تخيَّل لو أن جمهورية أفلاطون كانت نهاية العالم. هل كان الفلاسفة قد تتالوا بعده يبحثون عن عالم أفضل. تخيَّل لو أن ما كتبه هيغل عن صراع الأفكار كان كذلك، أو ما كتبه كارل ماركس حول صراع الطبقات، أو حتى ما كتبه فرويد في علم النفس. يمكن لأيّ شخص أن يعتنق فكرة ويؤمن بها، لكن لا يعني هذا أن على الجميع أن يقتنعوا بأفكاره.
يوما ما أيام الشباب خاصة بعد هزيمة 1967 تلقفني شخص ماركسي عرفته معتقلات عبدالناصر، وأخذني إلى بيته في حر كرموز، وكنت ناصريا في العشرين من عمري، لكن تائها بعد الهزيمة لا أصدق ما جرى، حكى لي، وكانت هذه أول مرة أعرف ما يقول، أن المعتقلات المصرية عرفت الآلاف من المثقفين والفنانين في الفترة بعد 1952. وأنه لو كان عبد الناصر قد ترك طريق الليبرالية المصرية مستمرا، ما أقدم على أعمال كثيرة كانت أحد أسباب الخراب، ومنها حرب اليمن التي وقعت الهزيمة، وجزء كبير من جيشنا هناك، لكن عبد الناصر اختار طريق الزعيم الأوحد. المهم بعد أن استمعت إليه كثيرا، أعطاني كتاب رأس المال لماركس، وراح يحدثني عن مسيرة الماركسية في مصر وما جرى لأصحابها، رغم أنهم لم يخرجوا من دائرة الفكر. انجذبت بقوة إلى الماركسية، ومع بداية السبعينيات بدأ الماركسيون بعد خروجهم من المعتقلات، ينشئون أحزابا سرية جذبني أحدها، مع عدد من الفنانين والكتاب. صرت سعيدا بما أقرأ وأفعل من مشاركات في المظاهرات قبل وبعد حرب أكتوبر/تشرين الأول، حتى جاء يوم وجدت أن ما أكتبه من قصص قصيرة، يغلب عليه الطابع الخطابي المباشر، وتقفز فيه الأفكار لا المواقف والأفعال، فكنت أمزق القصة وأندهش كيف صرت أخلط بين الفن والمقال هكذا، حتى أدركت أنه لا بد من فصل بين الفكر والروح. يمكن للفكر أن يكون خلفية بعيدة لأحداث القصة أو الرواية، لكن يجب أن لا يظهر في رأي مباشر. تركت العمل السري مع الشيوعيين وابتعدت عن الماركسية ليس لعيب فيها، لكن فيّ أنا الذي كنت أعتبرها نهاية العالم. أدركت معنى النسبية. يمكن أن تبحث عن العدل والحرية والمساواة، لكن ليس من طريق واحد.. صرت أترك مساحة لغيري، فالمهم هو النهاية، وخبرة الحياة تغيّر كل شيء. لا توجد أفكار مطلقة. الوجودية مثلا التي أشعر بأنها كامنة خلف كثير من رواياتي وقصصي، لا تعني أن العالم بلا معنى في حياتي، فأنا أكتب قصة عن شخص ينتظر قطارا، فيمضي العمر ولا يأتي القطار، أو عن رجل يعمل في السكة الحديد مهمته أن يمشي في النهار يتطلع إلى القضبان والفلنكات، فيصلح ما يستطيع مما وقع عليه ضرر بسيط منها، أو يضع علامة بالطباشير للعمال القادمين بعده يقفون عندها ويصلحون الأمر. يمشي كل يوم من الشرق إلى الغرب في الصباح، ويعود بعد الظهر من الغرب إلى الشرق، والشمس دائما في ظهره، وحين فكّر مرة أن يلتفت ليرى الشمس لم تساعده قدماه. أصابته العادة بالنفي. وهكذا في قصص قصيرة أو روايات، لكن هذا لا يعنى أني أفعل ذلك، أو استسلم للفناء، فبعد كتابة القصة أمارس حياتي بما يتفق مع العمر والقوة، مؤمنا بأن الحياة نُوهبَها مرة واحدة فهي جديرة بأن تُعاش! من أين إذن جاءت الأفكار الكلية، وكل الفلاسفة ماتوا، وجاء غيرهم معاكسا لهم أو مطورا. جاءت من النظم الشمولية.. من زعماء النظم الشمولية، ورغم أن أشهرهم داسه قطار الزمن، إلا أنه في بلاد مثل بلادنا، لا يزال رؤساؤنا يرون في ما يفعلون نهاية العالم، بعضهم يصل إلى درجة أنه يتلقى الوحي من الله، طبعا تتسرب هذه الأفكار المطلقة إلى مساعديه، لكني أريد أن ابتعد عنهم، فقد تعبنا من الكلام بلا فائدة، فهم مجبولون على الخطأ، إن لم يكن الخطيئة.
الأمر بالنسبة للفتيات والنساء يدهشني جدا. أعرف أن كل الشرور جاءت من المرأة في الأساطير العجيبة، بدءا من حواء التي جعلت آدم يأكل التفاحة المحرمة، فتم طردهما من الجنة، إلى آلهات الإغريق الثلاث هيرا وأفروديت وأثينا اللاتي طلبن من باريس ابن ملك طروادة أن يختار الأجمل منهن.
سأذهب إلى مشاهد أبسط في الحياة، كثيرا ما أقرأ على السوشيال ميديا عن أجمل طرق الحب، وعن أهم صفات الحبيب مثلا، وأبتسم. فلا أحد يدرك أنه لا قواعد مطلقة في الحب. يمكن جدا لفتاة جميلة وموثرة، أن تقع في غرام شاب فقير، وترى فيه شيئا لا يراه غيرها. الأمر نفسه في الصداقة، فكثيرون يضعون لها القواعد، لكن لا يدرون أن الحياة تحطم كل القواعد، فيمكن لأعز أصدقائك أن لا يسأل عنك في محنتك الصحية أو غيرها، وتنسى أنك أيضا لم تسأل عنه فهو بدوره مريض.
الأمر بالنسبة للفتيات والنساء يدهشني جدا. أعرف أن كل الشرور جاءت من المرأة في الأساطير العجيبة، بدءا من حواء التي جعلت آدم يأكل التفاحة المحرمة، فتم طردهما من الجنة، إلى آلهات الإغريق الثلاث هيرا وأفروديت وأثينا اللاتي طلبن من باريس ابن ملك طروادة أن يختار الأجمل منهن. اختار أفروديت فأوقعته في حب هيلين أجمل النساء وزوجة مينالاوس ملك إسبرطة، فقامت الحرب المدمرة لعشر سنوات. الأمثلة كثيرة أبرزها الصندوق الذي أهداه زيوس لباندورا وأمرها ألا تفتحه، لكنها فتحته فخرجت منه كل الشرور. ينسى الناس حكايات مهمة عن فضائل النساء، من أبرزها انتقام إيزيس من «ست» إله الشر الذي قتل أوزوريس وفرق جسده بين البلاد، فجمعته ونفخت فيه من روحها وأنجبت حورس لينتقم. وطبعا في تاريخ النساء الكثيرات ممن قمن بما لم يقم به الرجال من بطولات، رغم ذلك فالحديث عما يجب أن تفعله الفتاة أو المرأة حين تحب، ودائما تقوله النساء، يتجاهل ما وصلت إليه أحوال النساء في عالمنا العربي، الذي صارت الذكورية شعاره الخفي والظاهر معا، فالحياة للرجل أولا، وما نقرأه عن حوادث قتل الفتيات، أو النساء من قبل الأزواج كل يوم، يؤكد كيف أن المرأة في وضع صعب، فيمكن جدا أن توافق على الحياة مع شخص، لأن السبل ضاقت بها مع أهلها أو مع المجتمع من حولها. حتى ما يقال عن متلازمة ستوكهولم، وكيف يعبد المظلوم من ظلمه أو أهانه أو عذَّبه، يمكن في الحياة أن تقابل العكس، فما أكثر من قابلت من معتقلين خرجوا إلى الحياة، واستمروا في مسيرتهم في المعارضة، حتى لو اضطروا إلى هجرة البلاد، وما أكثر من قابلت من رجال عاديين أمضوا فترات طويلة في السجن بأحكام جنائية، وخرجوا يعيشون حياتهم فأصبحوا رجال أعمال أو مقاولين في البناء وغيره، وأغلقوا دفتر الماضي الذي ربما ينفتح في الليل مع الذكريات، لكنه لم يعد يحدد طريق الحياة. رغم هذا سيظل الكثيرون يتحدثون عن أفكارهم باعتبارها الطريق الوحيد. ربما كما قلت لأن الحاكم يرى أنه صاحب التفكير الوحيد. تستطيع أن تمد الحبل إلى الحياة الأدبية، فهناك عشرات من ورش للكتابة الإبداعية، يصل بعضها إلى الاشتراك نظير مبالغ مالية، لكن في النهاية مهما استمعت إلى محاضرات، فالموهبة هي التي تضع فارقا بين شخص وآخر في الإبداع. صدّق الكثيرون الورش هذه وهذا حقهم، خاصة أن الرواية صارت مغرية، أو كما قلت يوما في السبعينيات، صارت ديوان العرب، حتى أننا نرى الآن من يستأجرون من يكتب لهم، ومن يخرجون إلى الشاشات يتحدثون عن رواياتهم ويظهرون لا يعرفون ما فيها. الحمد لله ليسوا كثيرين رغم احتفاء السذج أو الأبرياء بهم، أو ابتعاد النقد الأدبي عن هذه الظاهر، لكن في النهاية كما قلت تضع الموهبة الحد بين شخص وآخر. لا أنسى عبارة لرسول حمزاتوف في كتابه «داغستان بلدي» يقول فيها «ذهبنا إلى موسكو، عشرون شاعرا ندرس الأدب، فعدنا تسعة عشر ناقدا وشاعرا واحدا». لا يقلل هذا من قيمة النقد، لكنها الموهبة تحدد الطريق للإبداع. وأكرر الإبداع.
روائي مصري