“الموتى لا ينتحرون” رواية الفلسطيني سامح خضر: انكسارات الأمل في ترميم ضحايا الخذلان

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
0

من دون أيّة رمزية أو تماهٍ مع مفردة “المغتصَبة” المحفورة عميقاً في اللاوعي الجمعي للفلسطينيين، عن فلسطين، (حيث لا حاجة لذلك، إذ ستَرِدُ على ذهن القارئ في كل الأحوال)، تفتح رواية “الموتى لا ينتحرون” للروائي الفلسطيني سامح خضر، البابَ على واقع اغتصابٍ صادمٍ آخر. إنه يتجاوز فعل جريمة الاغتصاب، إلى فعل التستّر على الجريمة، من الأهل خوفاً من العار، ومن ردود الفعل الاجتماعية التي تتجنب إدانة ومحاكمة المغتصِب، وتنبذ الضحيةَ لتصيبها بطعنات تكرار الخذلان، وتضعَها وفق فلسفة الكاتب، على حافة الموت، انتحاراً إن لم تدرك أنها ميتة فعلاً، بفعل ما جرى عليها، وأنها كميتة لا تستطيع الانتحار.

إلى جانب ذلك تفتح هذه الرواية، من خلال فدائيّ فلسطيني عانى مرارة خروجه مع المقاومة إلى المنفى من بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية نهاية سبعينات القرن الماضي، كوّةً على خذلانٍ آخر. معه تجري محاولةٌ يصبغها الحب بالأمل، لترميم النفس المخذولة من خلال ترميم جرح خذلان الآخر، وعبر تجنب الوقوع في هوة الانتحار كما يقول بطل الرواية المقاتل السابق لبطلتها المغتصبة:

“كان يمكن لأناس مثلنا أن ينتحروا، البعض ينتحر لأنه بات مقتنعاً أنْ لا سبب للأمل. لكننا لا ننتحر لأننا ببساطة لا نريد أن نكون ضحايا مرتين: مرّة بيد الغير، وبأيدينا مرّة أخرى. راودتني ذات مرّة فكرة الانتحار، لم أفلح فيها لأنني ببساطةٍ ميت. متّ يوم ماتت أسرتي، ومتّ يوم ألقيتُ سلاحي، ومتّ يوم خرجت من بيروت. ربما عطّل الموت الصغير المتكرّر في حياتنا فكرة الانتحار الكبيرة”.

 “الموتى لا ينتحرون” روايةٌ جريئةٌ بالموضوع الذي تطرحه. ورغم أنها تتناول شقّي ضحايا الخذلان، الرجل والمرأة، في علاقة حب ّجميلٍ يرمّم انكسارات النفس، إلا أنها تركّز على شقّ ما يدعى سِفاح القربى أو زنا المحارم في فعله الأكثر شناعة/ الاغتصاب. الجدّ هنا لا يكتفي باغتصاب زوجة ابنه المتوفي، تحت تهديد التشريد لها ولأولادها إن مانعت، بل تتجاوز جريمتُه الوضاعةَ إلى اغتصاب حفيدته المراهقة، وقتل حفيدته المراهقة الثانية عند رفضها الانصياع لوساخة رغباته.

الحكاية تبدأ بفتاة مطرودة من بيت جدّها الذي كانت قد لجأت إليه مع أمها وأختها وأخيها، بعد وفاة والدها بحادث مأساوي، ويتكشف من خلال ذكرياتها ومصارحاتها لحبيبها عن ماضيها أنّ جدها طردها بموافقة أمّها، بعد اغتصابه لها والاستئثار بها مع منع تزويجها لسنوات. وتهجر الفتاة بلدَها فلسطين إلى الأردن لفترة، ثم تلجأ إلى ألمانيا التي توفّر لها الأمان والعمل والصداقة، ثم الحبّ الذي يأتي من لقائها بمقاتل فلسطيني سابق ولاجئ مثلها إلى ألمانيا التي منحته جنسيتها مع العمل والحرية. ويتكشف مع تطور علاقة حبّهما إلى الزواج، مدى ما تعرّض له داخل هذه الفتاة المغتصبة من تدمير، ومدى التفهم والمساندة التي تنالها من حبيبها الذي يرمّم ذاته أيضاً من خلال ترميم ذاتها. ويَدخل في هذا الترميم العلاجُ النفسي الذي يتضمن في النهاية ضرورةَ مواجهةِ مرتكب الجريمة، ومحاولة عقابه على جريمته، ولكنْ هيْهات، فالمجتمعات وبالأخص منها العربية تتستّر على جرائم الاغتصاب، وتُحمّل الضحيّةَ في الغالب أوزارها.

وحيث أن هذا الموضوع حساسٌ، ويتناول مستوياتٍ خطيرةً لا تنجو الروايات عادةً من السقوط في فخاخها، فقد تطلّب إنجاز هذه الرواية من كاتبها، كما يبدو، جهداً كبيراً لم يخلُ من اللجوء إلى دراسات الطب النفسي وتجاربه في علاج الحياة الداخلية المدمرة للفتاة المغتصبة. كذلك اقتضى الأمر خوضَ مغامراتٍ في الأسلوب لا تخلو من خطورة الضياع في إبراز الشخصيات، وإيصال تحدّيه في إنجاح روايته إلى جعل الشخصيات الراوية الرئيسية الثلاث تتحدّث عن نفسها وعن الآخر، ورفع هذا التحدي إلى السّرد بلسان الأنثى المغتصبة، وإخراج ما يمور بدواخلها، فيما يقارب ثلاثة أرباع الرواية.

على صعيد البنية الظاهرة، وضع الكاتب لروايته بنيةً بسيطةً تتشكل من واحدٍ وثلاثين فصلاً معنونة بأرقام، من دون أن يُشغل نفسه في هذه البنية بترتيبٍ محكَم للشكل يتناغم مع الموضوع، تاركاً لتطور الشخصيات والأحداث كما يبدو أنْ تقود جريان الفصول. لكنه في المقابل، وعلى صعيد البنية العميقة، وضع لروايته منظومةً سرديةً جريئة، جعل فيها السردَ يتوزع على ثلاث شخصيات تعاني انكساراتَها الخاصة بها. وتسرُد كل شخصية منها، بصورة منفردة في فصلها المخصص وبترتيبٍ تقوده الأحداث، ذكرياتِها ومعاناتِها ومشاعرَها، عنها وعن الشخصيات الأخرى في الرواية، مع دمجٍ ناجحٍ متداخلٍ لسرد شخصيتين معاً في فصلٍ يتداخل فيه الحبيبان في تفكيرهما ببعضهما.

وخاض الكاتب، في منظومته السردية التي أراد فيها الاستفادة مما توفره تقنيات الرواية الحديثة، تحدّي تقمّص شخصية أنثى، عانت وهي في مقتبل تفتحها كأنثى من تجربة اغتصاب غير عاديةٍ تخللها التهديد بالقتل، والعنف، حيث كَسَر جدُّها رسغَ يدها خلال انتهاكه لجسدها. هذا إلى جانب اكتشافها بأن الجدّ كان يغتصب أمّها، ومع خوفها على أختها من معاناة المصير نفسه عندما تكبر، إضافة إلى الطرد من البيت وحيدةً مكسورةً ومخذولةً في عراء أنياب العالم.

ومن أجل التعبير بقوة عن شعور الضحيّة، في روايةٍ تجري أحداثها الحاضرة في بلد لجوءٍ أوروبي، وتتخلّلها الذكريات المريعة عما حدث في الوطن، من مآسٍ تُعطّل سير الحياة، لجأ الكاتب إلى إدخال بعض جمل السّرد بصيغة زمن الحاضر، دون كبيرِ نجاحٍ في ذلك، إلى سرده العام الذي اتبعه بصيغة زمن الماضي.

وباعتبارها رواية حبّ تتخللها مشاعر الصداقة والمساندة الإنسانية، لجأ الكاتب إلى الشاعرية في صياغة جمل السرد: “استغرقني وقت طويل لأنفض وبر الخذلان عن نفسي، حيث تفرّق القادة وخرجنا من خنادقنا كأسراب نمل أضلّها مطر غزير وأعمتها غريزة البقاء عن تفقّد أحوال رفاق السّلاح. يؤلمني استعادة لحظة صعودي على ظهر السفينة التي أقلّتنا إلى قبرص. لم يحترمنا البحر، وجرف السفينة بعيداً إلى وجهتها في وقت قياسيّ. حضنتُ حافّة السّفينة الحديدية وتعلقتْ عيناي ببيروت التي راحت تصغر شيئاً فشيئاً، وكأنّ البحر يعاقبنا على طيش قرار الخروج”. وهذه صياغات تألقت غالباً، لكنّها زادتْ قليلاً في مواضع لا تحتملها طبيعة السرد، لترمي بهذه الزيادة في هاوية الإنشاء.

ولإدراكه بما تعانيه الرواية خلال جريانها من المرور بمناطق تُوقفها أو تدوّرها كدوامات تعيق التقدم، لجأ الكاتب ناجحاً في ذلك إلى أسلوب تشويقٍ ينقذ به روايته، كلما شعر القارئ بأنها وصلت نهايتها، وذلك بإخراج مشكلةٍ ناتجةٍ عن حلّ ما قبلها، مثل إخراج مشكلة عدم استجابة الجسد المغتصَب لفعل الحبّ بعد حلّ مشكلة الاعتراف بالماضي، وتفهّم الحبيب، وإتمام مساندته بطلب الزواج. أو مثل إخراج ضرورة إكمال العلاج النفسي، بالعودة إلى الوطن لمواجهة المغتصب، بعد نجاح العلاج النفسي، وعودة الجسد إلى أُلفَتِه وتناغمِه مع جسد الحبيب. وكذلك الخاتمة الصادمة المتألّقة التي لم تَعدَمْها هذه الرواية، رغم إشكالات إقناعها الروائي في إيصال الأحداث إلى ما تريده، كتتويجٍ لنجاحها في فتح الرواية على ما تريد كشفه من واقع التستر الاجتماعي عن جرائم الاغتصاب التي تحدث داخل العائلة بصورة خاصة، حتى لو تحوّلت إلى جرائم قتل، وإدانة الرواية لهذا الواقع الذي يكرّس الجريمة.

رواية “الموتى لا ينتحرون” هي في النهاية رواية حبّ جميلٍ، مساندٍ ويولّد الأمل، رغم قتامة الأفق وانسداده أمامَ الضحايا، بسواد خوف الأفراد والمجتمعات من التصدّي لجرائم الاغتصاب، والمغتصِبين الذين يحتلّون مراكزَ تحميهم في الغالب، وثرواتٍ وسلطاتٍ تدفعهم للتمادي في الاغتصاب حتى القتل.

وسامح خضر روائي فلسطيني من مواليد القاهرة عام 1976. حاصل على ليسانس آداب لغة إنجليزية، وماجستير في الدراسات الإسرائيلية، وإضافةً إلى روايته هذه أصدر روايةٌ أولى بعنوان “يعدو بساقٍ واحدة”، عن الدار الأهلية في عمان 2015. وهو يعمل حالياً مديراً لمتحف محمود درويش في رام الله.

سامح خضر: “الموتى لا ينتحرون

الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان 2016

168  صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية