وددت لو عادت “الجزيرة مباشر مصر” هذه الأيام، ولو من باب الفأل الحسن، فقد أطلقت لتقوم الثورة بعدها، وإن كانت “الجزيرة مباشر” لم تقصر، في نقل الحدث الأهم في المنطقة، وهو فيديوهات المقاول الفنان “محمد علي”.
والتردد الأول يعرض الفيديوهات وعقد حلقات نقاشية حولها، والتردد الثاني دمج الفيديوهات السابقة في ثلاث ساعات، ليعرضها بشكل مستمر!
قصرت “الجزيرة” في هذه الحملة، ولم تقصر الجزيرة مباشر، وإن كانت القضية المصرية تستحق قناة من بابها، وقد تركت “مباشر مصر” فراغاً لم تملؤه قناة غيرها، تشعر أنها كانت قناة مباركة، وفيها شيء لله، كما يقول أهل الله المتصوفة، وقد تفاءلت بنفسي عندما وجدتني وقد انهمكت في القراءة في الأدب، باعتبار أن السياسة تمثل قلته، وهو أمر فعلته قبل “ثورة يناير”، عندما استبد بي اليأس واستقر في وجداني أن الشعب مات، وأن مبارك لن يقدر عليه أحد، انتهيت من قراءة عشرات الروايات فقامت الثورة.
ولا أنكر أن اليأس قد استبد بنا، بعد وفاة الرئيس محمد مرسي، لكن بدا كما لو أن هناك من ينتظر الوفاة، لينطلق في مهمة اسقاط السيسي، وأول الرقص حنجلة، كما يقولون، وجاءت هذه “الحنجلة” من واحد منهم، عمل معهم، وهتك سرهم، هو المقاول الفنان محمد علي، الذي استطاع بقليل من الفيديوهات، أن يعري الحكم العسكري في مصر، والمهم هنا أنه وإن خاطب المصريين جميعاً، فقد نجح في الوصول إلى فصيل آخر، وهو الدولة العميقة، ودولة مبارك، وحزب “الكنبة”، وقد يرى البعض أن كلها مترادفات، لكن هناك اختلافات بين الدولتين والحزب الشهير في بعض التفصيلات. وقد وقع النظام العسكري في “حيص بيص” فلم يصد ولم يرد!
أفضل شيء فعله “محمد علي”، أنه لم يتواصل مع المحطات التلفزيونية، التي يصنفها نظام السيسي بأنها قنوات الأعداء، سواء في تركيا، أو قناة الجزيرة في قطر، وأتمنى على الزملاء في قنوات رفض الانقلاب، أن يتوقفوا عن محاولات التواصل معه، فماذا يمكن أن يقول لهم أكثر مما يقوله في فيديوهاته بمعزل عنهم، وهذا البعد هو نقطة قوته، فلو اقترب لاحترق، وهم الآن يروجون كذباً بأن الإخوان جندوه، لكن عدم تقديم الدليل يسقط هذه الاتهامات، وقد التف حول خطاب محمد علي من هم خارج معسكر رفض الانقلاب ومن خارج معارضة النظام ممن يمثلون القوة الجديدة، التي يخشاها النظام العسكري، هل أقول إنه سبر حدود قوتنا، وعلى مدى ست سنوات عرف منتهى جهدنا وغاية قدرتنا؟!
تليفون بكاميرا
قيمة “محمد علي” في أنه واحد منهم، خرج من عباءتهم، ويعرف عنهم بالتفاصيل ما لم نعرف، ثم إنه شاهد رؤية وليس شاهدَ رؤية، ومصدر للأخبار وليس محللاً سياسياً، ثم إنه لا يدعي نضالاً، ولا زعامة، ولا يقدم نفسه على أنه زعيم الأمة، أو منافساً للسيسي في سلطانه، صحيح أن خطابه تطور، ومن الكشف والتعرية، إلى القول: “أنا أو أنت يا سيسي”، لكنه مع ذلك، لم يقل إنه المهدي المنتظر، أو أنه رئيس مصر القادم!
ولم يكلف الأمر “محمد علي”، أكثر من صفحة على “الفيسبوك”، وأخرى على “تويتر”، وتليفون بكاميرا.
هل تذكرون الواقعة التي حدثت في مثل هذا الشهر (سبتمبر/أيلول) في عام 2016، يوم أن سأل حارس عبد الفتاح السيسي، وزير الخارجية الأمريكي جون كيري وهو في طريقه لمقابلة السيسي في نيودلهي: إن كان معه تليفون بكاميرا؟!
ها هو محمد علي معه تليفون بكاميرا، يستخدمه في البث المباشر، فتنقل عنه بعض القنوات التلفزيونية، كما يشاهده مئات الآلاف على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى صار حديث الناس، فلا حاجة لقناة تلفزيونية، أو لأستوديو، مع أن اطلاق قناة تلفزيونية حيث يقيم ليس بالأمر الصعب، سواء على مستوى الإجراءات، أو على مستوى النفقات المالية، و”محمد علي” ليس من فقراء المدينة، فقد باع كل أملاكه في مصر، قبل أن يغادر، صحيح أنه باعها بالرخيص، وبأقل من قيمتها الحقيقية، كما قال، إلا أنها في النهاية ليست بالشيء القليل، وفي مقابلة تلفزيونية معه في قناة إسبانية محلية، في يونيو/حزيران الماضي، قال إن مشروعه في مقاطعة كتالونيا يقدر رأس ماله بين 700 إلى 800 مليون يورو. ولا تحتاج قناة تلفزيونية ليبث منها رسائله إلى كل هذه الملايين، لكن ما حاجته إلى قناة ومعه تليفون بكاميرا!
قوة محمد علي في أنه من داخل مطبخ أهل الحكم في مصر، صحيح أننا جميعاً كنا نتحدث عن هيمنة الجيش على المشروعات المدنية في البلاد، وصحيح أن دراسات وتقارير صحافية كثيرة نشرت حول هذا الموضوع، لكن “محمد علي” لا يقدم استنتاجات، ولكن يكشف عن معلومات، وتفاصيل، وأشخاص، من المعسكر ذاته، وباعتباره كان جزءاً من أحد مشاهده الكثيرة، وللدقة أهم مشهد فيه، ولهذا كان تأثيره الجارف، وكانت قوته التي أخافت النظام، وهو تأثير لم يحققه ما قلناه، وللدراسات التي وضعت، مع خالص احترامي لأصحاب نظرية إن ما قاله هو “تحصيل حاصل”!
لقد ارتبك أهل الحكم، فكانت أول خطوة أقدموا عليها، هي اختراق صفحته على “الفيسبوك”، وحذف بعض الفيديوهات، والابقاء على فيديو واحد للتأكيد على أنها صفحته ولا تزال في حوزته، ثم كتبوا منشوراً مرتبكاً، عن شكره لأصدقائه الأتراك في إسبانيا الذين يساعدونه في أعماله، وهو ما كشف للجميع أن الصفحة تم اختراقها، فلما صنع صفحة أخرى قاموا باغلاقها لكنه صنع صفحة ثالثة، وكانوا قد تقدموا إلى إدارة الفيسبوك بشكوى باسم قناة “الحياة” تدعي ملكيتها لأحد الفيديوهات، فتم حذفه بناء على هذا البلاغ الكاذب والكيدي، ليضع الأمر علامات استفهام كثيرة حول هذه الإدارة المنحازة لاسرائيل تماماً، وقد انتقل انحيازها إلى كنزهم الاستراتيجي في مصر عبد الفتاح السيسي!
وبعد تجاوز محمد علي مرحلة الاستيلاء على صفحته واختراقها، كان القوم يبحثون عن طريقة لتشويهه، لكنه بدا عصياً على التشويه!
المخطط الأمني
لقد استضاف أحمد موسى والده، وهو تصرف أمني معروف من زمن المواجهة الأمنية لنظام مبارك مع الجماعات المسلحة، وعند تصفية أي عنصر على يد الشرطة، حيث تنشر الصحف تصريحات منسوبة إلى والد أو والدة الضحية، تدور حول إعلان البراءة من الإبن العاق للوطن، مع عبارة لا تتغير: “قلبي وربي غضبانين عليك”، وأحمد موسى بصفته محررا مندوبا لوزارة الداخلية في “الأهرام”، كان جزءاً من هذا الأداء، وجاء ليكرره على قناة “صدى البلد”!
وقال والد محمد علي، إن هذا ليس ابنه الذي يعرفه، وقد تعرض لعملية “غسيل مخ”، بعد أن أرسل له “هشام عبد الله” و”معتز مطر” طائرة لتأخذه من دبي، لكن أحمد موسى يصوب له المعلومة فيلقنه: “من قطر”. في مشهد أضحك الثكالى، وفي لحظة لم نعرف فيها من والد محمد علي: الضيف أم أحمد موسى؟!
بيد أن المشاهد سخر من هذه المقابلة برمتها، فلم تؤد الغرض المنشود منها، فكان ظهور شقيق محمد علي، مدشنا لمرحلة جديدة هي فيديوهات في مواجهة فيديوهات، ولأن القوم بدوا في بؤس مفزع، فلم يكترثوا بالاخراج، ليتبين أن التسجيل تم في مكتب حكومي، قبل أن نعلم أنه مكتب رئيس مباحث قسم شرطة العجوزة!
قال الشقيق في بثه المباشر، إن شقيقه محمد علي الذي يتحدث عن مال مصر، لم يتورع عن أكل ميراث شقيقه المتوفى!
ولم نعرف كيف يكون له ميراث، ووالداه على قيد الحياة، قبل أن نعلم من خلال فيديو سريع لمحمد علي، أن المقصود هو الأموال التي تركها شقيقه، أي ميراث أبنائه القُصر، وهو أمر يخضع لرقابة ما يسمي في القانون بالمجلس الحسبي، ولا سلطان بالتالي لشقيقه الهارب بالميراث، الذي يديره هذا المجلس!
وبين الظهور الفاشل للأب والأخ، كانت هناك محاولة للإلهاء، أحبطتها الجماهير، لعل أقبحها محاولة دغدغة المشاعر، بأن نجل الرئيس محمد مرسي كان مع واحدة ساقطة قبل أن يتعرض لأزمة قلبية، بدأ أحمد موسى بالتمهيد لها بمنشور، وتم نشر اعترافات لمن قيل إنها هي، والتي اعترفت على نفسها بأنها تمارس الأعمال المنافية للآداب منذ خمس سنوات، وكان تصرفا ساقطا، يليق بدولة العسكر، وقد عُرف منها بالضرورة، لكن في هذه المرحلة تحرك الجميع بمن فيهم خصوم الرئيس مرسي نفسه ليدينوا هذا التصرف، الذي كشف أن السلطة تقف خلفه، فمن يصور لها هذه الاعترافات، ومن أجبرها على الاعتراف على نفسها بما يدينها، ودون أن تكون متهمة رسمياً.
لقد فشل المخطط، الذي كان يستهدف تشويه نجل الرئيس، كما استهدف الإلهاء، وذُكر المعلقون اسم محمد علي هذا الفيديو، أكثر مما ذُكر تعليقاً على فيديوهاته، ثم كان التبشير بمقابلة تلفزيونية، مع من قالوا إنه الرجل الثاني في الإخوان، وقد انشق عليهم، بقناة “صدى البلد”، ومع “أحمد موسى” أيضاً، فلم يعد في جراب الحاوي إلا أحمد موسى، مع انتهاء صلاحيته، ويقين الكون كله، إنه مسير لا مخير، لكن الضيف نسف “البرومو” عندما قال إنه لم يكن من الاخوان في يوم من الأيام.
لقاء السيسي
وبينما تقرأ عزيزي القارئ هذه السطور، سيكون السيسي أمامك في لقاء طارئ مع الشباب، بعد فشل كل المحاولات لصرف الانتباه عن محمد علي، أو إفشال تأثيره، وكأنه “عفريت العلبة” الذي خرج ليفضح، ويكشف، ويعري، ويقدم عبد الفتاح السيسي كشخص لديه هوس بالانتقال إلى مرحلة الامبراطور، حيث القصور الكثيرة، وحيث السفه في إنفاق المال العام، وحيث ظمأ النفس الذي لا يرتوي، وأسقط دعايته القائمة على أن مصر بلد فقير.
إنه عفريت العلبة الذي جاء على قدر.
صحافي من مصر