المولد النبوي المحمدي الشعيرة الدينية والوظيفة السياسية

أحمد الأغبري
حجم الخط
1

صنعاء ـ «القدس العربي»:  يُجسّد اليمن في علاقته بالاحتفاء بالمولد النبوي الشريف في الأعوام الأخيرة ما هو عليه حال الأمة من انقسام تجاه هذه الشعيرة الدينية، ففيما تُحييها جميع الأنظمة كإعلان، تحييها أنظمة أخرى كتظاهرة بمشاركة شعبية، وهو الانقسام الذي صار إليه المذهبان الشيعي والسني في علاقتهما السياسية بهذه الشعيرة.

يمثل اليمن بشقيه اليوم الموقفين المختلفين في الاحتفاء بذكرى المولد النبوي؛ فالموقف المؤيد ممثلًا في مناطق سيطرة «أنصار الله» والموقف المبدّع للاحتفاء بها ممثلًا في مناطق نفوذ الحكومة المعترف بها دوليًا. ولا يعني ذلك خلو أي من مناطقهما ممن يحتفل وممن لا يحتفل بالمناسبة.
على كل حال، تمر ذكرى المولد النبوي الشريف هذا العام في مرحلة استثنائية تعيشها الأمة العربية والإسلامية، لاسيما وقد كشفت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة أن الأمة تعيش أسوأ حالاتها في علاقتها بقضاياها المصيرية.
لم يسبق أن شهدت الأمة العربية والإسلامية في تاريخها الحديث ما تعيشه اليوم من تقاعسٍ وخنوع زاد معه تعنت الاحتلال الإسرائيلي وإصراره على ارتكاب المزيد من الجرائم، والتي هي في الحقيقة جرائم تستهدف صميم كرامة الأمة، وكما تؤكد ردة فعلها فإن هذه الأنظمة باتت تدور في فلك الزمن الإسرائيلي.
يأتي إحياء ذكرى المولد النبوي في مرحلة عصيبة من تاريخ الأمة، وكان يمكن مع خصوصية هذه المرحلة البائسة أن نتجاوز الاختلاف الفقهي والسياسي بين المذاهب تجاه إحياء هذه الذكرى؛ لأن إحياءها دينيًا وسياسيًا وكل المناسبات الوطنية والدينية بعيدًا عن التطييف والانقسام بات مهمًا، على الأقل لمداواة ضمير الأمة مما أصابه وأظهره من خنوع تجاه مأساة غزة، التي كشفت أن الأمة لم تعد بخير، بل هي في أمس ما تكون إلى ما يذكرها بواجباتها والتزاماتها واستشعار المسؤولية تجاه هُويتها، التي تتعرض اليوم لهزات لم يسبق أن تعرضت لها وعاشتها الأمة في تاريخها المعاصر بعد نكبة 1948 ونكسة 1967.
في اليمن تشهد المناطق الواقعة في نطاق سيطرة «أنصار الله» احتفالات تُحيي هذه الذكرى التي تتزامن هذا العام مع دخول اليمن جبهة إسناد لغزة، من خلال ما تقوم به القوات الموالية للجماعة من عمليات بحرية واستهداف مباشر في عمق المناطق المحتلة؛ وهو أمر وإن كان فيه اختلاف يمنيّ (سياسي في جوهره) إلا أنه يبقى في الأخير موقف يُحسب لليمن، وبالتالي فإن استغلال هذه المناسبة لمنح هذا الموقف مزيدًا من الثناء لا يكفي بقدر ما يحتاج الابتهاج بذكرى المولد النبوي إلى تعزيز القيم التي جاء بها الإسلام على صعيد التكافل والتراحم والتعاون؛ وهي قيمة جليلة باتت الأمة اليوم في حاجة ماسة إلى تمثلها بما يتجاوز اتفاقيات الدفاع المشترك التي لم يعد منها شيء تتذكره الأنظمة؛ فاستشعار العرب والمسلمين كشعوب لواجباتهم تجاه بعضهم أمر في غاية الأهمية؛ وهو ما يجب أن يكرّسه الاحتفال بالمولد النبوي وكل مناسبات وأشكال الاحتفال التي تشهدها بلدان الأمة.
فبالإضافة إلى كون إحياء هذه المناسبة جزءًا من الهُوية ومعبرًا عنها، فهو يكتسب في هذا الظرف أهمية إضافية من حيث استخدامه وغيره من المناسبات لإعادة توجيه بوصلة الوعي العربي والإسلامي باتجاه فلسطين، بما يسهم في وضع حد لعربة التطبيع مع إسرائيل؛ لاسيما ونحن نعرف أن فلسطين لم تعد أولوية في حسابات الأنظمة العربية والإسلامية، استجابة لمصالح علاقاتها بإسرائيل، وانطلاقًا من ضعف مراكزها في علاقتها بشعوبها؛ ما يجعلها بحاجة ماسة إلى ما يدعم بقائها، وهنا باتت إسرائيل قناة عبور هذه الأنظمة وفوزها بالرضا الأمريكي.
المؤيدون للاحتفال بالمولد النبوي ويتصدرهم الشيعة يستدلون بنص قرآني يقول «قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون»؛ وهي آية يرفض تأويلها بهذا الاتجاه الرافضون للاحتفال بهذه المناسبة، والذين يعتبرون الاحتفاء بها بدعة لم يرد فيها نص قرآني أو سند نبوي واضح، بينما يرى المؤيدون لها إنها مناسبة للابتهاج بنعمة الإسلام من خلال التذكير بسجايا وشمائل النبي، وبهذه المناسبة عليهم إظهار الفرح والابتهاج، كما ورد في النص القرآني حد تأويلهم له.
كما ينتقد المؤيدون لإحياء هذه المناسبة إحياء الرافضين لها لمناسبات لا علاقة لها بالهُوية العربية. وفي الوقت ذاته يقول الرافضون للاحتفال بهذه الذكرى إن الاحتفال الشيعي بها لا يخلو من أهداف سياسية ضيقة.
نخلص إلى أن هذا الاختلاف يؤكد مدى الهوان الذي استسلمت له الأمة؛ إذ كان لا يجدر بها أن تقع في هذا المأزق؛ فالابتهاج بمولد النبي لا ينبغي الاختلاف حوله، ما دام لم يخرج عن دائرته الدينية والثقافية من دون تعد، فمن أراد أن يبتهج فليبتهج بدون تعد، ومن أراد أن يمتنع فله ذلك بدون تعد، لكن رسميًا يمثل إحياء هذه المناسبة، في هذه الظروف حاجة ماسة، لأن الهُوية باتت بحاجة إلى ما يضمد جراحها، ويُعيد الاعتبار لعلاقتها بمقومات ثقافتها. كما يمثل الاحتفاء بالمناسبة وكل المناسبات الوطنية والدينية إعادة الاعتبار للإسلام الصحيح القائم على التسامح والتعايش والقبول بالآخر ورفض التطرف وتسييس الدين وتديين السياسة، وفي هذه الحال سيكون الجميع قد تجاوز خندق الانقسام المذهبي والسياسي والطائفي وانفتحوا على الوطن والهُوية والإنسان والتزموا القضية المركزية للأمة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية