المعرفي والسلطة وإشكالية التدوين في “ألف ليلة وليلة”


يتعلّق الأمر في هذا المقال بالسؤال الذي ختمنا به المقال السابق، والذي يتّصل بفهم عملية تدوين “ألف ليلة وليلة” في نطاق تشكّل معرفي التخييل العربيّ والكتابة بشكل عامّ. والمقصود بالمعرفي المبادئ العامّة التي تسود في حقبة مُعيَّنة، وتتحكّم في الإنتاج الفكريّ والتخييليّ، وتُوجِّهه؛ فإذا كانت كلّ حركة تدوين تتأسَّس على غاية مُحدَّدة رئيسة ماثلة في الحفاظ على مُعطيات مُعيَّنة من أجل ضمان بقائها، وحمايتها من الضياع أو التلاعب بها أو تحريفها فإنّها لا تتمّ بالضرورة بأمانة تامّة من دون أن يلحق بها التشذيب الذي يجعل من الشيء المُدوَّن مُتطابقًا مع إرادة السلطة في الحفاظ على نفسها، والصورة التي تسعى إلى تكريسها حول ذاتها. وإذا كان الأمر كذلك فلا ريب أنّ تدوين الحكايات من قِبَل المُدوِّن المُخيَّل أو المُدوِّنين الواقعيّين قد تعرّض إلى فعل تشذيب يُراعي تطلّبات السلطة خلال الحقب التي اُسْتُعيد فيها تدوين الليالي. لكنّ هناك هدفًا عامًّا ظلّ مُهمِينًا حيال تدوين الحكايات الليليّة يتمثّل أساسًا في تسجيل ما يتلاءم مع العلن الذي هو سمة نقل كلّ سرّ إلى الجمهور؛ فالليالي كانت في الأصل حكْيًا سرًّا محصورًا في المخدع (محفل السماع الأصليّ)، وفي مُتلقِّيَّيْن اثنين (شهريار ودنيا زاد)، لا ثالث لهما، ويُضاف إلى هذا أنّ حكي المرأة هو مُرتبط دومًا بالسرّ والليل، لا بالعلن والنهار اللّذيْن هما من نصيب الذكوري، بما يرتبط به هذا الاختلاف من تعارض بين المُلتبس والواضح.
يقتضي نقل الحكايات من السرّ الأنثويّ المُلتبس إلى العلن الذكوريّ الواضح تشذيبًا للحكايات حتّى تتلاءم مع ما ينبغي أن يكتسب خاصّية التناقل الذكوريّ الذي هو صفة السلطة في إدارة كلّ قول. ويقتضي التدوين في هذا النطاق طرح علاقته بهذه السلطة: ما الذي ينبغي تدوينه، وما لا ينبغي أن يُدوَّن؟ فما يُهيمِن على كلّ فعل تدوينيّ مُتعلِّق بالسلطة الحاكمة ينحصر في الأغلب في ما له صلة بالجانب الإداريّ، والمُراسلات، والأحداث التاريخيّة الكبرى، والنصوص المُكرَّسة، والنصوص الدينيّة؛ أي أنّ التدوين يتعلّق بكلّ ما يضمن استمرار السلطة ويُضفي عليها الشرعية، ويمدّ شكلها في كلّ الإنتاجات الرمزيّة. وإذا كانت مهام التدوين محصورة في هذه الحقول المُكرَّسة فما الذي سوّغ- على مُستوى المُخيَّل في الليالي- تكليف المُدوِّن المُخيَّل الذي ينتمي بكلّ تأكيد إلى أهل القلم بتدوين “ألف ليلة وليلة”؟ ويزداد هذا التكليف حيرة حين يتّصل الأمر بسرود تتأسّس على التخييل النثريّ الذي ينتمي إلى الحكي الشفهيّ من حيث بنيته. ربّما جاز لنا- في الإجابة عن هذا السؤال- الحديثُ عن عصر تدوين ثانٍ غير التدوين الأوّل الذي حدث في تاريخ تأسيس الكتابة العربيّة، والذي انحصرت مُهمَّته في تسجيل النصوص المُكرَّسة (الشعريّة- الدينيّة- التاريخيّة). ولن نكُون مُجانبين الصواب إذا عددنا عصر التدوين الثاني هذا مُتّصلًا ببدايات ضعف الدولة العربيّة المركزيّة، وظهور العلامات الأولى التي تنذر بانحلالها وسقوطها. لا يتعلّق الأمر- في هذا التدوين الثاني- بإعطاء لسان للمقهورين أو سواد الجمهور المُهمَّش، كما يذهب إلى ذلك بعض الباحثين، وإنّما بجعل هذا الجمهور يستعيض عن تاريخ مأزوم بمُخيَّل يُحقِّق النسيان التاريخيّ من طريق إحلال الخارق المُخيَّل محلّ الواقعي المُنحطّ، وإحلال إنقاذ الذات من الموت محلّ شبح الكارثي التاريخيّ، وإحلال الشعور الوهميّ بالأبدي السرمديّ الذي تُوفِّره الحكايات محلّ الزائل. ولا يُمْكِن فهم كون التدوين الذي طال الليالي إلّا في هذا النطاق؛ فعدم تحديد اسم المُدوِّن (سواء أكان مُترجمًا أم لا)، وبقاؤه مجهولًا كانا بغاية جعله يُولد ألف مرّة من خلال مُدوِّنين آخرين تعاقبوا في الزمان على الإضافة إلى الليالي. وما ينجم عن مجهولية المُدوِّن بهذه الصفة المُنفتحة هو تحقيق الأبدي الذي يتجاوز لحظة السوء التاريخيّ المُنذر بزوال الدولة، وما اتّصل بها من مجد.
لكنّ ما ينبغي التنبّه إليه في هذا الإطار هو أنّ الغاية من تدوين الفلكلوري- الشفهيّ لم تكن كامنة في نقله كما هو في بعده الحيويّ، بقدر ما كانت ماثلة في مُحاولة استعادته من قِبَل الكتابي، وتحويله إليه؛ فالكتابة هي رمز للمؤسساتي- السلطويّ (ضدًّا على دريدا الذي يجعل من الصوت دالًّا على المُهمِين) الذي يُراقب حركة الحكي، ويتحكّم في وجهتها. ويُفسِّر هذا التحويل المُخيَّلَ نفسَه؛ إذ لا تُروى الحكايات من قِبَل شهرزاد إلّا في حضرة ملك (شهريار) يُمثِّل السلطة؛ أي وضع الحكي في حالة مُراقبة من قِبًله. وإذا كان الأمر كذلك فإنّ حكي الليالي يُحصر في دائرة الكبح الذي يُمارسه التدوين الكتابيّ حيال توالد الحكايات إلى ما لا نهاية؛ أي مُراقبته، ووضع حدود أمام شراهته. لكن كيف تتماثل هذه المُراقبة مع سريان الأبدي الخالد، ولا تتناقض معه؟ لقد حرص التدوين الذي طال الليالي على جعل الحكايات تخضع لنمذجة في البناء والتخييل والموضوعات، وهذه النمذجة تفرض على الأبدي أن يتجلّى من خلال التكرار الذي يتمثَّل في تقليدها من قِبَل المُدوِّنين الواقعيّين الذين تعاقبوا على الإضافة إلى نصّ ألف ليلة وليلة الأصليّ.
يقود تدوين النثري الشفهيّ (الليالي) إلى مسألة مُزدوجة الطابع: من جهة تحوّل في علاقة السلطة بالقول، ومن جهة تحوّل في مركزية الشعري؛ فعلاقة السلطة بالقول تتعيّن في تحوّل هامّ يتمثّل في انسداد البلاط أمام حركة التداول العَالِم؛ أي الانتقال من المجلس الذي يتمثّل في انفتاح السلطة على أهل الفكر والأدب إلى المخدع بوصفه دالًّا على انكفاء السلطة على ذاتها. هل يدلّ هذا الانتقال على تصدّع ما في بنية العلاقة بين السلطة ومُحيطها الإيديولوجيّ بما هو قائم على القول الراقي- الرسميّ؟ تُمْكِن الإجابة عن هذا السؤال بحدوث انتقال مُوازٍ في مركزية القول؛ أي الانتقال من مركزية الشعري والتأدّب إلى مركزية النثر؛ فأَمْرُ شهريار بتدوين الحكايات بماء الذهب هو اعتراف ضمنيّ بالقيمة العليا للنثر الحكائيّ. والذهب يُعَدُّ في الأزمنة الأسطوريّة أزهاها (كتاب التحوّلات لأوفيد). ويتجلّى هذا الانتقال في مركزية القول في العلاقة بين الشعري والنثري في ثنايا “ألف ليلة وليلة”؛ فالأوّل يأتي خادمًا للثاني (الحكاية)، ولا يحتلّ الصدارة على الرغم من الاحتفاظ بقدْر من قيمته. لكن هذا التحوّل يظلّ مُجرَّد نزوع مُؤقَّت، ويدلّ على تنبّه السلطة إلى انشغال قوليّ- تخييليّ يُهيمن على العامّة، ويتّصف بتهديد لها، وعليها أن تحتويه. أليست شهرزاد- في نهاية المطاف- رغبة السلطة في مُراقبة الشفهي العامّ المُهدِّد له، ووضعه تحت مُراقبتها؟
أكاديمي وأديب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية