المصري عزمي عبد الوهاب في «الساحر وقبعة القش»: عن الشاعر فتحي عبد الله ناقداً وحداثياً يسارياً

صابر رشدي
حجم الخط
0

في واحدة من اللفتات الإنسانية النادرة، والتي كادت تخلو منها الساحة الأدبية مؤخرا، تقدم الشاعر والكاتب الصحافي عزمي عبد الوهاب، متحملا وحده عبء البحث والتنقيب عن أعمال شاعر وناقد آخر من أترابه، وهو الراحل فتحي عبد الله، الذي كان ملء السمع والأبصار، صديق المثقفين العرب والمصريين، وواحدا من أكثر الشخصيات المؤثرة في جيلنا، أدبيا وإنسانيا، بشخصيته ذات الحضور الطاغي، والزخم المعرفي العميق.
عزمي عبد الوهاب يحتاج الكتابة عنه كشاعر له العديد من المجموعات الشعرية الجيدة في تيار قصيدة النثر. ولكني هنا أكتب عنه كإنسان، أثمن صنيعه، وأقدره، فهو يستحق التحية على هذه المبادرة الكريمة، التي أنقذت ما تناثر من دراسات ومقالات نقدية مهمة لفتحي عبد الله من بطون الجرائد والمجلات السيارة. لقد فعلها على نحو صبور، ودؤوب، كان من المفترض أن تقوم به مؤسسة ثقافية، أو إحدى الجهات الرسمية. يكفي أن نعرف أن فتحي عبد الله قد توفي في السابع عشر من شباط (فبراير) 2021، وأن هذا الكتاب قد صدر بعد وفاته بعام واحد فقط 2022.
الشيء المؤكد، والذي يعرفه الكثيرون من المقربين من فتحي، أنه لو كان حيا بيننا، ما كان ليفعلها، فالعمل على جمع هذه المواد والدفع بها إلى المطبعة يبدو عملا مستحيلا بالنسبة له، فهو ليس من المثابرين، أصحاب الهمم، والنشاط الحماسي المتوقد. إنه أحد كبار الكسالى، مزاجي، لامبالٍ، يقترب كثيرا من اعتناق العدمية كنمط حياة، متعته الحقيقية قراءة الكتب، وتدخين الأركيلة حتى الرمق الأخير، والحديث الساحر الذي لا يباريه فيه أحد، حيث ينتمي إلى طبقة كبار الحكائين الذين لا يشق لهم غبار.
شخصية درامية تحمل مواهب كبرى، ومفارقات، وتناقضات، وخزينة أسرار تثري الكتابة عنه. خريج واحدة من أكبر قلاع اللغة والشريعة والفكر المحافظ في الشرق، وهي كلية «دار العلوم»، يتحول بعدها إلى شاعر حداثي، منحاز بقوة إلى قصيدة النثر، منطلقا فور تخرجه إلى اعتناق أفكار اليسار. تروتسكيّ، لا يعرف المهادنة، واعيا بثوريته التي جعلته ينضم إلى خلية سرية، حتى تم اعتقاله. على يسار السلطة دائما، على يسار المؤسسة الثقافية التي كان يعمل بها وحرمته من كل شيء، على يسار اليسار ذاته، الذي قد يلامس اليمين أحيانا. مثقف من الوزن الثقيل، تتناثر من فمه الكلمات والموضوعات الشائقة، التي تحوي خلاصة ساعات القراءة الطويلة، والانكباب على الكتب، ليلتقطها بعد ذلك، فئران الثقافة، الأدعياء الصغار، مثيرو الشفقة، المنتشرون بالمقاهي الثقافية، يقتاتون على الفتات، وعلى السمع، واستثمار كل ذلك في كتابات بائسة، وضعيفة، يحبرون بها أوراق الجرائد والمجلات؛ ثم الكتب بعد ذلك.
يختار عزمي عبد الوهاب عنوانا جاذبا استوحاه من أحد مقالات فتحي: «الساحر وقبعة القش»، مضيفا إليه هذا التعريف: فتحي عبد الله ناقدا» واضعا هذه الإضمامة خلف العنوان المثير.
في هذا الكتاب، يترك فتحي النظرية الأدبية، ذاتها، ومعالجة مبادئ الأدب وتصنيفاته ومعاييره، لأصحابها من النقاد المحترفين والأكاديميين، مركزا جلّ اهتمامه على دراسة وتحليل النصوص، منطلقا من توجهه كشاعر يستطيع التمييز بدقة، بين النص الجيد والنص الرديء، تقوده ذائقته، وسعة اطلاعه.
يقول عزمي عبد الوهاب في مقدمته لهذا العمل: «تعرّف الكثيرون إلى فتحي عبد الله شاعرا، لكن قلة هم الذين تابعوا خطواته النقدية المؤثرة، لقد كان فتحي قارئا جيدا للشعر والرواية، لديه إلمام كبير بالخريطة الشعرية والروائية والفكرية في العالم العربي، كانت لديه فكرة جيدة عن طبيعة كل بلد وملامح النصوص الشعرية فيه. كان حادا أحيانا وهو يبدي رأيه في هذا الشاعر أو ذاك». ويحذّر عزمي من هذه الصفة التي قد تؤثر على الرؤية النقدية، لكنه يعترف بامتلاكه وعيا حادا، يمزج من خلاله رؤيته الفكرية بالرؤية النقدية أثناء عمله النقدي، رغم بعض تناقضاته الفكرية التي يراها عزمي تطورا في الرؤية، ونضجا في التجربة، مستشهدا بما كتبه فتحي عن الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي: «شعرية حجازي، رغم مثاليتها المفرطة في التوجه العام، تعكس بدرجة أخرى انتقال المجتمع إلى مرحلة تطورية جديدة، فقد استطاع أن يعكس اغتراب الريفي في المدينة، وكذلك اغتراب قوة العمل وانفصالها عن المنتجين الحقيقيين لها، معتمدا في كل ذلك على الحكاية والتفاصيل الصغيرة، التي دفعت بأبطال آخرين في الفعل الاجتماعي من الطبقات الفقيرة والمهشمة».
بوعي جمالي، ومعرفة عميقة بالشعر العربي الحديث، يتناول فتحي شعرية محمد الماغوط، في مقال ضاف، يعرج فيه على أكثر من ديوان له، وأكثر من قصيدة، متتبعا عوالمه، واصفا بدقة أين تقف قصيدة هذا الشاعر الكبير، الذي لا يشبه أحدا، لكن كثيرون جاءوا بعده تأثروا به حد التشابه. يقول في مقاله «الشعرية بين الشخصانية والسرد في تجربة الماغوط» وبعد مهاد واف عن الشعرية العربية والحداثة، وعن تجارب الرواد، ومنهم صلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب، إن الماغوط كان أكثر الجميع تخلصا من معوقات العقلية العربية وأكثرهم استجابة لمعطيات الواقع الجديد الذي يتكون أمام عينيه، ما أورثه شيئا من اليأس والعدمية، وأخلاقيات جديدة على الشعر. ملتقطا خصائص هذه الشعرية، بدءا من ديوان الماغوط الأول «حزن في ضوء القمر» التي تستمد وجودها مما هو شخصاني، وتخلصه من الميراث الموسيقي واللغة الفضفاضة دفعة واحدة، ودور اللغة العضوي في البناء القائم على التداعيات السردية والروحية، وابتعاد قصيدته عن الشكل التقليدي، وإن كانت هناك ظلال من التجربة الرومانسية في المفردة والتركيب، وبعض المفاهيم كالمطابقة بين الوطن والحبيبة ظلت عالقة معه.
يلاحظ فتحي أيضا انحسار هذه الرومانسية في الديوان الثاني للماغوط: «غرفة بملايين الجدران» والأداء الشعري المحكم الذي بدأ مع هذا الديوان، استخدام التقنيات المسرحية، والحدث، وما يترتب عليه، كما في قصيدة «أوراق الخريف»: «طالما عشرون ألف ميل بين الرأس والوسادة/ بين الحلم والحلمة/ لن أعود إلى المسرح بأصابع محطمة».
ثم استخدام تعدد الأصوات، والحوار المسرحي كتقنية كتابية كما في قصيدة «مصافحة في آيار»:
«- هل وجدت عملا؟
– لا
– هل كتبت شيئا؟
– لا
– هل أحببت أحدا؟
– لا
لا.. ولكنني أشعر بزهو الجلاد
بأنين الطيار الذي يضرب وطنه بقنابله».
يرى فتحي أن هذه الطريقة في البناء والأداء اللغوي خففت كثيرا من الغنائية داخل النص. ثم يعلق بعدها: «وتعكس تجربة (غرفة بملايين الجدران) مدى ما وصلت إليه التكوينات الاجتماعية من تخلف وترد، فما زالت المنظومة القبائلية والعشائرية تتجلى في الممارسة اليومية، وغير مسموح للهامش المكبوت بأن يتحرر، ويؤثر على المتن، وأن ما حدث من تطور لم يتجاوز النخبة، ناهيك عن تشويه المنظومة القديمة».
يستعين فتحي بالأيديولوجيا أحيانا، ونظرية صراع الطبقات، في إعادة قراءة بعض النصوص، التي تحمل بداخلها بذور هذه العناصر، يهبط على النص الذي يريد التحاور معه، مسلحا بهذه الأدوات، دون أن يتعسف في تفسيره، فثمة موضوعات معينة، توقظ لديه بعض آلهة اليسار للقيام بالعمل: ماركس، لوكاش، فيشر، وبليخانوف. ولكنه يظل محتفظا بالبعد الجمالي الخاص بالذائقة العربية في التفسير، حتى لو بدا أقرب إلى لوكاش على وجه الخصوص، في معيار حكمه على المبدعين، وعلى أعمالهم، وعلى التمحور حول الذات الإنسانية معظم الوقت، مطعما أحكامه النقدية براديكالية ملحوظة، وفقا لتشبعه المعرفي، العقائدي، بهذا الإرث اليساري.
في واحدة من أكثر المقالات استبصارا عن «سرد محفوظ في ثقافة العرب» يتناول خمسة أنماط للسرد تشكل مشروع عميد الرواية العربية، وتدل على تطوره الدائم الذي مثل ذروة السرد العربي:
1- السرد التاريخي. الذي حاول فيه محفوظ أن يدرك الذات المصرية في كليتها، وفي إطارها الرمزي العام، بما يوحي بمركزية الدولة الواحدة والمنسجمة، والتي لا أبطال بها إلا الحاكم ورجال الدين. وأنها تجربة لا فن فيها ولا دور كبير للروائي، وظلت رهينة الكتابة التاريخية، ولم تدخل في إطار المحكيات الفنية، وتمثلها تجربة الفرعونيات: «كفاح طيبة»، «رادوبيس»، و«عبث الأقدار».
2- سرد المدينة. وهو أول سرد فني لمحفوظ قائم على التخييل واختراع الأحداث، واختيار الشخوص المناسبة، مازجا بين الرؤية الأوروبية والوقائع المصرية، خالقا حداثة خاصة، حررت السرد العربي من تقنياته القديمة. وكانت القاهرة هي المكان الطبيعي، والحارة هي المعادل الرمزي للمجتمع، تنعكس عليها كل أنواع الصراعات، وتناقضات الطبقة الوسطى سلوكيا أو في سوق العمل. وتمثل ذلك بجلاء في الثلاثية، «بين القصرين»، «قصر الشوق»، «السكرية»، التي بدأ فيها صراع التحديث وميل محفوظ إلى المشروع الليبرالي، وإشارته إلى أبرز القوى الفاعلة في المجتمع: الإخوان والشيوعيون. إلا أن أبطال القوّتين دائما ما ينتهون بالموت أو السجن. والمقهى له دور أيضا، فبلاغة التجاور التي تطرحها هذه الأماكن قرّبت السرد من المشهدية.
3- السرد الرمزي. «أولاد حارتنا» و«الحرافيش». الأولى، استعادة لفكرة الخلق وتكون الجماعات البشرية، وأصول الصراع الإنساني، وتلميح إلى ما يحدث من اضطهاد للفئات الهامشية، عبر خطين للسرد الرمزي، أحدهما مرهون بالأحداث اليومية المباشرة، والآخر باطني مرهون بالأحداث التي وقعت في الكتاب المقدس (التوراة). أما في رواية «الحرافيش» فقد تحرر محفوظ من الأبطال المقدسين، ولم تكن هناك مرجعية لاهوتية، بينما لعبت الأسطورة الدور الأكبر في توليد السرد وتطوير الحكاية.
4- سرد القصيدة. تمثلت هذه التقنية في كتاب «أصداء السيرة الذاتية»، فقد اقترب محفوظ من قصيدة النثر. من خلال نصوص قصيرة ومكثفة، مازجا بين تقنيات الشعر والحكاية بعد استنفاد عوالمه الواقعية والمتخيلة في سنواته الأخيرة.
5- سرد الحلم. آخر التقنيات التي استخدمها محفوظ، متخلصا من تعقيدات الواقع، حيث اللجوء إلى الأطياف والرؤى.
يختتم فتحي عبد الله هذه القراءة بالغة العمق لمشروع الروائي الأكبر بعدة سطور تعد من أدق ما كتب عن تجربة محفوظ الروائية.
لقد كتب فتحي عن المبدعين المصريين والعرب، وتناول كثيرا من الأعمال، وكثيرا من الأسماء من المشرق والمغرب، بمحبة أحيانا، وبصراحة لا تعرف المهادنة مع الأسماء المصنوعة أحيانا أخرى، وتناول شعريات مهمة في معظم بلدان الوطن العربي، ونوّه عن أعمال روائية تستحق القراءة.
وفي الكتاب حوارات أجراها فتحي مع البعض، منهم الناقد الكبير. د. عبد المنعم تليمة، والشاعر رفعت سلام، والشاعر محمود قرني. وأيضا هناك حوارات أجريت معه حول تجربته الشعرية.
بدون مبالغة، أو تهويل عاطفي، هذا كتاب مهم، بانوراما نافذة على المشهد الثقافي العربي، أعده الشاعر عزمي عبد الوهاب كتلويحة محبة لروح الشاعر فتحي عبد الله، وهذه السطور، ليست في مجال نقد النقد، الذي لا أستطيع السباحة في عالمه، إنما هي أيضا تلويحة محبة مضاعفة لعزمي وفتحي معا، ودعوة جادة لاستعادة هذا النوع من الأعمال الجيدة، ومحاولة انتشالها من الصمت؛ بإثارة الاهتمام حولها. فهي تحمل رؤية ثاقبة، ورؤى نقدية، ثقافية، لشاعر ابن عصره، استطاع أن يلتقط شفرات الأجناس الأدبية، وتيارات الإبداع في زمانه على نحو فريد ومبهر، حتى لو شابت بعض أحكامه نبرة ذاتية، فهو يرى مع ت. س. إليوت أن مهمة النقد، في أقل صوره تعقيدا هي توضيح الفن وتصحيح الذوق.

عزمي عبد الوهاب: «الساحر وقبعة القش»
الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2022
285 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية