النفط الليبي ورقة صراع سياسي بين الفرقاء

روعة قاسم
حجم الخط
0

تتربع ليبيا على مخزون هائل من النفط، جعلها تحتل المركز العاشر عالميا للدول المنتجة للنفط. غير أن الازمات التي عرفتها البلاد سواء العقوبات الدولية زمن القذافي أو الأزمة السياسية الحادة بعد سنة 2011 شكلت انتكاسة لتصدير وإنتاج الذهب الأسود. إذ تحولت معضلة النفط إلى ورقة صراع سياسي بين الفرقاء وبالذات ما بين إقليم طرابلس وبرقة. حيث يرى أهالي برقة ومعهم أبناء الجنوب الليبي أنهم لم ينالوا نصيبهم من ايرادات النفط التي أغدقت على إقليم طرابلس سيما وأن الشرق الليبي والجنوب ينتج ما بين 80 و85 في المئة من إنتاج ليبيا النفطي. انطلاقا من ذلك ارتكز الصراع في ليبيا على معادلة النفط ومن يمتلكها وخصوصا بعد أيار/مايو 2014 تاريخ إعلان خليفة حفتر إطلاق عملية الكرامة وما أعقبها من تشكيل قوة عسكرية تمكن بواسطتها لاحقا من توسيع نفوذه.

 وتضم ليبيا عدة حقول لاستخراج النفط هي حقل آمال في منطقة الواحات الليبية، حوض سرت حقل زلطن، حقل الجرف البحري، حقل الشرارة، حقل نفط بري في صحراء مرزق جنوب طرابلس، حقل الفيل، حقل البوري. وفي 20 كانون الأول/ديسمبر 2016 أعلنت شركة النفط الوطنية الليبية أن حقلي الشرارة والفيل قد عادا للإنتاج.

محطات

تتالت محطات الصراع المسلح بين طرابلس وبرقة على الموانئ النفطية، فانقلب آمر حرس المنشآت النفطية على سلطات برقة وطرابلس واستولى على الموانئ لسنة تقريبا وابتز حكومة علي زيدان ماليا. وقد حشد المؤتمر الوطني العام مجموعاته المسلحة عبر عملية قسورة ثم الشروق، لكن قوات حفتر أفشلت الهجوم. ولاحقا شهدت الأعوام الأخيرة من 2015 حتى 2018 جولات من الحرب بين الفرقاء الليبيين على الهلال النفطي. في غضون ذلك أصدر مجلس الأمن عدة قرارات على صلة بذلك الصراع تطالب بتجنيب النفط الصراع الدائر وضرورة إشراف السلطة الشرعية عليه.

بعد آخر حرب على الموانئ أي في آذار/مارس 2018 اتخذ حفتر قرارا بتسليم الموانئ إلى مؤسسة النفط بنغازي.

في ظل تعثر الحل السياسي للأزمة اقتنع حفتر بأن ورقة الضغط الوحيدة تقريبا هي بسط النفوذ على قطاع النفط كاملا، وهذا يتطلب التحرك جنوبا نحو الحقول النفطية مستغلا أزمة حقل الشرارة الذي أغلقته مجموعة   مسلحة فوضها السراج لفك الحصار على الحقل ولكنها فشلت. فاستغل الفرصة وأطلق عملية سماها “تطهير الجنوب” من المجموعة المسلحة التشادية ومحاربة الهجرة لكن الواقع يؤكد أن قوات حفتر ليس في مقدورها السيطرة على الجنوب الشاسع واخضاع كافة مدنه بما ان قبائل التبو تعارضه، لذلك فان تنفيذ عملية عسكرية كتلك تتطلب دعما لوجستيا وهو ما يفتقر إليه جيش حفتر.

ولم تعد ورقة النفط محل صراع محلي فحسب بل موضوعا لصراع دولي. وتجلى ذلك بمجرد سيطرة قوات حفتر على حقل الشرارة (350 ألف برميل يوميا) فالحقل المذكور يغذي مصفاة الزاوية غرب طرابلس أي إقليم نفوذ ايطاليا. بمعنى أن فرنسا وعبر سيطرة حليفها القائد العام للجيش على الشرارة سجلت انتصارا على ايطاليا. وهنا تحركت روما بسرعة عسكرية وسياسية، عسكريا من خلال إرسال قوات خاصة إلى مصراتة، وسياسيا من خلال تحرك سفيرها وكذلك استخباراتيا عبر وصول مساعد رئيس المخابرات الايطالي إلى طرابلس ولقائه السراج.

فرنسا بدورها تدخلت مباشرة من خلال غارات جوية أكدت انها استهدفت المجموعات التشادية، لكن في الواقع كانت من أجل تأمين دعم مباشر لحفتر وتحذيرا لايطاليا.

أزمة النفط وسباق وضع اليد عليه، تجاوز الأطراف المحلية وباتت خيوط اللعبة تحركها الدول الغربية أي ايطاليا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة والأطراف المحلية تتحرك وفق التعليمات الخارجية.

لذلك توقفت قوات حفتر عند الشرارة، وترى فرنسا انها حققت ما تريد وما يريد حليفها حفتر من خلال انتزاع ورقة الشرارة. وبرهنت باريس أن حليفها القائد العام للجيش نجح فيما فشل فيه السراج. ويرى متابعون أن من غير المستبعد أن تكون فرنسا قد تدخلت لدى طوارق-اوباري لإقناع المجموعات المسلحة المسيطرة على الشرارة بالانسحاب وتسليم الحقل لحفتر بدون قتال ولا طلب أموال.

لقد تحول ملف النفط إلى عامل تفريق بين الليبيين وموضوعا لأخطر الاشتباكات المسلحة عوض ان تكون الثروة النفطية عامل تقريب. وهنا يكمن التحدي في كيفية إبعاد الملف النفطي عن الصراع الدائر. فهل في إمكان الفرقاء الليبيين دفع الجهود لإبعاد ملف النفط عن الصراع السياسي والعسكري باعتبار أن تواصل الصراع على الذهب الأسود من شأنه أن يدفع لانفجار حرب أهلية مقبلة وتدخل خارجي عسكري من خلال بوابة الجنوب. إذ تتصاعد مخاطر التدخل الخارجي في ظل رفض قبائل التبو ومرزق دخول قوات حفتر إلى مدنهم وحتى حوض مرزق النفطي. وايطاليا من جهتها لن تبقى مكتوفة الأيدي إزاء تطورات الجنوب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية