النقاب والثقافة… قضية بلا معنى ولكن

بين حين وحين تنفجر في مصر قضايا يعتقد البعض أنها لإلهاء الرأي العام عن الأمور الأكثر أهمية، بينما أعتبرها أنا قضايا عشوائية، ليس المقصود منها شيئا، لكنها تعبير طبيعي عن التردي الذي وصل إليه الفكر. أجل، أتاحت مواقع التواصل الاجتماعي لمثل هذه القضايا أن يكون لها صدى، بينما كان يمكن أن تمر ولا يشعر بها أحد.
آخر القضايا قضية فتاة فنانة تشكيلية منتقبة تقدمت إلى وظيفة مدير قصر ثقافة في مدينة كفر الدوار في محافظة البحيرة، في مسابقة عامة وفازت بالمنصب، وهنا انفجر الأمر. كيف تكون منتقبة مديرة لقصرثقافة؟ قامت وزيرة الثقافة بإعفائها من المنصب، فاشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بين مؤيد ومعارض.
تأخرت أنا يوما حتى حكيت باعتباري كنت موظفا في الجهاز نفسه ـ الثقافة الجماهيرية – لأكثر من ثلاثين عاما. حكيت كيف كنت يوما في التسعينيات أشغل منصب مدير إدارة الثقافة العامة في القاهرة، وهي إدارة معنية بالأدب ونوادي الأدب في المديريات الثقافية في كل مصر. كان شغلها الأساسي هو دعم هذه النوادي ماديا في ما تقيمه من مسابقات أدبية أو مؤتمرات ثقافية عامة أو مهرجانات. في يوم جاءني مدير مديرية محافظة البحيرة، حيث الواقعة الأخيرة، طالبا دعما ماليا لأنه بصدد تنظيم «عُمرة» إلى البيت الحرام لرواد القصر. اندهشت جدا وقلت له إن هذا ليس عملنا. عملنا دعم اللقاءات الثقافية، فانصرف. تذكرت هذه الحادثة حين قرأت عن المشكلة المثارة في المكان نفسه بعد أكثر من عشرين سنة. لم أندهش لأنني أعرف كيف عشش الفكر السلفي المتشدد، والوهابي في مصر كلها، بدعم من الدولة نفسها منذ أيام السادات. قلت إنني مقتنع بأنها فنانة وهذا حقها، لكن تولي منصب إداري لقيادة الفنانين والأدباء لابد سيتأثر بأفكارها السلفية، التي تتعارض مع أشياء كثيرة في الفن، منها مثلا، وهي الفنانة التشكيلية كما يقولون، أنها يمكن أن لا تحب البورتريهات وتميل للفن التجريدي، أو لا تسمح بمعرض لفنان فيه لوحات عارية، كما يقول السلفيون، باعتبار العري في اللوحة الفنية «بورنو» وليس فيه جمال من التكوين أو الألوان مثلا، بعيدا عن البورنو، وأنها لوحة وليست امرأة حقيقية تقف أمامك. ويمكن أن تعترض على أي قصة أو رواية فيها ألفاظ نابية، أو مشاهد تراها نابية، لأن السلفيين يعتبرون القصص مقالات، وليست عملا أدبيا فيه الأخيار والأشرار ولكل لغته. أشياء كثيرة تتعارض مع حريتها في ارتداء النقاب، لأن الفن أوسع حرية من كل شيء والخطأ ليس خطأها لكنه خطأ من سمح لها بالتقدم إلى منصب ستقود فيه أعمالا ثقافية شعارها الحرية، أو يجب أن يكون كذلك. كان يجب مواجهتها بكل ذلك، ربما انسحبت من المسابقة وانتهى الأمر مبكرا بدون ضجة. هي حقا حرة في ارتداء النقاب لكن قماشة الفن والأدب أوسع من أفكار السلفيين!

المشكلة صغيرة جدا لكن خطأ من وافق على دخولها المسابقة جعلها كبيرة. يمكن لها أن تمارس الفن الذي تحبه، لكن بالتأكيد هي كمنتقبة ومسؤولة، ستفرض على من حولها تصورها عن الفنون.

كثيرون جدا رأوا في حديثي نهاية للأمر وإفادة، وقليلون جدا اختلفوا معي أو فهموا ما أقوله خطأ، وتحت شعار الحرية أيدوا الفتاة، ونسوا معنى الحرية في الفنون الأوسع من أفكار السلفيين. خلطوا بين حرية تولي الوظائف وحرية الفنون، وأن هناك وظائف كثيرة لا تتحكم في أفكار الآخرين، وليس من بينها مناصب الثقافة. تناسوا التناقض الرهيب بين الفكر السلفي والثقافة والفنون، وكيف كانت أفكارهم والأفكار الوهابية وأفكار الإخوان المسلمين وراء كثير من القضايا التي رُفعت على أدباء وفنانين.
الأزمة كما حددتها كانت من البداية منذ لحظة قبولها في المسابقة، وأنا لا أعرف المحكمين في المسابقة وثقافتهم أو أفكارهم، لكن أي ممارس للثقافة يعرف أن وراء النقاب فكرا أحادي النظر، لا يرضى بغيره لأحد، ويسعى للانتشار على حساب كل الأفكار الأخرى، باعتباره الدين الحقيقي ولا يهمه شعارالحرية الذي يرفعه الطيبون. طبعا دخلت المناقشات إلى منعطف كوميدي مثل القول بأن حرية النقاب مثل حرية المايوه البكيني، ولا أعرف كيف، فالمايوه يلبس على الشاطئ، وهذا مكانه بينما النقاب يمشي في الطرقات، وموضوع الزي هذا لا يدرك الكثيرون من مؤيدي النقاب أن الازياء لا ترتبط بالدين، إلا في المعابد، لكن في الحياة فالزي ابن البيئة والمكان والزمان. فزي الصحراء غير زي الريف، غير زي المدينة، وزي النهار غير زي الليل، وزي الصيف غير الشتاء وزي الحفلات غير زي العمل وغير زي السهرة وهكذا، ومسألة ربط الزي بالدين الإسلامي نجحت فيها الوهابية والسلفية، رغم أن النقاب قديم في المعابد اليهودية، تسلل إلى الثقافات الأخرى، والحجاب أصلا في الإسلام للتفرقة بين الحرائر والإماء، وأكثر نساء تمت تعريتهن في التاريخ كانوا في أسواق النخاسة الإسلامية، ولا يزالون عند «داعش» ومن لف لفه. تتم تعريتهن كبضاعة جنسية، وتتم تعريتهن لأنهن إماء.
هذا تراث قديم لا مكان له في هذا الزمان، هذا التيار السلفي الرجعي الذي يطالب الأبرياء من المختلفين معي له بالحرية، أمامه آلاف المواقع القيادية، لكن حين يصل الأمر للثقافة فقل عليها السلام. إنه تيار يرفض أي زي آخر ولا يوافق على حرية أحد في اختيار زيه، ويجعله كافرا، ويجعل المرأة السافرة مباحة لأنها تخالف تعاليم الدين، فهل سيوافق على الحرية في الأدب والإبداع؟ ورغم ذلك ففي القضية بالتأكيد نوع من الظلم للفتاة من وضعها في هذا الموقف الحرج، الذي فعل ذلك هو من وافق على دخولها مسابقة لتولي منصب إدارة ثقافية لقصر ثقافة فيه فنون تشكيلية وسينما ومسرح ونادي أدب وموسيقى، وغير ذلك مما لا يعترف به السلفيون في مصر. ورغم أنهم في مصدرهم في السعودية بدأوا يعترفون بذلك، ويبنون دور السينما والمسارح والمراكز الثقافية الضخمة، إلا أنه في مصر لا يزالون على أفكارهم. الحرية لا تعني أبدا أن تعطي مقاليد الأمور لمن يئد الحريات، ولا يؤمن إلا بفكره. يمكن أن أوافق أن كل امرأة حرة أن ترتدي نقابا أو حجابا، لكن من المهم أن أوضح أن ذلك من إنتاج عصر الحريم، وأن خلع الحجاب والنقاب كان مع ثورة عظيمة هي ثورة 1919 أطلقت العنان للمجتمع الأهلي أن يمارس نشاطه في الثقافة والفنون والصناعة، وكانت المرأة في المقدمة من كل هذه الأنشطة، بعد أن تخلت عن الحجاب والنقاب، في إشارة إلى الحرية الحقيقة والخلاص من عصر الحريم. لا أحد يضع الأمور في مكانها التاريخي. سأتراجع واعتبر النقاب حرية لكن هل توافق المنتقبة، كما قلت من قبل على الحرية في ممارسة الفنون والإبداع، وأن يكون المعيار فيها هو الصدق الفني، وليس شعارات مثل، الأخلاق والنصائح أو الإرهاب بالدين أو ما يسمونه بالقيم التي لا تتطور المجتمعات إلا بتطورها.
المشكلة صغيرة جدا لكن خطأ من وافق على دخولها المسابقة جعلها كبيرة. يمكن لها أن تمارس الفن الذي تحبه، لكن بالتأكيد هي كمنتقبة ومسؤولة، ستفرض على من حولها تصورها عن الفنون. يمكن لها أن تكتب الرواية والقصة، كما تشاء، لكنها كمنتقبة ومسؤولة ستفرض طريقتها على الجميع ولن تقبل بغيرها. النقاب هنا لم يأت من الحرية، لكن أتي من قناعة دينية رغم أن مصدرها غير إسلامي بالمرة.

٭ روائي من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية