هل استعدت الفضائيات العربية، أو تلك الناطقة بلغة الضاد في بلاد الفرنجة، للموسم الأفريقي؟!
يبدو لي أن «الموسم الأفريقي»، وإن لم يبدأ بالانقلاب العسكري في النيجر، فلن ينته بمثيله في «الغابون»، فالحبل على الجرار، وكما كان الربيع العربي مُعدياً، فانتقل من تونس إلى القاهرة، واليمن، وليبيا، وسوريا، فستكون كلمة سر الليل في المسألة الانقلابية هي «النيجر» مع أنه ليس الانقلاب الأول في السنوات الأخيرة، لكنه صار كذلك لاهتمام الإعلام، ولانشغال الغرب به، وهو موجه للوجود الاستعماري لفرنسا من القارة السمراء!
عندما قام السيسي بانقلابه، بدا كما لو كان قد جاء أمراً نُكرا، وعليه كان موقف الاتحاد الأفريقي في قمة الحسم ضد الانقلاب، لكن الأمر اختلف بعد شراء المواقف الأفريقية من جانب دول في الإقليم، بجانب التفريط الذي حدث في ملف النيل، ومنح أثيوبيا موافقة مصر كتابة على بناء سد النهضة، بدون قيد أو شرط، من خلال اتفاق المبادئ، فتم استغلال أول انتخابات صورية بعد عام من الانقلاب، لتغيير الموقف الأفريقي، وتبرير هذا التحول، مع أن ما بني على باطل فهو باطل. بيد أن من حفر حفرة لأخيه وقع فيها، فهذه الأنظمة التي تواطأت مع الانقلاب المصري، بعد أن قبضت الثمن، ستواجه بانقلابات تقتلعها من جذورها، والأمر في غاية البساطة، فهذه الانقلابات لا تتم تغطيتها بإجراء صوري كالذي شهدته مصر!
نهاية زمن الانقلابات العسكرية
عندما حكم الرئيس محمد مرسي، بدت أفريقيا كما لو كانت قد طوت صفحة الانقلابات، ولهذا فقد استقر في وجدان كثيرين أن زمن الانقلابات العسكرية قد ولى، وقال القيادي في الإخوان المسلمين عصام العريان، رحمه الله كلاماً بهذا المعنى، ولعل هذا اليقين، هو ما دفع الحكم الإخواني أن يطمئن ليؤخذ من مأمنه غدراً، وعموماً فإن الانقلاب العسكري في مصر استدعى غطاء مدنياً، قامت به قوى الفشل السياسي، في تحالف «جبهة الإنقاذ»، بجانب الدولة العميقة، لكن الانقلابات العسكرية في النيجر والغابون هي من الوضوح بمكان، حد أنها كانت عبر بيانات عسكرية صريحة، وجاءت حركة الجماهير على إثرها ولم تسبقها! معسكر الانقلاب في مصر، كان في البداية يرى أن أي انقلاب عسكري إنما يمثل له مدداً، لتدشين فكرة أن الولاية في الجيش، وأن الأصل في الحكم أنه للعسكر، لكن لا أعتقد الآن أنهم سعداء بهذه الانقلابات، التي تدشن لمرحلة جديدة، هي ذاتها المرحلة التي كنا نظن أنها انتهت، وكما انتقلت الثورة من تونس الى القاهرة، فما الذي يمنع الآن من وقوع انقلاب صريح وواضح في دول أفريقية أخرى، الموقف الغربي؟
لقد فشل الغرب الى الآن، وسوف يفشل في وضع حد لانقلابي النيجر والغابون، وما يستجد من انقلابات في القارة، فهذا موسمها، لاحظ أن هذا «الموسم الأفريقي» لن يكون قاصراً على الانقلابات، فمؤخراً كان الخبر المهم آتياً من «زامبيا»، بعد واقعة طائرة التهريب التي جرى التحفظ عليها وعلى من هم على متنها عدا المتهم السادس، وللعلم أن «زامبيا» لم تتواطأ بشأنه فقط، فقد مارست التعتيم على مالك السيارة، وهو موضوع يصلح لبرنامج لـ «القصة بقية» الذي تقدمه فيروز زياني على قناة «الجزيرة»، بعد عشر سنوات، عندما يصبح الموضوع ذكرى، وسيكون مثيراً لو أعاد البرنامج فتح التحقيق في واقعة مقتل الفنانة التونسية ذكرى!
غياب الاهتمام الإعلامي بأفريقيا كان سبباً في نجاح مهمة السلطات في زامبيا في التغطية على أمر الطائرة ليومين، قبل الإعلان عن خبر غير مكتمل باحتجازها، يبدو أن مفاوضات كانت خلال اليومين وقد فشلت، مما سهل مهمتها في التستر على مالك الطائرة، والمتهم اللغز. وهنا نكون قد وصلنا بعد هذه المقدمة طويلة التيلة، إلى بيت القصيد، ومربط الفرس!
«بي بي سي» وأزمة مكتب القاهرة
الفضائيات العربية، أو الناطقة بلغة الضاد، ليست مهتمة بأفريقيا، وبالتالي ليست مستعدة لموسم القوم، وأعتقد أن الأمر يسري على الإعلام الغربي في عمومه، فتوشك أفريقيا أن تكون شأناً فرنسياً خالصاً.
ويمكن للمشاهد أن يلحظ عدم الاستعداد لهذا الموسم، من خلال سياسة «ملء الهواء» لتعويض العجز في المحللين، وقبل أكثر من خمسة عشر عاماً كتبت هنا في هذه الزاوية المباركة «فضائيات وأرضيات» عن الخلل في «بي بي سي»، عندما تعتمد في تغطيتها لأحداث المنطقة على الضيوف المصريين، فإذا حدثت أزمة في طهران؛ معنا على الهواء مباشرة الدكتور فلان من القاهرة، الخبير في الشأن الإيراني، وإذا حدثت أزمة في إسرائيل، ومعنا من القاهرة الدكتور فلان الخبير في الشؤون الإسرائيلية، فإذا تعثرت دابة في «أم درمان»، معنا من القاهرة الدكتور فلان الخبير في الشؤون السودانية!
وبقليل من الجهد والإرادة في دفع المستحقات المالية للمحللين يمكن تجاوز هذه العقبة، ليعلق على الحدث السوداني سوداني، والحدث الإيراني إيراني، والحدث في الأرض المحتلة فلسطيني!
الجهد بمعنى البحث عن أسماء للمحللين، والإرادة فيما سبق الحديث فيه، يمكن فهمها من خلال أزمة مكتب «بي بي سي» في القاهرة هذه الأيام الذي دخل في أزمة مع الإدارة نتج عنها الدخول في اعتصام مفتوح، لهذا التميز في الأجور بين العاملين في مصر في القناة وبين نظرائهم في مكاتب أخرى. مكتب بيروت مثلاً، فمن أقنع الإنكليز أن المصري يرضى بقليله، إلا الحرج في الحديث عن أي أمر مرتبط بالمصاري، ولكن، وكما شاهدنا قبل سنوات وعلى الهواء مباشرة، من يطالب بمستحقاته السابقة، فقد سبق للراحل جهاد عودة أن هدد بينما يدلف للأستوديو إنه سيفجر الموقف على الهواء بخصوص مستحقاته السابقة، فتمت تسوية الموقف!
والشيء بالشيء يذكر لست مع جلد مذيعة «بتوقيت مصر» نسمة السعيد، لأنها غطت حدثاً مع اعتصام زملائها، وتصويرها على أنها يهوذا، الذي خان المسيح، ولا أرى أن الأمر يمثل اختراقاً للموقف أو وحدة الصف، ولعل العالق في ذهني من ذكريات الطفولة أن خبر اضراب العاملين في «هنا لندن» لأمر مرتبط بالأجور، كان ضمن نشرة الأخبار، بينما هناك قارئ للنشرة، فلم يكن الاضراب سبباً في توقف العمل بالكامل!
يتردد أن مذيعة «بتوقيت مصر» خالها اللواء ممدوح شاهين، عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والحقيقة إن صلة القرابة لو صحت، فإن المشاهد لا يمكن أن يقف عليها في حواراتها مع المعارضين من القاهرة، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا!
الخبراء في شؤون قارة
ما علينا، فأنا لدي انحياز قديم للإدارة، ولا تقبل شهادة مدير متقاعد في نضال العمال، والمهم فما أخذته على «بي بي سي» قبل سنوات تكرر في عموم الفضائيات، بعد انقلابي النيجر والغابون، وذلك لعدم استعداد الفضائيات العربية أو الناطقة بلغة الضاد من بلاد الفرنجة، للموسم الأفريقي، وشاهدنا خبراء في الشأن الأفريقي من بلاد العرب، هم أنفسهم الخبراء في الشأن السوداني! ولا يعني هذا إلا أنهم من أهل الخطوة، فكيف لإنسان مهما كان عبقري زمانه وفلتة جيله، أن يكون متخصصاً في شؤون قارة بأكملها، صحيح أنه هناك مشترك بين دول القارة، لكن هناك مشتركا أيضاً بين البشرية جمعاء، ولا يوجد متخصص في شؤونها لوجود مشترك بين الكائنات الحية!
ولماذا أفريقيا بالذات يجري التعامل معها على أنها بلد واحد، ولا نشاهد مثلاً متخصصاً في شؤون القارة الأسيوية، أو الأوروبية، فلماذا لا وجود لـ «الخبير الكشكول» إلا في ما يختص بأفريقيا، وهو غالباً ليس من أهل البلد، موضوع النقاش؟
والحال كذلك، فيستحسن البحث عن خبراء وباحثين من هذه الدول، ولو على قاعدة تقسيم القارة إلى غرب، وشرق، وهكذا، فلن يكون مقبولاً الكلام العام في كل مرة، أو كل انقلاب، الأمر الذي يترتب عليه الوقوع في أخطاء جوهرية، مثلما قال أحد الخبراء إنهم ينتظرون تدخل «ايكواس» في الحالة الغابونية، تدخلهم في انقلاب النيجر، ولم ينتبه إلى أن الغابون ليست عضواً في المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «إيكواس»، وكثير من خبرائنا الأشاوس، لديهم يقين أن الغابون من دول الغرب الأفريقي الأعضاء في «إيكواس»!
لا بد من الانفتاح على أفريقيا، فنحن نعيش موسمها!
صحافي من مصر