الموسيقار القطري ناصر سهيم: التأليف للأوركسترا والغناء الخليجي

يمثل الموسيقار ناصر سهيم وجهاً مشرقاً من وجوه الفن القطري في الوقت الحالي، ويعد أحد الذين يحملون في وطنه مسؤولية النهوض بجانب لا يقل أهمية عن الجوانب الأخرى، اللازمة في مسيرة الدول وهي ماضية في تقدمها وصناعة تاريخها، فكما تنهض البلدان سياسياً واقتصادياً وإعلامياً، تأتي النهضة الفنية غير منفصلة عن كل ما سبق. وبالإضافة إلى أهمية دعم الكثير من الأنشطة الفنية والثقافية العربية والعالمية، يكون مهماً ما ينتجه الوطن ذاته من فن وثقافة، وإبداعه النابع من صميم البيئة المحلية وإن اختلط فيما بعد ببيئات فنية أخرى، بما يؤكد قدرته على الالتقاء والتحاور والتفاعل مع العالم بأكمله.
ولد ناصر سهيم عام 1979، وهو مؤلف موسيقي ومطرب، وأكاديمي يحمل درجة الدكتوراه في علوم الموسيقى، يشغل حالياً منصب نائب المدير التنفيذي لأوبرا قطر الفيلهارمونية. له عدة مؤلفات أوركسترالية سيمفونية من مقطوعات الموسيقى البحتة، والكثير من الأغنيات التي يؤديها بصوته ويلحنها بنفسه، بالإضافة إلى مجموعة من التجارب الموسيقية الملهمة التي يعمل من خلالها على تقديم التراث القطري الخليجي، وتوزيعه أوركسترالياً بتناغم هارموني فريد بين الآلات الخليجية التقليدية والآلات الغربية الكلاسيكية. كما قام ناصر سهيم بتسجيل أكثر من 130 أغنية منفردة في منطقة الخليج، بالإضافة إلى مجموعة من الألبومات وموسيقى ومؤثرات لجميع وسائل الإعلام الوطنية في قطر، ويواكب بأعماله الأحداث المهمة في بلاده من مناسبات وطنية وفعاليات ثقافية، وله العديد من الأغنيات في حب الوطن. تعزف مؤلفاته الأوكسترالية محلياً وعالمياً، ويقوم بتمثيل قطر في المهرجانات والفعاليات الموسيقية المهمة في الخارج. إلى جانب التأليف الموسيقي والتلحين والغناء، يعزف ناصر سهيم على العود والبيانو والغيتار، كما يهوى آلة الفلوت ويعزف من حين لآخر على آلة الكمان، وفاز في مسابقة للعزف على آلة العود عندما كان في الثانية عشر من عمره.
يمتلك ناصر سهيم صوتاً جميلاً بمساحة جيدة تمكنه من الإنتقال بين المقامات، وفي أغانيه يقدم اللون الخليجي الذي يميل في أغلبه إلى الغناء العاطفي رقيق الحس، ومن أحدث أعماله الصادرة مؤخراً أغنية «أوهمتني»، ولديه قائمة طويلة من الأغاني كأغنية أجمل حب، أجا الليل، أتنفسك، وأخيراً بتفضالي وغيرها من الأغنيات. كما لديه مجموعة من الأغنيات الوطنية في حب وتمجيد بلاده، وبعض الأعمال التي قدمت في مناسبات معينة، كسيمفونية الرواية التي ألفها من وحي فنون الرواية والسرد.
يعد مشروع ناصر سهيم الفني تجربة موسيقية معاصرة مهمة، تدعونا إلى مواكبتها نقدياً وتجعلنا نحرص على متابعة تطوراتها ومخرجاتها الإبداعية وآفاقها المستقبلية.

الخال فرج عبد الكريم

كان ناصر سهيم قريباً من دنيا الموسيقى منذ نعومة أظفاره، فهو ابن شقيقة المطرب القطري الراحل فرج عبد الكريم الذي عاش في الفترة من عام 1949 حتى عام 1989، وتمكن خلال حياته القصيرة من صناعة العصر الذهبي للأغنية القطرية، بالتعاون مع الموسيقار القطري الراحل عبد العزيز ناصر، ورفيق الدرب والمشوار الشاعر القطري مرزوق بشير بن مرزوق الذي يعد من أهم وأشهر شعراء قطر، صاحب الكلمة الجميلة العامرة بالمشاعر والأحاسيس، والصور الشعرية متسعة الخيال والدلالة، وصائغ الأغنية العربية الراقية التي يستمع المرء من خلالها إلى قصائد بليغة التعبيرات والتراكيب. عمل هذا الثلاثي على تطوير الأغنية القطرية المعاصرة، ودفعها إلى الأمام في إطار البحث في الشكل والمضمون منذ منتصف الستينيات، ما خلق مرحلة فنية مهمة ومؤسسة في تاريخ الفن القطري. كان فرج عبد الكريم بدوره ابناً لمطرب قديم من مطربي الغناء القطري التقليدي، هكذا امتدت فروع الفن من الجد إلى الخال إلى الحفيد ناصر سهيم، الذي يخصص جانباً أساسياً ومهماً من مشروعه الفني لإعادة إحياء تراث الخال فرج عبد الكريم، وتقديم الريبرتوار الخاص به بشكل جديد بعد إعداده للأوركسترا وتوزيعه وفق قواعد الموسيقى السيمفونية.


ومن أجمل ما يقدمه ناصر سهيم من تراث الفنان فرج عبد الكريم، أغنية «أصدر للورق همي»، من كلمات الشاعر مرزوق بشير بن مرزوق، وألحان الموسيقار الراحل عبد العزيز ناصر. قام سهيم بإعداد الأغنية للأوركسترا وتوزيعها وفق القواعد الهارمونية للموسيقى السيمفونية، وغناها بصوته بمصاحبة أوركسترا قطر الفيلهارمونية بإحساس رائع وتعبير بليغ وقدرات صوتية لافتة. في بداية الأغنية نستمع إلى استهلال سريع بنغمات البيانو المتلاحقة، يتبعها التشيللو بنغم حزين أشبه بالتقاسيم، بينما يصاحبه البيانو ببضع ضربات خاطفة من حين لآخر، وجمل موسيقية قصيرة للغاية. تبدأ الأوركسترا بالإنضمام بذروة متوسطة، تؤديها الوتريات محتشدة مع صوت القانون الذي ينفرد بأداء حزين يؤكد حزن التشيللو لكن بتعبير نغمي آخر. بعد ذلك يبدأ الغناء لنصغي إلى كلمات هذه الأغنية الرائعة، النابعة من نفس شاعر يعبر عن أحزانه وعن عملية الكتابة ذاتها وعن العلاقة بين الشاعر وأوراقه، يقول مطلع الأغنية: «أصدر للورق همي وأحزاني… وأخط بحروف مهمومة تواريخ يأسي وآلامي.. مثل عصفور بليا ريش في ليلة شتا تمطر… كده حروفي على الأوراق مخنوقة ما بين الأسطر… وفي حالة ضعف مني أصدر للورق همي».
أوركسترا قطر الفيلهارمونية
تأسست أوركسترا قطر الفيلهارمونية عام 2007 تحت رعاية صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، وتم تكوين واختيار عازفي الأوركسترا من جميع أنحاء العالم، من خلال اختبارات أداء أجريت بمعايير دقيقة وبمراقبة لجنة تحكيم من محترفين موسيقيين عالميين. وقد أقامت الأوركسترا حفلها الافتتاحي عام 2008، ولا تزال حتى اليوم تصدح بأنغام الموسيقى الرفيعة الراقية في سماء قطر، وتؤكد حضورها الدائم بمشاركاتها المستمرة على مسارح العالم المختلفة وكبرى دور الأوبرا والمراكز الثقافية. تتبع أوركسترا قطر الفيلهارمونية نهجاً موسيقياً متوازناً بشكل كبير، حيث تدرك أهمية وجودها في دولة عربية مؤثرة مثل قطر، التي تنتمي فنياً وثقافياً إلى منطقة الخليج العربي، وهي جزء لا يتجزأ من العالم العربي بشكل عام، كما أنها دولة منفتحة على العالم متصلة به بقوة على كثير من الجهات، وتعرف تنوعاً سكانياً في الداخل نظراً لوجود الكثير من المقيمين إلى جانب المواطنين، ولها حضور دولي بارز على أصعدة متعددة. لذلك تعبر هذه الأوركسترا التي تحمل اسم قطر عن كل هذه الخصائص، وتحرص على أن تخاطب الجميع في الداخل والخارج. فهي من جهة تعمل على نشر المزيد من الموسيقى الكلاسيكية في المجتمع القطري والعربي، وتقريب هذا النوع من الفنون الرفيعة إلى من هم خارج دائرة محبيها ومستمعيها، ومن جهة أخرى تقدم إلى عالم الموسيقى الكلاسيكية والسيمفونية موسيقانا العربية، بأنغامها وإيقاعاتها المتعددة من خليجية إلى مصرية إلى مشرقية ومغربية. وتضع إلى جوار آلاتها الغربية المعروفة التي تتكون منها الأوركسترا، آلاتنا العربية من وتريات ونفخيات وإيقاعيات، وتخلق حواراً عميقاً بين الموسيقى الغربية الكلاسيكية والموسيقى العربية، والفولكلور والتراث القطري والخليجي على وجه الخصوص، فتصل الشرق بالغرب وتشبك الماضي بالحاضر في أبهى صورة ممكنة، وذلك من خلال برامجها النشطة على مدار العام، سواء في دار أوبرا كتارا والمسارح القطرية الأخرى، أو في مختلف مسارح العالم ومراكزه الفنية المرموقة.

المؤلفات السيمفونية

في مؤلفات ناصر سهيم السيمفونية تظهر قدرته على صياغة الأفكار الموسيقية الغنية، وبراعة التعبير النغمي وإجادة التوزيع الأوركسترالي بتناغم دقيق. بلا كلمات يصف الموسيقار ناصر سهيم عوالم كاملة في كل مقطوعة من مقطوعاته، ويدون بحروف الموسيقى قصائد من نغم يغوص السامع في معانيها، فهو كفنان يقول كلمته من خلال الموسيقى، ويعبر عن رؤاه وأفكاره وتأملاته الموسيقية والإنسانية. في مقطوعة الحنين على سبيل المثال، يتناول سهيم تلك الحالة الإنسانية التي تتمكن من النفس والروح، ويعبر عنها ويصفها موسيقياً من خلال مؤلفه الأوركسترالي الذي يستغرق عزفه ما يقرب من 8 دقائق تقريباً. في هذا العمل يضم ناصر سهيم آلة العود إلى الأوركسترا، ويعتمد على الهوائيات الخشبية في خلق حالات شعورية على درجة كبيرة من الرهافة. تنطلق الأوركسترا الكاملة وتبدأ في عزف المقطوعة مع إيقاع منضبط مستمر يسير في شكل يشبه المارش إلى حد ما. يكون هذا الإيقاع خافتاً متوارياً في الخلفية، بينما يتصدر اللحن الرئيسي والثيمة الشجية التي تتكرر بتنويعات مختلفة، ودفقات شعورية تزداد كثافة في كل مرة حتى ذروة الختام. كما تحتوي المقطوعة على بعض الإنفرادات الرائعة للكمان، والحوارات الشيقة بين العود والفلوت، ولحظات الحشد الهائل للآلات الموسيقية في الأوركسترا بمجموعاتها المختلفة من وتريات ونحاسيات وهوائيات خشبية. من خلال هذه المقطوعة يقيم ناصر سهيم حواراً رفيع المستوى بين الشرق والغرب، بين إنسيابية الميلودي العربي وشاعريته، ودقة التأليف السيمفوني الغربي، وأثناء التكرار والتصاعدات التدريجية، نكون مع ألوان هارمونية بديعة في أجواء الشجن الرقيق والحنين العاصف. الحنين، مقطوعة موسيقية ذات طابع شاعري تأملي، تتميز بميلوديتها الجاذبة التي لا تملها الأذن وترغب في تكرار الاستماع إليها.
وفي مقطوعة الفصول الأربعة التي تعد من أشهر مؤلفات ناصر سهيم الموسيقية، ومن أكثر المقطوعات التي تم عزفها عالمياً، نجد توظيفاً رائعاً لآلات الإيقاع في الخلفية، والهوائيات الخشبية من أوبوا وفلوت وباصون. يستغرق عزف المقطوعة ست دقائق، وتبدأ بمقدمة هادئة حالمة بأنغام بطيئة ممتدة تصدرها الوتريات وبعض النحاسيات والهوائيات الخشبية، تمهد تلك المقدمة لظهور ثيمة بديعة ترسم خطاً ميلودياً ينساب رائقاً، تتكرر الثيمة بتلوينات جديدة وتنفتح على تصاعد متوسط القوة، ثم يتم تلخيصها والإنطلاق نحو اتساع موسيقي، يشمل حشداً لآلات الأوركسترا كلها مع بروز لصوت الفلوت من حين لآخر، وكذلك الباصون الرائع بمصاحبة ضربات الإيقاع الخفيفة الرشيقة. بعد لحظات من التأمل الموسيقي فيما يشبه الإرتجال، تعود الثيمة الرئيسية في الجزء الأخير من المقطوعة وتصعد نحو الختام بذروة هائلة.
أما مقطوعة روح المقام، فعندما يصغي إليها السامع يجد نفسه أمام عمل موسيقي فريد وتجربة نغمية جديدة، تمتد المقطوعة إلى سبع دقائق في تبدلات مقامية مستمرة، وتبدأ بصوت الوتريات وانفراد قصير لآلة القانون، بمزيج مدهش بين الإحساس العربي للموسيقى والأنغام الكلاسيكية السيمفونية. بعد جملة موسيقية غربية شديدة الكلاسيكية، يدخل الصوت الخليجي بقوة معلناً عن حضوره الواثق من خلال مجموعة الإيقاع، حيث يجلس عدد من العازفين ممسكين بآلات إيقاعية تقليدية من قطر ومنطقة الخليج، طبول مميزة بأحجام وأشكال مختلفة، ويأتي القانون المنفرد مرة أخرى بمساحة أكبر من السابقة. تصمت الأوركسترا للحظات كما لو أنها تستمع إلى القانون وآلات التوقيع الخليجي، إلى هذا الصوت الجديد عليها، بعد ذلك تنضم الأوركسترا إلى هذه الآلات، وتعود تدريجياً وتشتبك مع اللحن العربي والإيقاع الخليجي، ويأخذ التناغم بينهم في الإزدياد والتصاعد ويصل إلى مرحلة التفاعل، ويحتكم الإندماج والتمازج بعد لحظات التعارف والإكتشاف. هنا تنتقل الموسيقى إلى إيقاع شديد الحيوية والمرح والجمال، ونشوة الفرح والسلام الإنساني، يسود ثراء نغمي مدهش وميلودية مبهجة، تعود الثيمة الغربية شديدة الكلاسيكية مرة أخرى، كفاصل يؤدي إلى انتقال مغاير نحو أجواء وإيقاعات جديدة في القسم الأخير من المقطوعة، حيث الإيقاع السريع واحتشاد كامل الأوركسترا وتصاعد الأنغام، وتضاعف الاشتباك بين الإيقاع الخليجي والألحان العربية مع الخط الميلودي الكلاسيكي في ختام مذهل. روح المقام، من أجمل الأعمال التي يمكن الاستماع إليها، ومن التجارب الموسيقية المهمة واللافتة للغاية، فهذا الإلتقاء والإجتماع بين عالمين موسيقيين مختلفين، الذي قد يظنه البعض صعباً أو مستحيلاً، يكتشف مدى إمكانيته وقوة جمالياته.

الفولكلور القطري في رحاب الأوركسترا

يقدم ناصر سهيم الفولكلور القطري والموسيقى التراثية المحلية القطرية إلى أسماع العالم بلغة الموسيقى السيمفونية، مثل رقصة «الليوا» على سبيل المثال، وهي رقصة قطرية تقليدية يختص بها الرجال، حيث يرقصون على إيقاع مميز ويصاحبهم غناء الكورال. يحضر هذا الفن في الأفراح والأعياد والمناسبات الاجتماعية المختلفة في قطر. وكذلك فن «العاشوري» الذي تختص به النساء، وفن «الفريسة» من العاشوري ورقصة الفارس، والمعروف أن منطقة الخليج بشكل عام تعد خزاناً للإيقاعات والمقامات الموسيقية الفريدة والمتنوعة، وألوان الفنون الموسيقية المتعددة المرتبطة بالبيئة المحلية والمهن القديمة في عصر ما قبل النفط، كصيد اللؤلؤ ورحلات الغوص، ومن تلك الفنون فن «العدساني» الذي يقدمه ناصر سهيم أيضاً بمصاحبة أوركسترا قطر الفيلهارمونية. يرتبط هذا الفن بالبحر، ويعتمد على الغناء الجماعي بطبيعة الحال والصوت المنفرد أيضاً، حيث تردد المجموعة بعض المقاطع التي تحتوي على ذكر الله والمديح النبوي، وبعض النداءات المتكررة بأصوات معينة مثل أولويا، وتكون بداية العدسانية كأنها بداية الرحلة «مسافرين في أمان الله»، ويتم ترديد لفظ الجلالة على إيقاع ديناميكي معين، هو إيقاع العمل الجماعي على متن السفن والمراكب، في ظل التعاضد والتوكل على الله في مواجهة الصعاب والمجهول، أثناء رحلة السعي طلباً للرزق وبحثاً عن النعم.
يمثل القسم الأول من العدسانية إنطلاق الرحلة والتطلع إلى الخير المأمول، حيث يغلب النشاط والتفاؤل واليقين في الله، بينما يمثل القسم الثاني المشقة والصعوبة، فتزداد الموسيقى ثقلاً وتتكثف أحزانها، ويتحول الغناء الجماعي إلى ما يشبه الهمهمة التي تعبر عن الجموع المتعبة المنهكة على ظهر السفينة، ويقوم الغناء الفردي بذكر الليل والوحدة وثقل الوقت الذي يمر بطيئاً قاسياً، وما يعانيه البحارة والغواصون في ظلمات البحر. أما القسم الثالث والأخير من العدسانية، فيتكون من موسيقى سريعة حيوية، توحي بالنجاة وإتمام المهمة والعودة المجبورة.

كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية