المومياء اليمنيّة المكتشفة ولعنة الحرب

صنعاء «القدس العربي»: عُثر مؤخراً، في إحدى ضواحي صنعاء، على مقبرة لمومياء بعد أن عبث لصوص ببعضها؛ وهو العبث الذي طال كهفين ضمن مقبرة كهفية وآثار مستوطنة بشرية مكتشفة في منطقة شملان شمال العاصمة، تعود للعصرين الحجري والبرونزي…في إشارة لما يعانيه التراث اليمنيّ جراء لعنة الحرب المستعرة هناك.

وتم اكتشاف الموقع عبر حفريات أشغال طرقات، وعلى إثر بلاغ من السلطة المحلية، انتقل فريق من الهيئة اليمنية للآثار الذي كشف، عقب المسوحات والتوثيق والرصد، عن عبث اللصوص بمدافن كهفين ومحتوياتهما من المومياوات، مطالباً بتوفير حماية أمنية للموقع قبل البدء بالتنقيب واستخراج محتويات المقبرة المهمة بطريقة علمية. وحسب الدراسات الآثارية فإن اليمن ومصر هما البلدان العربيان اللذان شهد تاريخهما القديم دراية مبكرة بعلم التحنيط. كما صنفا من أفضل البلدان مع تشيلي في ممارسة التحنيط في العالم وفق العديد من الدراسات.

المتاحف

وتمثل معاناة المقبرة المكتشفة امتداداً لمأساة تعيشها المومياوات اليمنية الراقدة في المتحف الوطني في صنعاء، وهو أكبر المتاحف اليمنيّة، ومتحف قسم الآثار في جامعة صنعاء، الذي يضم أقدم مومياء يمنية يعود تاريخها إلى ما بين 3020- 2795 قبل الميلاد. وتعاني جميع المومياوات في المتحفين من توقف أعمال الصيانة والمعالجة الدورية جراء الوضع الناجم عن الحرب المستعرة منذ 2015، ما تسبب بتحلل وتعفن بعض تلك المومياوات؛ جراء افتقار الإدارات القائمة على المتحفين لمواد التعقيم والتبخير والإضاءة وغيرها من إمكانات الحفظ. وتحتاج المومياوات لمعالجة دورية بين كل ستة شهور وسنة تعمل على استدامة البيئة الملائمة لها من درجات حرارة ورطوبة وبرودة وإضاءة مناسبة وتعقيم، يضمن حمايتها من البكتريا والحشرات وغيرها، فضلاً عما تحتاجه من أعمال ترميم ودراسات… وهو ما صار متوقفاً كلية بسبب لعنة الحرب، التي تهدد التراث الثقافي جملة هناك.
وقال مهند السياني، وهو رئيس الهيئة اليمنية للآثار، لصحيفة «القدس العربي» إن المومياء التي تتمتع بهيئة كاملة في المتحف الوطني بدأت بالتعفن للأسف الشديد نتيجة توقف الأعمال الدورية للحفظ، كالتعقيم والتبخير وغيرها من الأعمال التي تحمي المومياء وغيرها من القطع الأثرية، متحدثاً عن أشغال يشهدها المتحف حالياً لإعادة ترتيب وضع مخزونه بالتعاون مع المعهد الألماني للآثار.

المقابر

وفيما تتعرض المومياوات في المتاحف لتهديدات كثيرة جراء ظروف الحرب، فإن ما يرقد منها في المقابر صار عُرضه لتهديدات أكبر جراء ظروف الحرب، من قبل لصوص التاريخ، كما حصل في المقبرة الكهفية المكتشفة في شمال صنعاء في الجبال المطلة على وادي ذهبان، حيث عبث اللصوص بمدافن كهفين وأتلفوا المومياوات (عُثر منها على العظام) بحثاً عن الكنوز، وليس ببعيد ما تعرضت وتتعرض له المقابر الصخرية في كثير من مناطق محافظة المحويت شمال غرب العاصمة، عقب التنقيب عن بعضها، وكان آخرها الحفريات، والنبش الذي تعرضت له عام 2015.

وحسب السياني فإن اليمنيين كانوا يستخدمون في عملية التحنيط عدداً من المواد والمشتقات من النباتات والمواد المتوفرة في البيئة اليمنية مثل، اللبان والبخور والمر والراء والحنوط، بالإضافة إلى مادة الميمياء وغيرها.

مستوطنة أثرية

وعقب تلقي الهيئة اليمنية للآثار بلاغاً بوجود موقع أثري في مديرية معين شمال العاصمة، تم مؤخراً، تنفيذ مسح ورصد وتوثيق آثاري للموقع، حيث وجدوا آثار مستوطنة بشرية ومقابر كهفية عبث اللصوص ببعضها. وأوضح خبراء آثار مطلعون لـ«القدس العربي» أن الموقع المكتشف عبارة عن مستوطنة أثرية قديمة موزعة على نمطين: الأول عبارة عن بقايا أساسات مباني حجرية تدل على نشاط استيطاني يعود لنهاية العصر البرونزي، وبداية العصور التاريخية القديمة، والنمط الثاني عبارة عن كهوف وجروف تم توثيق عشرة منها ما بين كهف وجرف ومقبرة تعود لنهاية العصر الحجري الحديث وحتى العصر البرونزي، وتحديداً إلى ما قبل 3000 سنة قبل الميلاد. ووفقاً للسياني «فقد تم الاتفاق مع الفريق الآثاري على عمل خريطة أثرية للموقع ومن ثم مخاطبة السلطات المحلية والأمنية لتوفير الحماية اللازمة للموقع، ومن ثم عمل التنقيبات العلمية بطريقة علمية صحيحة مع توفر الإمكانات اللازمة والظروف الملائمة، حيث لا تمتلك الهيئة ما يمكنها من القيام بأنشطتها خلال الحرب». يشار إلى أنه في أكتوبر/تشرين الأول عام 1983 عُثر على أولى المومياوات في اليمن في منطقة شبام الغراس (25 كم شرق صنعاء)، ومن ثم توالت الاكتشافات في مقابر صخرية وكهفية وصندوقية. وقد وجدت معظم المومياوات اليمنيّة ملفوفة بالكتان داخل أكياس جلدية، بعضها في حالة قرفصاء في مقابر جبلية وكثير منها وجدت مكفنة بملابسها الأصلية.
وحسب السياني فإن اليمنيين كانوا يستخدمون في عملية التحنيط عدداً من المواد والمشتقات من النباتات والمواد المتوفرة في البيئة اليمنية مثل، اللبان والبخور والمر والراء والحنوط، بالإضافة إلى مادة الميمياء وغيرها. «وتؤكد المومياوات المكتشفة أن لليمنيين القدماء علاقة قديمة بعلم التحنيط ومعرفة مبكرة بأسراره» يقول السياني. وتنطلق أهمية المومياء من كونها، كما يقول أخصائي الآثار عبد الكريم البركاني، أحد المصادر المهمة في كتابة التاريخ، كونها المادة الأساسية التي يُبنى عليها تحديد العمر الزمني بدقة باعتبارها مواد عضوية قابلة للتأريخ من خلال فحص كربون 14.
وأضاف في حديث لـ«القدس العربي» إنه «من خلال دراسة وتشريح بعض المومياوات اليمنية، اتضح أن التحنيط في اليمن القديم يختلف عن التحنيط في مصر الفرعونية من حيث المواد المستخدمة في التحنيط، حيث استخدم اليمنيون مواد أخذت طابعا خاصا باليمن.. وعقب نزع الأحشاء وتحنيط الجثة بتلك المواد كانت تدهن بالطيوب، ومن ثم تلف بقماش الكتان، ومن ثم بالجلد وتوضع في المقابر، وتوضع معها بعض الأواني اعتقاداً منهم أن هناك حياة أخرى بعد الموت، ومن ثم تغلق تلك المقابر بإحكام». ويقول مهند السياني «على الرغم من ذلك مازالت أسرار التحنيط اليمنيّ للمومياء محط الدراسة والبحث كلما عُثر على مقابر جديدة».

مركز وطني

وكانت اليمن أعلنت قبل الحرب عن تأسيس مركز وطني للمومياوات في مدينة الطويلة في محافظة المحويت شمال غرب العاصمة لقربها من أكبر مقبرة صخرية مكتشفة للمومياوات في اليمن، إلا أن الحرب أعاقت استكمال تأثيث وتجهيز المركز، مثلما أوقفت أنشطة الهيئة العامة للآثار.
وتعرض (66) موقعا أثرياً يمنياً للقصف المباشر وغير المباشر من طيران التحالف العربي منذ بدء الحرب، وحسب إحصائية أولية للهيئة اليمنية للآثار فإن جماعات متطرفة مسلحة استهدفت وهدمت ما بين 30 – 35 مسجداً وضريحاً ومزارًا تاريخيًا روحيًا في عموم البلاد منذ بدء الصراع.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية