المهدي المنتظر والحديث عن معتقد المصريين!

حجم الخط
10

عندما «هاتف» الأستاذ، الذي ينافس الإخوان على أستاذية العالم «الأستاذة عزة» في برنامجها «صالة التحرير» وقال ما قال عن إعادة صياغة المعتقد، تذكرت برنامج «ندوة للرأي» الذي كان يقدمه التلفزيون المصري في أوائل الثمانينيات، وأدركت أن صاحب «المداخلة» بحاجة لحلقة في البرنامج، وربما أكثر، ليناقشه العلماء في أفكاره الدينية، قبل تطور حالته، وإن كانت الاستضافة لحالة تذكرتها، لم يمنع من تطورها إلى حد أنها ذهبت بعيداً!
برنامج «ندوة للرأي» كان فكرة أمنية في الأساس، عندما كان جهاز الأمن يفكر، وهي الحالة التي انتهت بتعيين زكي بدر وزيراً للداخلية، فعمل على تفريغه من مضمونه لأسباب تخصه، وكانت فكرة البرنامج تقوم على ضرورة مناقشة أفراد الجماعات الدينية في أفكارهم المتشددة، وذلك بعد اغتيال الرئيس السادات، ولم يسلم الأمر من عملية تجريح بعض رموزهم، كما حدث في الحلقة التي استضافوا فيها الشيخ عبد الله السماوي، وجاءوا من تلاميذه بمن يسيء اليه، مما أثار تعاطف المشاهدين معه، لكن في المجمل كانت هناك مناقشة للمعتقدات الدينية، يقوم به شيوخ الأزهر، وإن رفض بعضهم فكرة الحوار مع أسرى في السجون، بما يفقد الحوار الحرية اللازمة، وكان على رأس هؤلاء الشيخ صلاح أبو إسماعيل، عضو البرلمان، ووالد الشيخ حازم!
وهي فكرة أخذت بها جريدة «اللواء الإسلامي» التي كان يصدرها الحزب الحاكم، فكان الحوار أكثر ديناميكية من برنامج تلفزيوني، مقيد بالأستوديو وبوقت محدد، وذهبت «اللواء «بالعلماء إلى داخل السجون، ولم يتوقف حوارهم مع المتطرفين الجدد، لكن امتد مع السجناء في قضايا أخرى، مثل «التكفير والهجرة» الذين اغتالوا الشيخ الذهبي!
وكان برنامج «ندوة للرأي» يقدمه المذيع التلفزيوني اللامع «حلمي البلك» ثالث ثلاثة مثلوا نجوم «ماسبيرو» في هذه المرحلة؛ بجانب أحمد سمير ومحمود سلطان، ولم تكن المناقشات في البرنامج قاصرة على المتشددين في مواجهة الدولة، فقد استضاف ذات حلقة، شباب بسطاء يقودهم شيخ كبير، كانوا يحرمون ركوب السيارات، رغم أن مقرهم كان في القاهرة، وليس في إحدى القرى أو أحد الكهوف في الجبال، واستضاف ذات حلقة من قال إنه «المهدي المنتظر»!
وكان لافتا أن هذا «المهدي» لا يجيد التعبير عن فكرته، فاستعان بمساعد له، تخرج في جامعة الأزهر، وكان خطيباً مفوها، وبرر «المهدي المنتظر» لهذه الاستعانة بصديق، أنه يتأسى بسيدنا موسى عليه الإسلام، الذي طلب من الله تعالى أن يمده بـ»هارون أخي» ومنحت الفرصة لهما كاملة، ثم انبرى لهم شيوخ الأزهر، وأحدهما أستاذ للعقيدة والفلسفة، نسيت اسمه وإن لم أنس هيئته، وكان متمكنا من الموضوع فسحقهما سحقاً، وجعلهما لمن خلفهما آية!
وتمر الأيام، والشهور، فنقرأ في الصحف عن تطور حالة «المهدي المنتظر» إلى ادعاء النبوة رأساً، ولم يستضيفه برنامج «ندوة للرأي» بعد تطور حالته، ربما خشوا من أن تؤدي استضافته مرة أخرى إلى تطور حالته إلى ما هو أبعد. فما أحوجنا الآن إلى برنامج ندوة للرأي، يخضع له «الأستاذ» المنافس للإخوان المسلمين على أستاذية العالم، ويستعين بصديق يعبر عنه لأن مشكلته في التعبير، على النحو الذي يجعلنا لا نعرف ماذا يقول وما يريد قوله على وجه التحديد!

إعادة صياغة المعتقد

لا أعرف لماذا تذكرت هذه الحلقة من البرنامج المذكور، التي كان ضيفها «المهدي المنتظر» وصديقه الأزهري، وأنا أتابع مقولات السيسي ذات ليلة، وقد انطلقت بها لجانه عبر منصات التواصل الاجتماعي، ونجحوا في أن يصلوا بها إلى أن تكون «تريند» عبر تويتر، وكأنهم كانوا جاهزين «بعدة الشغل» وهو يطلب من المصريين مسلمين، ومسيحيين أن يعيدوا صياغة معتقدهم، فقد ولدوا مكتوباً في بطاقتهم مسلم ومسيحي، وهو يريد أن يغير هذه الفكرة، ويرى أننا نخاف من التفكير في المعتقد للوقوف على أنه خطأ أم صحيح!
وقد فوجئت بهذا الحديث، واعتقدت في البداية أنه «خطاب موجه» لا أعرف مناسبته، فلسنا في ليلة القدر أو في شم النسيم، وقد راعني أن هذا الحديث ليلاً، ومنذ أن عرفناه فان احتفالاته كلها صباحاً، حتى ليلة القدر، والتي هي «ليلة» كما هو واضح يحتفل بها في الصباح، ومنذ أن وعينا على ظهر الدنيا «وأبو علاء حسني مبارك» يحتفل بها في «ليلة» السابع والعشرين من شهر رمضان من كل عام، حتى تذكرت السؤال الاستنكاري لأهل الصعيد لمن لا يخرج من بيته ليلاً: «عليك تار»؟! و»التار» عامية «الثأر»!
وأن يخاطب السيسي الجماهير ليلاً، فهو لعمري «الخبر» بلغة الصحافة، بغض النظر عن ما قاله. وفي الصباح ذهبت لقناة النيل للأخبار (لم يعد اسمها هكذا) وقد راعني عدم التطرق إلى هذا اللقاء، فهل الضجة التي أثيرت ضد هذه الدعوة الغريبة «إعادة صياغة المعتقد» كانت سبباً في تجاهله، أم أن التجاهل كان سببه أن القائمين على «ماسبيرو» لم يحصلوا بعد على الموافقة بإذاعته؟!
بعد البحث والتنقيب، توصلت إلى أن المقولة المثيرة للجدل، والتي ضجت منصات التواصل بالسخرية منها، ليست خطاباً، لكنها جزء من مداخلة له في برنامج «عزة مصطفى» في قناة «صدى البلد» وهي واحدة من القنوات الخاصة، التي نجت من وضع السلطة يدها عليها ولا تزال مملوكة لرجل الأعمال «محمد أبو العينين» وهي مداخلة لها دلالتها، وتتفق مع سياقه، فمرة في قناة خاصة، وأخرى في قناة سعودية مع عمرو أديب، وفي انتظار مداخلته القادمة مع القناة الإماراتية «تن». حيث يتجاهل بشكل لافت التلفزيون الرسمي للدولة (ماسبيرو) ولا يجوز القول لأنه خارج المنافسة، لأنه من يعين قياداته الفاشلة، ولأنه من مكن شركة الأجهزة الأمنية (المتحدة) من وضع يدها عليه تحت عنوان «تطويره» فماذا فعلت في مهمتها، هل فشلت؟! فمن إذن يحاسب على المشاريب؟!
المؤكد أن من سيحاسب عليها هم الأسرى، الذين لا حول لهم ولا قوة، في مبنى زاخر بأصحاب الكفاءات المهنية، والذين هم ضحايا لمراحل الفشل، وهي مراحل تصبح كفاءة المرء فيها عبئاً عليه، والأمور تتجه للتصفية، فالإدارة تفتح باب الانتداب والإجازات، والخروج المبكر على التقاعد!

ثقيلة الحركة جامدة الملامح

ما علينا، فقد عادت الأستاذة «عزة» من الفاصل وضيفها السيناريست عبد الرحيم كمال، لتحاول تمثيل المفاجأة بتلقيها اتصال من «السيد الرئيس» الذي خاطبها بـ «الأستاذة عزة» وأثنى على ضيفها ووعيه باعتباره المحتكر الأوحد لعملية الوعي في منطقة الشرق الأوسط. حاولت «الأستاذة عزة» أن تمثيل الشعور بالدهشة لكنها لم تنجح لأنها ثقيلة الحركة، وجامدة الملامح، وبطيئة الاستجابة، وتصلح أن تكون ناظرة مدرسة، أو مديرة بالشهر العقاري!
وهذا الفشل في تمثيل الدهشة، بل والسعادة بهذا الاتصال المفاجئ، يؤكد في جانب منه أنها مداخلة متفق عليها سلفاً، على الأقل خلال «الفاصل». وكان اللافت لي أن المداخلة استمرت لمدة ربع ساعة، لكن دعاية قومه لم تكن إلا في حديثه عن «إعادة صياغة المعتقد» ويبدو في مداخلته، أنها كانت الهدف، وأن ما سبقها كان تمهيداً للوصول اليها باعتبارها النقطة الفارقة لديه، وهو يطلب من المصريين، مسلمين ومسيحيين، ألا يخافوا من التفكير للوصول إلى صحة الدين، وعدم الاكتفاء بما هو مكتوب منذ الولادة في «البطاقة» في خانة الديانة، وهذا يتفق مع رؤاه بأنه يملك الحقيقة المجردة، وأنه مسؤول عن دين المصريين!
الأمر الذي تذكرت معه، حالة «المهدي المنتظر» في برنامج «ندوة للرأي» وودت لو عاد البرنامج واستضافه مع الاستعانة بصديق يعبر عنه قبل أن تتطور الحالة، لكني تذكرت أن المناقشة التي تمت لجناب المهدي لم تمنع من تطور حالته، حيث ادعى النبوة!
مالك ودين الناس؟!

 صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية