النوستالجيون الجدد: عالم حقيقي وآخر مُشتهى

حجم الخط
3

يُصارحني أصدقائي بحنينهم إلى «الزمن الجميل» في كرة القدم. فأسالهم ماذا يقصدون من عبارة «الزمن الجميل». فيرد أحدهم بأنه يحن إلى زمن باجيو وروماريو، آخر يحن إلى زمن زيدان ورونالدو نازاريو، بينما هناك من يحن إلى فريق الميلان في قمة مجده، وآخر يحدثك عن زمن المدرب يوهان كرويف. وأجد نفسي غير متفق مع ما يذهبون إليه، فكرة القدم اليوم تطورت أكثر مما كانت عليه في السابق، بل صارت أكثر إثارة من زمن فائت.
في الماضي كان سن الثلاثين يعني بداية العد التنازلي في مسيرة اللاعب، أما اليوم فبوسعه أن يلعب وهو في الأربعين. كنا نعيش زمن النجم الوحيد في الفريق الواحد، بينما اليوم فنحن بصدد فريق النجوم، أحد عشر لاعباً كلهم من أسماء الصف الأول، كلهم تقريبا في مستويات متقاربة من الشعبية ومن حب الناس لهم. في الماضي كنا نشاهد خططاً تكتيكية مكررة، أما الآن فنحن نشاهد فرقاً تغير خططتها ثلاث مرات في المباراة الواحدة، ولا بد من أن ميل البعض في استحضار الماضي ليس له مبرر كروي، بل إن ذلك الصديق يحن إلى طفولته أو سنوات المراهقة الأولى، إنه نوستالجي يود إعادة عقارب الوقت إلى الوراء. حين يستعيد صورة روماريو فهو يستعيد ألبوم طفولته، في حقبة كان فيها يعيش من غير هموم أو مسؤوليات، كما هي عليه الآن، وحين يتذكر كرويف فهو يتذكر نفسه حالماً وغير مرتبط بالتزامات.
في كل مرة يعود فيها الإنسان إلى صورة من الماضي فهو يود ـ فقط ـ الهروب من حياته الراهنة، يريد أن يخبرنا بأنه لم يعد يحتمل الحاضر وثقله، لا يصبر على ضغط مصاعبه اليومية، ويود أن تعود كرة الزمن إلى الخلف، إلى نقطة البدايات، فيعيش حياة خالية من المشاكل، أو بمشاكل أقل. فكلما تقدم الإنسان في العمر زاد اشتباكه مع محيطه المعيش، وشعر بضعفه في مواجهة ما يفرضه عليه من واجبات. إن الذين يتحدثون عن زمن جميل لكرة القدم، إنما هم أشخاص يتوجهون بالكلام لمن في سنهم. وهكذا تدور عجلة الأجيال. فشخص آخر من سن أكبر سيتحدث عن زمن جميل نسبة إلى مارادونا، أو منتخب إيطاليا في الثمانينيات، ومن يكبره سناً سوف يتحدث عن زمن بيليه وغارينشا، وإذا واصلنا الاستماع إلى الجميع، فسنفهم أن كل شخص يتعلق باله بذكرى طفولة، يود الانحباس فيها، مثل جني لا يريد الخروج من قمقمه، ألا يخرج منه فتنغرس في عنقه مخالب الحياة الحالية. إنها محاولة فاشلة في الهروب من تكالب الواقع على الفرد، فبدل أن يعترف بحاله يحاول المواربة بإسقاط أحلامه على زمن الكرة. وكلامه في الغالب لا يتوجه سوى لمن هم من جيله، لأن من هم أصغر سناً لن يفهموا عن ماذا يتحدث، أولئك الذين لم يعرفوا الكرة قبل ميسي وكريستيانو، لا يتملكهم الشعور ذاته وهم يشاهدون فيديوهات من الأرشيف لنجوم الكرة من التسعينيات أو الثمانينيات أو ما قبلها. نسوق هذا المثال لأن له شبهاً بما يحصل في عالم القراءة في بلادنا.

اقرأ مثلما قرأت أنا

نسمع من يتأفف من وضع القراءة، في الجزائر، وهو يردد ما معناه أن الشباب لا يقرؤون، أنهم يهملون الكتاب ولا يعنيهم الأدب. وهي وجهة نظر لها ما يبررها نظير تراجع أرقام مبيعات الكتب، وفي بلد مثل الجزائر حيث الشباب يمثل الأغلبية، تكاد المكتبات أن تصير أمكنة مقفرة، لكن تحميل الشباب أو من هم في سن حديثة المسؤولية يُشبه من يحن إلى زمن الماضي في كرة القدم. بحكم أن هذا المثقف الذي تقدم في السن يحاول إسقاط حالته على حالات من يصغرونه بعقدين أو ثلاثة عقود. يظن أن الشباب اليوم لا بد أن يفكروا مثله مثلما كان يفكر قبل ثلاثين سنة. هكذا يجري الإسقاط بشكل تعسفي. بينما هذا الشخص عاش في زمن لم تظهر فيه الإنترنت، ولا منصات الأفلام والمسلسلات المجانية، لم يعش في زمن سادت فيه الموبايلات ولا سهولة الوصول إلى وسائل النقل، تربى وكبر في وسط حيث الكتاب سلعة نادرة، فمن منظوره لا بد أن يكون المراهقون والشبان، في الوقت الحاضر، مثله، أن يهجروا هذا العالم البصري الذي يحيون فيه، ويعودوا إلى محاكاة حياته كما عاشها من قبل. في هذا القرن الجديد يبدو أن الأدب الكلاسيكي هو الخاسر الأكبر، لم يعد الناس مهتمون بالتفاصيل المطولة في قصة أو رواية، بحكم أن بوسعهم مشاهدة ما يبتغون تصفحه في الأرشيف من كبسة على اللابتوب، بالتالي فهم يريدون حكايات خفيفة وسريعة، وذلك ما فرضته تحولات الزمن الذي يعيشون فيه. كما أن في مقدورهم الوصول إلى الحكايات بجهد أقل من مجرد مشاهدة فيلم أو فيديو على يوتيوب. إذن نحن تحت قبضة النوستالجيين، أولئك الذين عاشوا في بيت حيث الكتاب يوضع في مكان عال، بينما اليوم بفضل سهولة وسائل الطبع، صارت الكتب تصدر مثل الخبز من المخبز، بأعداد كبيرة كل أسبوع، والوفرة ليا تعني تسهيل عملية القراءة بقدر ما تشتتها، فيصير هذا الشاب تائها بين الخيارات، وغير قادر على تحديد ما يرغب فيه، فيلجأ بالضرورة إلى الحل الأسهل وهي الموبايلات والإنترنت، من منطلق أنها توفر له الجهد الأقل والتلقي الأكبر من سمعيات وصور.
إن من يحن إلى زمن ماضٍ في الكرة مثل من يحن إلى زمن الكتاب، فهو يود نفي الوضع الذي يعيش فيه، أو إلغاؤه، أو تناسيه، ويريد من الآخرين أن يفعلوا مثله، أن يتركوا ما في أيديهم وما أمام أعينهم على الشاشة، فيرافقونه إلى ماضيه الشخصي، حيث يشعر بالأمان، لكنه يتناسى أن أمان الآخرين إنما في اللحظة الحالية التي يعاصرونها.

روائي جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية