في بعض الحالات الإنسانية تجتمع في شخص واحد عدة مُتناقضات، بمعنى أن يكون هذا الشخص خير وطيب ومرح، لكنه في الوقت نفسه، مُستهتر وفوضوي وشهواني وغريب الأطوار، تلك هي الصفات التي توافرت في شخصية سعيد، بطل فيلم «النمس» الذي أنتج عام 2000 وكتب له السيناريو والحوار عصام الشماع، وأخرجه علي عبد الخالق، وقام ببطولته محمود عبد العزيز مع مجموعة من النجوم، نهلة سلامة وعبد العزيز مخيون وحسين الإمام وسامي سرحان وسهام جلال.
الفيلم تدور أحداثة حول شخصية سعيد الشهير بالنمس، كونه مولع بالنساء والعلاقات غير السوية، رغم رقة حاله وطيبة قلبه ونقاء سريرته، تلك هي العقدة التي توحي بالتناقض في شخصية سعيد، ابن المنطقة الشعبية وسائق التاكسي، الذي يهوى المغامرات، ويأبى أن يستقر على حال واحد، ويُرجع عدم استقراره إلى سوء الحظ وقسوة أبيه، الذي كان يحاول تقويم سلوكه بالقوة دون جدوى فمات قبل أن يُصلح حال ابنه الوحيد.

تفاصيل كثيرة من هذا النوع دفع بها كاتب السيناريو عصام الشماع، في محاولة لتبرير سلوك البطل من الناحية النفسية والاجتماعية، بيد أن إشارات واضحة وجلية فسرت سلوك سعيد النمس ووضعت شخصيته تحت المجهر، كان أهمها عدم توفيقه في الزواج والارتباط وإحساسه بالدونية لشدة فقرة وخيبة مساعيه الدائمة للارتقاء الاجتماعي وإثبات الذات.
ولعل علاقة سعيد النمس القوية بالرجل التقي الشيخ نجيب، تاجر الطيور (عبد العزيز مخيون) كانت تعويضاً له عن غياب الأب والفقد المعنوي للحماية والكفالة والوصاية الطبيعية، من العائل على ابنه الخارج عن كل الأطر، والحالم بمستقبل أفضل والمتمرد على كل المهن وأشكال أكل العيش والارتزاق.
الشخصية شديدة التركيب والتعقيد من الناحية الدرامية والنفسية، وليس لها من المفاتيح غير شخصية الشيخ نجيب، والفتاة الصحافية التي قابلته صدفة وتعاطفت معه، فأنس لها وأطمئن لها قلبه، على عكس كل شخصيات الحارة، التي يعلم أسرارها وخباياها، وما تفعله في السر والعلن، لاسيما شاهيناز (نهلة سلامة) المرأة اللعوب التي تسعى للزواج من الشيخ نجيب لغسل سمعتها، وضمان الكفالة والإنفاق عليها بسخاء.
هنا يُرسل المخرج على عبد الخالق عبر الشخصيات المؤثرة والأبطال إشارات تُفيد بانفصام مُجتمع الحارة كله، وليس البطل وحده، حيث المرض الاجتماعي يشمل الجميع، والأزمة الأخلاقية تُصبح عامة، ولا يُستثنى منها أحد. غير أن المخرج يقسم الشيزوفرينيا إلى مستويات، منها ما هو واضح وظاهر وفج، ومنها المُستتر الخفي، فهناك مجتمع الهجامة واللصوص ومحترفي النصب والاحتيال، كتلك المرأة التي انتحلت شخصية سائحة أجنبية، وقادت سعيد بالغواية إلى بيتها، وهناك كان الفخ والشرك للاستيلاء على كل ما لديه من أموال، تحت تهديد السلاح الأبيض من عصابات الإجرام والقوادين! كذلك ركز الفيلم على عدة شخصيات رئيسية، أولها الشيخ نجيب، ذلك التقي الورع «الذي كان يقضي معظم أوقاته في العبادة والتسبيح، ويشتهر بين أهل الحارة بالاستقامة، لكنه في نهاية المطاف يتزوج شاهيناز المرأة سيئة السمعة، فيُضاف إلى الشخصيات المزدوجة غير السوية، التي تعاني الكبت والحرمان، وتأتي بتصرفات تعبر عن مضمونها وتكوينها المرضي الدفين. كذلك شخصية شادي بك (حسين الإمام) زعيم العصابة وتاجر السلاح الغامض، الهارب من الأحكام والذي لا يدل مظهره الاجتماعي على إجرامه، بينما هو في واقع الحال مجرم ضالع في الإجرام، يتحدد نشاطه المريب في السطو المسلح وتجارة الممنوعات ولا يتورع عن قتل أعز الناس عليه، زوجته ورفيقة دربه ومسيرته وشريكته في الحياة والنشاط. ومثله سامي سرحان، الرجل الثاني في العصابة الدولية والعليم بأدق الأسرار، والعدو اللدود لولي نعمته شادي بك، ومنافسه سعيد النمس.
الجميع يعيشون في صراع ويتربص كل منهم بالآخر إلا النمس وحده هو الطيب البريء، الباحث عن فرصة حقيقية للخلاص من المشاكل والأعباء، والرافض للمال الحرام، الذي يأتيه فجأة بعد قتل شادي وفناء كل أفراد العصابة.
حكاية بانورامية مُتعددة الأبعاد والمستويات تقدم الوجه الآخر للمجتمع التحتي الخفي، حيث تجارة السلاح والعمولات والمخدرات والدعارة وكل أشكال الانحراف تحت السطح وفوقه، وهو ما يُمثل عالماً آخر يتوه فيه الشخص المسالم البريء البسيط، مهما ادعى الخبرة والذكاء والإحاطة بكل ما يدور حوله، فيما تكشف الحقائق أنه ساذج وسطحي وضعيف وقليل الحيلة، وليس باستطاعته حماية غيره أو نفسه.. كما هو حال سعيد النمس محمود عبد العزيز، الذي عمل (بودي غارد) وعُين حارساً شخصياً لقسمة هانم زوجة زعيم العصابة، بينما عجز هو شخصياً عن مقاومة الشر الذي استهدفه وأحاط به، ولم ينج منه إلا بمعجزة إلهية حالت بينه وبين الموت صريعاً.
كاتب مصري