أحب كتابات محمد غنيمة التاريخية، فهي عادة تُعنى بما هو غائب، أو تكون محفلا لدراسات سابقة، مع إضافات من بحثه ورؤى جديدة، وتتسم بلغة سهلة ممتعة تستولي على القارئ. هو باحث وموثق تاريخي يعمل في مكتبة الإسكندرية. صدرت له كتب مهمة مثل «جمال حمدان وعبقرية المكان» و»عروش تتهاوي» و»ذاكرة النخبة» و»لم يصبه العرش» وغيرها. قرأت أكثرها وكتبت من قبل عن بعضها. هذا كتاب جديد له بعنوان «المَضحكخانة.. سياحة في تاريخ مصر الفكاهي» صدر هذا العام عن دار «الرواق»، التي تنشر تقريبا كل إصداراته. كثيرون كتبوا عن هذا العالم واعتمد هو على أبحاثهم، لكنه لا يقف عند زمان من كتبوا، بل يستمر إلى العصر الحاضر. رحلة مع روح الفكاهة وخفة الظل والسخرية، التي هي سمات أصيلة في الشعب المصري.
المَضحكخانة تعني مكان الضحك، فخانة كلمة فارسية تعني محلا أو بيتا. مكان الضحك هنا يتجاوز المقاهي التي خصصت يوما لذلك، ويشمل الصحافة والبلاد. البداية كانت مع الشيخ حسن الآلاتي أحد أهم الفكاهيين في أواخر القرن التاسع عشر. يحكي كيف استقر مع أصدقائه من الكتاب الظرفاء في مقهى في شارع الخليفة، لتكون مقرا لهم للضحك، وكيف اختاروه ليكون رئيسا لهم، وكيف لا يقبلون عضوا جديدا إلا بعد الاستماع إلى نكته ويقبلونها، ثم كيف انتقلت الفكاهة من المقاهي إلى المجلات والصحف والسينما والإذاعة، والآن طبعا اليوتيوب والإنترنت تتسع للجميع.
تاريخ الفكاهة المصرية قاسم كبير في كل الكتابات المصرية والأجنبية، لمن عاشوا أو وفدوا على مصر. النكتة كانت وما زالت أحد الملامح الكبرى للمصريين. أنواعها كثيرة مثل النكتة القائمة على القافية، أو النكتة الجنسية، أو الطائرة، أو الرمزية وغيرها، وأيضا النكتة البايخة. لقد وُجدت النكت مصورة عند قدماء المصريين على أحجار جيرية أو فخار، في رسوم هزلية أقرب إلى الكاريكاتير المعاصر، ثم صارت مكتوبة. النكتة السياسية سادت جدا خاصة أثناء الاحتلال، أو فترات الظلم. كانت السخرية من أهم أشكال المقاومة للغزاة، وشاعت في العهد اليوناني مثلا، حتى قيل عن المصريين «إنهم شعب ماكر لاذع القول روحه مرحة». من الحكام الذين سخر منهم المصريون الملك الفارسي أوخوس، الذي أعدم كثيرا من المصريين فسموه «الحمار». أما بطليموس الثاني عشر فسموه «الزمّار» لولعه الشديد بالناي. كذلك لقبوا امبراطورا آخر ببائع السمك المتجول، أما القيصر فلقبوه بالنسناس المدلل الصغير.
يمشي الكاتب في التاريخ ليدخل عصر الدولة الإخشيدية ثم الفاطمية والأيوبية ويتحدث عن الساخرين من الشعراء. يقف كثيرا عند بهاء الدين قراقوش، الذي جاء منه المثل الشعبي «هو حكم قراقوش!» وكان في الأصل وزيرا عند صلاح الدين، لكن قيلت فيه الأشعار، وكُتبت فيه كتب مثل كتاب الشاعر ابن مماتي المصري الصعيدي «الفاشوش في حكم قراقوش». يمضي إلى العصر المملوكي والسخرية والفكاهة التي سادت عنهم، فلم يكن المصريون يرونهم غير أرقاء اشتراهم سادتهم بالمال، لكنهم نسيوا ذلك وتكبروا على المصريين. ممن ظهر من شعراء الفكاهة في ذلك العصر «ابن سودون» صاحب ديوان «نزهة النفوس ومضحك العبوس» وهو ديوان بالعامية المصرية. بالطبع يشغل حديث الجبرتي عن الشعراء الساخرين والسخرية حيزا كبيرا من الكتاب. هو الذي أطلق على النوادر والطرائف كلمة «الأضاحيك». يستمر مع شعراء الفكاهة مثل الشيخ عامر الأنبوطي الحارق الهجاء وتقليده لألفية بن مالك، أو لامية بن الوردي، فيحولها إلى هجاء للطعام قائلا: اجتنب مطعوم عدس وبصل.. في عشاء فهو للعقل خَبل» وكثير في هجاء أنواع من الطعام. يقطع بعد ذلك رحلة مع كتب ساخرة مثل «هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف» للشيخ يوسف الشربيني و»روضة أهل الفكاهة» لأحمد الشبراوي وغيرها، حتى يصل إلى عبد الله النديم ويعقوب صنوع. رحلة كل منهما مع المجلات الساخرة التي أصدراها مثل مجلة «البعوضة»، التي أصدرها صنوع بالفرنسية، ثم مجلة «أبونظارة»، ثم مجلة « الثرثار المصري»، التي صدرت بثماني لغات، وكذلك ما أصدره النديم من مجلات مثل «التنكيت والتبكيت» و»اللطائف» و»الأستاذ» والحياة السياسية حولهما في عهد إسماعيل وتوفيق. ما جرى لهما من غضب الخديوي إسماعيل على يعقوب صنوع ونفيه، وكذلك ما جري مع النديم من نفي في عهد توفيق. تأتي بعد ذلك صفحات عن مجلة بعنوان «حُمارة مُنيتي» أصدرها محمد أفندي توفيق، ومُنيته هنا هي حبيبته التي كانت تأتي لمقابلته راكبة حمارا. كيف كان لطيفا ومؤيدا لأحمد عرابي. يستمر مع مجلات أخرى مثل «البعكوكة» التي أصدرها محمود عزت المفتي، وكتب فيها طه محمد حراز، و»ميكي ماوس» أو عبد الله أحمد عبد الله، التي صارت أشهر مجلة ساخرة وصلت مبيعاتها إلى مئة وستين ألف نسخة أسبوعيا. فيها تم تقديم شخصيات مثل «دكتور مكسوريان» و»أم سحلول» و»غني الحرب» و»جعران بيه» و»الشيخ بعجر» و»هواش بن بكاش»، وطبعا نماذج من كلامها ونكتها. كيف توقفت المجلة في الخمسينيات بعد ثورة يوليو/تموز حين ضاقت الظروف السياسية.
يأتي بيرم التونسي شاعر العامية الأعظم، قصائده الهجائية منذ وقت مبكر في الإسكندرية، مثل قصيدة المجلس البلدي، وما فرضه من ضرائب على الناس. القصيدة التي قلّبت عليه الحكومة والتي يأتي بشيء منها مثل «إذا الرغيف أتى فالنصف آكله.. والنصف أجعله للمجلس البلدي» و»يا بائع الفجل بالمليم واحدة.. كم للعيال وكم للمجلس البلدي»، كيف كان يوزع القصيدة على الناس بنفسه، وكيف وزع أكثر من مئة ألف نسخة. وحين أصدر مجلة «المسلة» وضع صورته وتحت اسمه «صاحب قصيدة المجلس البلدي». رحلة بيرم مع الملك فؤاد الذي نفاه بعد هجائه، وقصة النفي ومحاولته العودة مرتين نجح في الثانية. مما قاله في فؤاد «ولما عدمنا بمصر الملوك.. جابوك الإنكليز يا فؤاد قعدوك» ثم رحلة مع مقامات بيرم العجيبة وتعاونه مع سيد درويش، لينتقل إلى فارس الشعر الحلمنتيشي حسين شفيق المصري، أو صاحب «المشعلقات» والعنوان يقابل «المعلقات» في الشعر العربي. ينتقل بعد ذلك إلى رخا والكاريكاتير الساخر. كيف كان هو وصاروخان اللذان نقلا فن الكاريكاتير من التأثر والميل إلى المدرسة الأوروبية والرسم الأوروبي للشخصيات، بعد أن سيطر عليه «سانتس» الإسباني في مجلة الكشكول و»رفقي» التركي في دار الهلال. كيف بدأت تظهر مع محمد عبد المنعم رخا وصاروخان ملامح المدرسة المصرية. اشتهر صاروخان الأرمني الأصل بشخصية المصري أفندي في «روزاليوسف»، وابتكر مجموعة من الشخصيات لا تنسى مثل بنت البلد ورفيعة هانم وابن البلد وغني الحرب وحمار أفندي وسكران باشا وست الدار وغيرها.
أما رخا المصري الأصل فقد حاول وهو في الثامنة عشرة إصدار مجلة «إشمعنى» أثناء وزارة محمد محمود باشا، فلم يعطوه تصريحا. أصدرها دون تصريح فصادرتها الحكومة. مواقف صعبة مَرّ بها حيث دخل السجن في عهد الملك فؤاد بسبب كاريكاتير بتهمة العيب في الذات الملكية. عمله بعد أربع سنوات من السجن في دار الهلال وغيرها، حتى كانت النقلة الكبيرة في جريدة «أخبار اليوم» برسومات يومية أو أسبوعية واشتهرت شخصيته «رفيعة هانم» جدا. كتابه «صور ضاحكة» الذي جمع فيه ما نشره في «أخبار اليوم»، كذلك كتابه الذي يجمع بين الشعر والصور، ودوره الكبير في تأسيس الجمعية المصرية لرسامي الكاريكاتير. يتوقف بتوسع مع برنامج «ساعة لقلبك» لنصل إلى النهاية مع ملاحق عن الصحف الفكاهية والكاريكاتيرية، ولطائف من حياة الفنانين والأدباء في شكل حكايات قصيرة جدا. ينتهي الكتاب الممتع، الذي لم أتحدث عن كل ما فيه تاركا الفرصة للقارئ. الكتاب الذي يجعلك تدرك كيف استطاع المصريون خلق حياة موازية من الفكاهة والسرور.
كاتب مصري