لن تتغير حجوزات تذاكر المنتخب التونسي، ولن يكون هناك تمديد لإقامة البعثة في الدوحة، هذا هو السيناريو “الحزين” الذي يختم المشاركة التونسية السادسة في نهائيات كأس العالم والذي لم يختلف عن سيناريو المشاركات الخمس السابقة، وهنا يأتي السؤال التقليدي: هل كان بالامكان أحسن مما كان؟
الإجابة تأتينا من ليلة القبض على الديكة بعد أداء ترك في نفوس التونسيين شعورا مزدوجا: فرحة بالفوز على أبطال العالم وحسرة كبيرة على ضياع التأهل! الفوز كان جديرا به ذلك الجمهور الذي خطف الأضواء من منتخبه واستحق في ختام هذا الدور أن يتلقى (على الأقل) هذه الهدية من منتخب ترك في النفوس لوعة، وتدخلت عناية تكنولوجيا “الفار” (المتطورة جدا في هذا المونديال وخصوصا لكشف التسلل) وكأنها “تعاطفت” مع الأداء الرائع للجمهور التونسي وبدقة متناهية ضمنت استمرار انفجار بركان الفرح داخل أسوار المدينة التعليمية وخارجها!
كل التونسيين كانوا يدركون جيدا ان منتخبهم لم يذهب الى الدوحة ليعود لهم باللقب أو أن يحل وصيفا أو ثالثا! فقط كان الحلم، وما هو هذا الحلم؟
تصوروا أن شعبا كان يحلم بمرور منتخبه الى الدور الثاني وأن يقطع مع السيناريو “التقليدي” الذي لازمه في أعوام 1978 و1998 و2002 و2006 و2018، فهل هذا بكثير؟ وهل هو صعب المنال ويفوق طاقات المنتخب وامكاناته البشرية؟ طبعا لا، الحلم كان مشروعا و قابلا للتحقيق،
وأثبتت المباراة الاولى ضد الدنمارك أن أجنحة النسور يمكنها أن ترفرف في سماء الدوحة، ولم يبق لها لتوثيق المهمة سوى أن تجتاز رحلة مدتها تسعون دقيقة تنهي فيها “إجراءات” العبور باجتياز منتخب استرالي منهك معنويا من رباعية فرنسية في المباراة الافتتاحية للمجموعة الرابعة!
رَفْرفِة الأجنحة تعطلت بسوء ادارة من المدرب، فالقراءة كانت خاطئة وكلفته نقاط الفوز الثلاث، فضاعت فرصة قيمة لتحقيق الإنجاز. مباراة الدنمارك كانت تتطلب استراتيجية جريئة باختيارات بشرية تجسدها على الميدان، ولم يكن الزاد البشري يشكو من ندرة في هذا السياق والكلام ليس تجنيا على المدرب، أو لجوء لاختيار الحل السهل بتوجيه سهام النقد له. أبدا، التعامل مع المباراة وأجوائها يضع المدرب في قفص الاتهام، شوط أول سيئ، يتبعه شوط ثان لا اجتهاد فيه تكتيكيا ولا تغيير في وجوه أثبتت أنها غير قادرة على قلب الطاولة!
هذا الرأي المتواضع، عززه الوجه الجميل للمنتخب ضد أبطال العالم في ختام رحلته القطرية وهو بالمناسبة أول فوز لتونس على فرنسا. الاسماء التي تجاهلها المدرب ضد الدنمارك (ذكرناها في المقال السابق بعد الخسارة) كانت اليوم أساسية مثل كشريدة ومعلول وبن رمضان اضافة الى الخزري (الذي شارك لفترة قليلة قبل مباراة فرنسا)، وكان هناك اجماع على القيمة المضافة لهؤلاء في التخلي عن التقوقع والحذر الشديد.
ما أنجزه النسور في ختام المشوار، لا يمكن الانتقاص منه بحجة ان ديشان أجرى تسعة تغييرات على تشكيلته، ولعل اقحامه للنجوم في الشوط الثاني يؤكد ان هناك “وجعا” من الخسارة، قد يكون الامر مسألة حفظ “بريستيج الديكة“ في المونديال، ولكن ما يهمنا هو أن المنتخب التونسي حفظ ماء الوجه الذي قد يراه كثيرون لا يغني ولا يسمن من جوع، لكنه يبقى أحلى جائزة للجماهير التي ساندت وآزرت دون هوادة، ويشكل في الوقت ذاته أفضل دعوة لترتيب البيت الداخلي لكرة القدم التونسية، وإعادة النظر في سياسة “انفرادية“ فاشلة يقودها الدكتور الذي حان وقت رحيله، فلا هو يحظى بتقدير الناس واحترامهم، ولا هو رجل المرحلة القادمة للكرة في تونس التي لا بد لها ان تتعافى من مرض “الأنا“ الذي أفقدها الكثير من هيبتها وبريقها.