النحت والشعر … ومنى السعودي

إلى جانب أعمالها «شهادة الأطفال في زمن الحرب» 1970 و«رؤيا أولى» 1972 و«نساء الهلال الخصيب» 1978 و«أربعون عاما من النحت» 2007 و«تحية إلى محمود درويش» 2019 و«شجرة العاشق»The Lover’s Tree، كانت قد صدرت لمنى السعودي 1945- 2022 مجموعة نصوص شعرية بعنوان «محيط الحلم (دار المدى، عمان 1992) تضم ثمانية وثلاثين نصا لكل نص منها أجواؤه التي يمتزج فيها الشعر بالنثر، والنثر بالرسم والنحت، مع مقدمة لشيخ الشعراء والنقاد والروائيين جبرا إبراهيم جبرا.
وعلى الرغم من أن منى السعودي لم تقدم نفسها في هذا الكتاب، أو في غيره، بصفتها شاعرةً كبيرة، وإنما بصفتها فنانة اقتصرت تجاربها الممتدة على النحت، إلا أنَّ من يقرأ هذه النصوص بتأمل يكتشف أن الراحلة كانت تخفي في إهابها شاعرةً كبيرةً، وإن لم تتكلف مراعاة الصنعة الشعرية التقليدية، باعتمادها الأوزان، والقوافي، والموسيقى التي اعتدناها في شعرنا العربي منذ عصر المعلقات إلى يومنا هذا. فبدلا من ذلك نجد النصّ الشعريَّ لديها يستعيض بالصور المنحوتة نحتا في رخام اللغة، عن ذلك التناسب الصوتي، والإيقاع اللفظي، فالقارئ يجد نفسه في كل نص من هذه النصوص أمام صورة شعرية مركبة، تمتد من بدايته إلى آخره، في ما يشبه الحلُم، أو لنقل بكلمة أدق: الرؤيا. ففي نص بعنوان (آخ) وهي كلمة توحي من البدء بإحساس مفعم بالتوجُّع، تقول ما معناه، إن الأردن – وطنها- نهر في القلب يجري بين ضفتين كطائر بجناحين، وهذان الجناحان أحدهما يمثل أرضًا ولدت فيها الشاعرة، وثانيهما يمثل تلك الأرض التي تودّ أن تمسح جراحها، في إشارة غير مباشرة لفلسطين. ومع هذا فهي في لقاء صحافي أُجريَ معها ذات يوم، تنفي أن تكون أردنية، أو فلسطينية، وتمتنع عن هذا التصنيف الجغرافي للأنا، لذا:
حين تحاصرني الخرائط والحدود
وحين تشتد الطرق، وتضيء
أسند رأسي إلى صدر
أمي الدمشقية
وأقول: آآآآآآآخ.

في نصوصِها هذه لا مكان للأفكار الذهنية المباشرة، فهي تقدم الصور المبتكرة في أداءٍ يقربها من الجداريات، والأجسام المنحوتة، ولا تحول بين دلالات الكلمات والفيض بعضها على بعضها الآخر، في تراسُلٍ يعبر تعبيرا حيا عن وحدة الوجود. فلا فرق بين الضوء والعتمة، ولا فرق بين المدينة والحجر الذي تحفر فيه ما تنثال به الذاكرة:
لما وجدتُ المدينة بلا قلب
رحلتُ إلى أطرافها
أقمتُ حجرًا أسْودَ
على باب داري، لأتذكَّر دائمًا
أنَّ الظلام عتبة الضوء

ولا تفتأ السعودي تكرِّرُ في هذه النصوص علاقتها الوثيقة والمتينة بالحجر، لا من حيث كونه المادة التي تنجز فيها أعمالها في النحت، لكن من حيث أنَّ الحجارة والكلمات، شيئان لا يختلفان. فهما أداتا تعبير عن الأحاسيس التي تشتعل في حنايا النفس، وفي زوايا القلب المهموم بالعشق، والحب:
لحجارةٍ أنسج منها دموع الفرح
لحجارةٍ أنقش فيها مسرى الروح
لحجارةٍ ألمسُها
فيتصاعدُ بخار العشق
وأصقلها فترقُّ روحي

يتأمَّلُ القارئ تراكيب من مثل دموع الفرح، ومسرى الروح، وبخار العشق، والروح التي ترقّ، فيجد فيها توجُّها لافتا لاستخدامات غير معتادة في الشعر، وفي النثر. فهي من عالم النحت تقتبس رؤيته الخاصة لمفردات القصيدة، ها هي ذي تتعامل مع الحجر، والرخام، فتتحدث إليهما، وتصغي بوجدانها، وفي عُرْفها أن الحجر لا يختلف عن الكائن الحيّ. فهو عندها بهاءٌ، والناس غياب، وهذا ما يجعلها تعود من رحلة التأمل هذه بأغنية:
وفي حنجرتي
أغنيةٌ لا أجد مَنْ يسْمعُها

وفي نص بعنوان «امتلاء البياض» شعرٌ تتوافق فيه الرسوم والخطوط والظلال والأشكال الهندسية المحفورة في الحجر، مع الكلمة بجلِّ ما فيها من عفَويَّة، وسحر، يجعلان من التناقض – أحيانا – دليلا على الوحدة والتجانس بين الأشياء التي يتألف منها الحُلُم:
كلام يشبه الصمت
حجر يشبه الكلام
الدائرة انتظارٌ، والمثلث طريقْ
المربع للواقع، والمستطيل قبر
والحلمُ نباتٌ على أطراف الخطّ

في قصيدة بعنوان «الأرض» وهو عنوان اقتبسته السعودي من قصيدة لدرويش بهذا العنوان، كان قد كتبها في يوم الأرض (30 آذار/ مارس) تشبّه الراحلة الأرض بالأمّ، لا بالحبيبة، ذلك لأن الأمومة عندها أشد لصوقا من الحب بالمعنى الأيروتيكي. فهي تخاطبها خطاب الأبناء الذين لم يعد لديهم ما يمنحونها إياه. وهي – أي الأرض- تبعًا لذلك، لا هي ماض، ولا هي مستقبل، إنها – ها هنا – مجرد ذكرى:
وحين نسأل هل تموت الأرض؟
نَمْحو السؤال لئلا نقعَ في الخطيئة
أما غسان كنفاني، ففي النصّ الموسوم بـ « الذي لم يرحل « قصيدةٌ تقوم على تشخيص الشهيد الفلسطيني في مشهد كوني، فكالنجم هو، أو الشمس، أو الأشجار التي تموج موجًا بالحنين، لقد شاهده أعداؤه، ورأوه في الأفق، فأزعجهم ما رأوه، وما شاهدوه، لذا أرادوا الخلاص منهُ، فنسفوه كما لو أنهم ينسفون جيشا، لا واحدًا:
شاهدوه في الأفق، وكان الأفق طائرا
يحمل رسائل من الشهداء
إلى من سيستشهدون
وكان الشفقُ دمَه اليوميّ
علّمنا أن نرسم به وجوها
ومرايا
وأطفالا

ففي قصيدتيها الأرض، والذي لم يرحل، تؤكد منى السعودي أنها من حيث هي فنانة، رسمًا، ونحتا، وشعرا، فلسطينية القلبِ والهوى. وهذا ليس بغريب. فقد ذُكر أنّ الفنانة التي ولدت في عمان، وعاشت سنوات الطفولة على كثب من الآثار الرومانية، عشقت منذ الصغر الحجارة، والتماثيل، والأعمدة، بما يزينها من تيجان، وحين أنهت دراستها الثانوية في مدرسة ابن زهر، غادرتْ إلى بيروت. وفيها تعرفت بالفنان النحات اللبناني ميشيل بصبوص. وأقامتْ أول معرض لها في مقهى الصحافة عام 1964 وكان هذا المقهى شبيها بملتقى يجتمع فيه إعلاميو النُخْبة من صحيفة «النهار» وغيرها من الصحف اللبنانية. وفي باريس، التي غادرت إليها عام 1965 تعرفت على متاحف الفن، وفُتنت بأعمال بيكاسو، وميرو، وفان كوخ، وجاكوميتي، وبرانكوزي. وفي الأثناء انتسبت للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وجرى اعتقالها هي ورفيق عراقي، وآخر سويدي، بتهمة التخطيط لاغتيال بن غوريون. وكان ذلك في عام 1969وقد استقرت بعد ذلك في بيروت، ولم تغادرها إلا لماما ومن حين لآخر، كتنت تزور عمان وتلبث أيامًا وأسابيع. وقد أنشأت في فندق الماريوت غاليري للفن الحديث بالتعاون مع بعض الفنانين، والفنانات، إلا أنه لم يعمر طويلا. حظيت في بيروت بإعجاب الشعراء، والكتاب، والنقاد، وربطتها ببعضهم علاقات متينة، ومن هؤلاء: أنسي الحاج، وأدونيس، وخالدة سعيد، وإلياس خوري، ونذير نبعة، وسمير الصايغ، وكمال أبو ديب، ومحمود درويش. وفي عمان كانت لها علاقات متينة بغير قليل من الشعراء، والمثقفين، وعلى رأسهم الراحل عبد الرحيم عمر، وزليخة أبو ريشة. ومن العراق ضياء العزاوي. ومن فلسطين كمال بلاطة، وفلاديمير تماري.
ومن المؤسف أنَّ فنانة عالمية، وشاعرةً مبدعةً مثقفة مثل منى السعودي، ترحل عن دنيانا الفانية (16 شباط/ فبراير 2022) دون أنْ تظفر من صحافتنا الورقية، وغير الورقية، بما هو أكثر من النعي الذي لم يتجاوز في أحسن الأحوال بضعة أسْطُر، على الرغم من كثرة الكَتَبَة المتطوّعين للكتابَة النقدية والبحثية عمَّن يستحق، ومن لا يستحق.

ناقد وأكاديمي من الأردن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية