قوامه الحقوق: حرية الصحافة محور حقوق الإنسان)».
وأضاف، أن «حرية التعبير أمر أساسي لعمل جميع المجتمعات الديمقراطية، وتعمل وسائل الإعلام الحرة والمستقلة على تعزيز التبادل الصحي للأفكار والآراء. فهي لا تزيد الشفافية فحسب، بل هي أيضاً أداة مهمة لإعلام السلطات والقادة عندما لا يكون لسياساتهم التأثير المقصود، من أجل تمكين المؤسسات من التكيف، وبالتالي الإزدهار».
وأوضح أن «الأمم المتحدة في جميع أنحاء البلاد تواصل توثيق حالات المضايقة والترهيب الجارية، وكذلك حالات الانتقام التي تتم سواء بالوسائل القانونية أو بالعنف ضد أولئك الذين يمارسون حقهم في حرية التعبير».
وشددت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، جينين هينيس-بلاسخارت، وفقا للبيان، على أن «إسكات الخطاب العام أو عرقلته أو إبعاده أو تقويضه يحقق أمرين فقط: تشويه صورة الدولة؛ وتقويض ثقة الجمهور»، لافتة إلى أن «ذلك يؤدي إلى إحداث تأثير مضاعف، مما يعيق إجراء حوار مفتوح وعام».
وشددت على ضرورة «ضمان أن يتمكن أي شخص من التعبير عن نفسه بحرية ودون خوف من الانتقام، وهذا يشمل ضمان أن الإطار القانوني يحمي الكلام بدلاً من تقييده دون مبرر، وحينما تستخدم القوانين للإسكات، توضع حرية التعبير تحت تهديد خطير، مما يقوض إحدى اللبنات الأساسية في بناء مجتمع ديمقراطي»، مؤكدة أن «الأمم المتحدة ما تزال ملتزمة بدعم العراقيين في الدفاع عن حرية التعبير وغيرها من الحقوق الأساسية».
لكن في مقابل ذلك، أكد نقيب الصحافيين العراقيين مؤيد اللامي، أن «لا يوجد» في العراق سجين بقضية حرية رأي أو نشر.
وقال: «نتضامن بهذا اليوم مع جميع الدول لإيقاف الانتهاكات ضد الصحافيين».
وأضاف، أن «العراق ساهم بإطلاق سراح العديد من الصحافيين الذين اعتقلوا تعسفا حول العالم»، مبينا أن «العراق لا يوجد به سجين على قضية رأي او نشر».
وتابع: «نعمل مع الحكومة لدعم الصحافة وحرية التعبير»، مشيرا إلى أن «الصحافة مشاركة ومساهمة في الجانب الخدمي والصحي وغيرها».
وأردف: «نحن مقبلون للاحتفال بيوم الصحافة العراقي بذكراه 154»، لافتا الى أن «الاحتفال بهذا العام سيكون مميزا لأن العراق قدم 500 صحافي شهيد».
وكما في كل عام، يتزاحم المسؤولون العراقيون في إصدار بيانات الدعم للصحافيين وإطلاق التعهدات بحمايتهم والحفاظ على استقلالية عملهم.

«أفضل شريك»

ورأى رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، إن الصحافة المهنية «أفضل شريك» لنا في تأدية ما علينا من استحقاقات وطنية.
وأضاف في «تدوينة» له، «تحية لجميع الصحافيين والإعلاميين، الذين يخدمون الحقيقة في اليوم العالمي لحرية الصحافة. نجدد التزامنا بحماية الحريات الصحافية، على وفق مبادئ القانون والدستور؛ لأنها عماد الديمقراطية الراسخة وجدارها الحصين»، مجدداً تأكيده أن «الصحافة المهنية أفضل شريك لنا في تأدية ما علينا من استحقاقات وطنية خدمةً لشعبنا الكريم».
كذلك، عد رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، الصحافة الحرة «المعبر» عن هموم الوطن والمواطن، فيما أكد أنها سند القضاء في رصد المخالفات القانونية ومحاسبة مرتكبيها.
وقال في بيان صحافي: «بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، يهنئ مجلس القضاء الأعلى العاملين في هذا المجال مؤسسات وأفرادا». وأضاف: «نؤكد احترامنا وتقديرنا للصحافة الحرة التي كانت وما زالت هي المعبر عن هموم الوطن والمواطن»، مؤكداً أن «الصحافة هي العدسة الصادقة التي تنقل صورة الحقيقة وسند القضاء في رصد المخالفات القانونية ومحاسبة مرتكبيها».
أما رئيس الجمهورية، عبد اللطيف جمال رشيد، فدعا إلى أهمية توفير الاجواء الملائمة لـ»فكر إعلامي حرّ».
وذكر في بيان صحافي أمس، أنه «في هذه المناسبة، نعيد التذكير بضرورة توفير الأجواء الملائمة لفكر إعلامي حر ومسؤول من أجل الوصول إلى الأهداف السامية في حل المشاكل التي تعاني منها مجتمعاتنا، وهذا يتطلب تضافر الجهود البنّاءة لخلق مناخات ثقافية وإعلامية تشخص السلبيات وتعطي الحلول وتتبنى بحيادية الإيجابيات».
وأشار إلى أن «منح الحرية المسؤولة لطرح الآراء والأفكار للصحافيين وممارسة دورهم دون قيد أو رقيب يعكس الالتزام المبدئي بأسس الديمقراطية التي قدم من أجلها الصحافيون تضحيات سخية على مر السنوات، ويجب الحد من تأثير الإعلام السلبي على نهج مجتمعاتنا وفي نقل الوقائع والأحداث، وضرورة الالتزام بالمهنية والموضوعية، كما ندعو إلى إقرار القوانين التي توفر الحماية للصحافيين والإعلاميين من الضغوطات التي يتعرضون لها والوقوف إلى جانبهم في تأدية دورهم المعطاء في بناء المجتمع وتقدمه وازدهاره».
وحيّا «شهداء الصحافة الذين قدموا التضحيات والمواقف الشجاعة في نقل الحقيقة والكلمة الصادقة ومواجهة الإرهاب والظلم والاستبداد والعبودية، متمنين لجميع الإعلاميين الاستمرار في نهجهم الوطني في ترسيخ دور الإعلام وتعزيز التكاتف والأواصر والتلاحم بين أبناء شعبنا الواحد».
في السياق أيضاً، أكد رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي دعمه لحرية الصحافة واستقلاليتها.
وقال في «تغريدة» على «تويتر» بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة: «نقدِّر عالياً الصحافيين في بلادنا والذين يعملون بإخلاص لتوفير المعلومات والأخبار الموثوقة، ونستذكر التضحيات التي قدَّموها لأجل الحقيقة، ندعم حرية الصحافة واستقلاليتها؛ لأنها حق أساس ومهم في إرساء أسس الديمقراطية».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية