القاهرة ـ «القدس العربي»: منذ اندلاع العدوان على قطاع غزة، قدمت القاهرة عدة مقترحات واستضافت العديد من الاجتماعات في محاولة للتوصل لوقف الحرب في القطاع. لم يسلم الدور المصري من الانتقادات في كثير من الأحيان، ففي الوقت الذي اعتبر البعض أن مصر لم تقم بالدور المنوط بها دعما لفلسطين، اتهمها الاحتلال في بعض الأحيان بالتسبب في فشل المفاوضات عبر تغيير بعض البنود في المقترحات دون العودة له.
لم تمر أيام على بدء العدوان، حتى خرج الرئيس المصري ليعلن رفضه لأي محاولات لتهجير أهالي قطاع غزة إلى سيناء، وأثار عبد الفتاح السيسي وقتها جدلا واسعا عندما قال إن على الاحتلال إذا كان يرغب في نقل الفلسطينيين لتنفيذ عملياته العسكرية فأمامه صحراء النقب، يمكن نقل أهالي القطاع إليها ثم إعادتهم بعد انتهاء العمليات العسكرية.
وانخرطت مصر في جولات مفاوضات بمشاركة قطر وبرعاية أمريكية، وكانت أولى هذه الجولات في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، أو ما يعرف باسم الهدنة الأولى، حيث أعلن الوسطاء إبرام هدنة إنسانية لمدة 4 أيام قابلة للتمديد، وسط موافقة من «حماس» وإسرائيل، وبعد يومين تم تنفيذها قبل تمديدها ليومين مماثلين، قبل أن يعود الاحتلال لمواصلة عدوانه. وبعد فشل جولة المفاوضات التي استضافتها باريس في 28 كانون الثاني/ يناير 2024، استضافت القاهرة جولة جديدة في 13 شباط/ فبراير الماضي، وناقش الوسطاء مع الجانب الأمريكي والإسرائيلي مسودة اتفاق لوقف إطلاق نار لمدة 6 أسابيع، واعتبر نتنياهو مطالب «حماس» بشأن عدد المحتجزين الفلسطينيين بأنها «خيالية»، قبل أن تسفر عن عدم انفراجة بعد حديث عن تقدم في المفاوضات.
وفي 7 نيسان/ أبريل الماضي، ناقش الوسطاء في القاهرة، ضمان وقف دائم لإطلاق النار بين الاحتلال وحركة «حماس»، إلا أن تلك المحادثات انتهت بتصريحات دبلوماسية عن تقدم واستكمال للمشاورات بعد يومين، لكنها لم تصل لانفراجة فيما بعد، مع تمسك «حماس» بوقف إطلاق دائم ومماطلة رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو.
وشهد شهر أيار/ مايو الماضي، إعلان السيسي مقترحا مصريا مدعوما من قطر والولايات المتحدة يقوم على 3 مراحل كل واحدة منها بين 40 و42 يوما، ويقود في نهاية المطاف إلى وقف إطلاق نار نهائي وعودة النازحين الفلسطينيين إلى منازلهم، ما رفضه نتنياهو بزعم أنه لا يلبي شروط إسرائيل.
ونقلت وسائل إعلام غربية، عن مصادر إسرائيلية وقتها، قولها إن فشل التوصل لهدنة بناء على المقترح المصري يعود لتغيير المخابرات المصرية بنود مقترح وقف إطلاق النار الذي وقعت عليه إسرائيل، مما أدى في النهاية إلى إحباط صفقة كان من الممكن أن تطلق سراح الرهائن الإسرائيليين وفلسطينيين من سجون إسرائيل، وتحدد مسارا لإنهاء القتال مؤقتا في غزة.
لتبدأ مرحلة من التوتر بين القاهرة وتل أبيب، بخاصة أن الجيش الإسرائيلي أقدم على احتلال محور فيلادلفيا الحدودي ومعبر رفح من الجانب الفلسطيني، ما اعتبرته القاهرة تصعيدا خطيرا، ورفضت إعادة فتح معبر رفح إلا بعد انسحاب الاحتلال منه.
ويقول الباحث القومي والقيادي في «حزب الكرامة» سامح حسنين، إن مصر لعبت دورا مهما في المفاوضات. ويضيف لـ»القدس العربي»: «حتى لو بدا موقف مصر لدى بعض الأطراف أنه موقف ضعيف أو مترد ولا يعبر عن مكانة مصر في الإقليم وفي محيطها العربي، إلا أن القاهرة لعبت في الحد الأدنى دورا وازنا وفاعلا في إنجاح هذه المفاوضات». ويضيف: «مصر في النهاية لم تكن ترغب في هزيمة المقاومة حتى ولو اعتقد البعض ذلك، لأن هزيمة المقاومة تشكل خطرا على الأمن القومي المصري»، مشددا على أنه رغم الخلافات بين النظام في مصر وبعض أطراف المقاومة الفلسطينية، في إشارة إلى الخلاف بين النظام وجماعة الإخوان المسلمين التي تنتمي لها حركة «حماس» فكريا، فإن الأجهزة الأمنية المصرية تعي جيدا خطورة انهزام المقاومة.
وقال إن الوسطاء بكل تأكيد لعبوا أدوارا متفاوتة، لكن الواقع يؤكد أن صمود المقاومة هو من أجبر الاحتلال على الموافقة على الهدنة.
وأضاف: «لو شعر الاحتلال الإسرائيلي أنه يمكنه تحقيق أهدافه المتمثلة في القضاء على المقاومة وتهجير الفلسطينيين، لم يكن سينهي الحرب، ولم تكن الإدارة الأمريكية لتلعب دورا في الضغط على الاحتلال للتوصل إلى هدنة».
وختم حسنين: «لا فضل لأحد على المقاومة الفلسطينية التي قاتلت وصمدت في حرب غير متكافئة دعمت فيها الولايات المتحدة الاحتلالَ بالأسلحة والأموال، وانتصرت المقاومة في إفشال المشروع الصهيوني في المنطقة، الذي يستهدف تهجير أهالي قطاع غزة إلى سيناء، وهو ما رفضته مصر بشكل حاسم».