النوم أمام التلفزيون… في انتظار الرد الإيراني

حجم الخط
6

عدت مرة أخرى لعادتي القديمة التي صاحبتني لسنوات طويلة؛ حيث النوم أمام التلفزيون في انتظار رد إيران والحلفاء في المنطقة، على اختراق سيادتها، وضرب شرفها كدولة في موطن العفة!
مع كل مرحلة كنت أنتظر «عاجلا ما»، وكان أملي أن استيقظ على خبر وفاة الرئيس مبارك، فكان قرار عزله، بينما أنا في الشارع، وفي مرحلة تالية انتظرت عاجل «الجزيرة»: رحيل الرئيس المصري، لكن استقر في وجداني كصوفي متقاعد أنه لن يموت الآن، لأنه عقوبة لمن بدلوا نعمت كفراً وأحلوا قومهم دار البوار، (وجدتها في المصحف مرسومة بالتاء المفتوحة لا المربوطة؛ نعمت وليست نعمة)!
واستقر في وجداني كصوفي متقاعد أيضاً، أن الجزاء لم يكتمل بعد، وكلما قلنا إن عشر سنوات تكفي، اكتشفنا أن تضييقا كبيراً على حياة الناس، فأقول لم ينته الحساب بعد، وأخيراً قرأنا عن قرار بطرد من قاموا بموقعة الجمل واجتاحوا ميدان التحرير فأفزعوا الثوار، من منطقة الأهرام، التي حصل رجل الأعمال نجيب ساويرس، على امتياز تطويرها، وكان هذا شرطه، والقوم عندما جاءوا للميدان قالوا إن الثورة أوقفت السياحة، وقطعت أرزاقهم، أنظر ماذا حدث لهم بعد عشر سنوات من الثورة المضادة؟!
هذا فضلاً عن إيماني أن النهاية، وإن لم تكن بهذه السرعة، فلن تكون أبداً بالاستيقاظ على الطريقة المرسومة في ذهني، بأن أفتح عيناي وقد اكتحلت بمثل هذا «عاجل»، فلا بد من عقاب إلهي، وقد كنت في البداية أجد حرجاً من ذكر ذلك، إلى أن قرأت أن صالحاً في الأولين أنقذ الحجاج من الغرق، فلما سئل من المستنكرين لماذا فعلت؟ أجاب بأن الحجاج بن يوسف يموت مثل هذه الميتة!
بيد أنه حدث ما لم يكن على بالي، فعندما استيقظت وجدت رسالة اغتيال القائد الفلسطيني إسماعيل هنية في طهران، فذهبت لـ»الجزيرة»، وقد فقدت الإحساس بأي شيء، وتحرك أمامي شريط الذكريات بعدد من اللقاءات المعدودات معه في الدوحة، ثم توقف عند هذا المشهد عندما جاء ليقدم لي واجب العزاء في والدي، وأمنا لصلاة الغائب، وألقى كلمة، لا أتذكر منها شيئاً، ثم مال إلي ليسألني عن ظروف وفاة الوالد والتقط أحد الزملاء صورة لنا في هذا الوضع تذكرتها فنشرتها، هل أقول إنني بكيت؟ هذا ما حدث بالضبط!
تأملت الصورة بعد ذلك مرات عدة، راعتني هذه الابتسامة المطبوعة على فمه، إنها ذاتها التي صارت جزءا من ملامح وجهه، حتى إنه لم يفقدها في وفاة هذه العدد الكبير من أفراد أسرته، على مرتين، تأملت صوره القديمة في مرحلة الشباب، لم تكن هذه الابتسامة قد طبعت بعد، كانت ملامحه عادية بلحيته السوداء، لقد تزامنت هذه الابتسامة مع اشتعال لحيته شيباً، فكانت تعبيراً عن الرضا، ورباطة الجأش، فلا يجزع لحادثة الليالي!
و»أبو العبد» هذه كنيته يألف ويؤلف، فتشعر منذ اللقاء الأول، أنه «معرفة قديمة»، وأنه واحد من أفراد عائلتك، ومعظم المرات التي رأيته فيها كانت في سرادقات عزاء، لم يكن آخرها حضوره عزاء صديقنا الراحل والمؤرخ الكبير الدكتور محمد الجوادي؛ وفي وصفه نقول في مصر «صاحب واجب»، يترك اجتماعا للحركة من أجل أن يقوم بالواجبات الاجتماعية.

إلى قناة «الميادين»… نهاية غسان

ذهبت لقناة «الميادين»، فلعلها تكون أقرب من الحدث، ولعل كونها تعبر عن المقاومة اللبنانية يمكن أن يمكنها من معلومات لم تتمكن «الجزيرة» من الوصول اليها، لكن لا شيء هناك، ثم إنها وبحكم الانتماء قد تكون أقل عفوية في التغطية، لأنها محسوبة على القوم، تذكرت في هذه اللحظة أن «الجزيرة» خسرت غسان بن جدو، ولم تكسبه «الميادين»، وهو مؤسسها، فلم تكن قبلة المشاهدين في حدث كهذا، إنها لعنة «الجزيرة»، التي كتبت عنها هنا قبل سنوات طويلة، فكل من غادرها لم ينجح في مكان آخر، وإن نجح يسري فودة في بداية تقديمه لبرنامج حواري في إحدى القنوات التلفزيونية المصرية، فلم يسمع أحد عنه في القناة الألمانية إلا بعد أن توقف، للدقة هو لم ينجح ولم يفشل في برنامجه المصري، لكنه وإن كان لم يفشل في الألمانية فإنه أيضاً لم ينجح النجاح الكبير، الذي يليق بإمكانياته وقدراته المهنية!
عندما صككت مصطلح «لعنة الجزيرة»، كان هذا من وحي مصطلح قديم هو «لعنة الفراعنة»، ورغم كتابات كثيرة عن هذه «اللعنة»، لم يكن أنيس منصور أول من كتب عنها، إلا أنها تبدو أقرب إلى أساطير الأولين، لكن «لعنة الجزيرة» ثابتة بالأدلة، وعلى مدد الشوف!
لماذا لم تكن «الميادين» رقماً في قائمة الإعلام، لأن الناس لا يميلون إلى التابع لأي جهة، وقد يهرولون لـ»الجزيرة» لكي يشاهدوا خطاباً لحسن نصر الله، لكنهم لن يفعلوا مع قناة مملوكة له، إلا إذا كانوا من أهل الأيديولوجيا، وهي معادلة صعبة، وعندما قامت الثورة المصرية قدمت نصيحتي للإخوان عبر أحد الزملاء الصحافيين منهم أن يستلهموا تجربة جريدة «المصري»، التي كانت لسان حال «الوفد»، لكنها لم تكن مملوكة له، وكانت تختلف علناً في بعض السياسات!
وقال سنعتمد المشروعين، الإعلام المملوك لنا، والإعلام المستقل، لكنهم في التنفيذ أخذوا بتجربة الإعلام المملوك لهم، فكانت بجانب جريدة حزبهم، قناة «مصر 25»، وكانت تجربة فاشلة، مع أن من قام عليها تخرج في مدرسة «الجزيرة» أيضاً.
ونقل لي وسيط أن رجل أعمال معروفا كلفه بتقديم عرض لهم يتمثل في مشروع قناة يموله عشرة من رجال الأعمال، لتعبر عن الرئيس محمد مرسي، دون ولاية من الجماعة، فطلبوا التبرعات ليؤسسوا القناة، فانتهى المشروع!

الرد وتقارب المقاومة مع طهران

كان لدي شك في أن تقدم إيران على الرد، مع هول الجريمة، وهذه الإهانة الكبيرة التي وجهها لها نتنياهو، دون أن يلقي لها أي اعتبار، وفي هذا التصور أنا مدفوع بوقائع سابقة، وليس لدي موقف ضد تقارب المقاومة من إيران، وكتبت على المحتجين، إن الذين يمولون حماس عليهم أن يحددوا أجندتها أو يمتنعوا عن التمويل، وقد ضافت الدنيا عليهم بما رحبت، ومن الحصافة تنويع العلاقات!
أنا كنت من الذين دعوا الرئيس محمد مرسي ألا يكترث بالرافضين للتقارب المصري – الإيراني، فالرافضون يسلمونه لكمين، ولم تكن لديه رغبة في التقارب، بالضغوط السلفية أو بغيرها، فالإخواني بطبيعته ليس مستعداً لخسارة السعودية، وإن أعلنت عليهم الحرب، وقررت استئصال شأفتهم!
إيران تمول المقاومة، لا ينكر هذا إلا حاسد أو معاند، وهي مهمة لعدم ممارسة ضغوط على العواصم العربية، التي يتواجد فيها قادة من المقاومة، لأن هذه الضغوط تدرك أنها قد تدفع بهم للسفر لطهران، ليكونوا قد ذهبوا بعيداً، فهل أرادت إسرائيل باغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، أن تقول إن إيران ليست بعيدة عنها ولن يكونوا هناك في مأمن؟!
إنها إهانة لا توصف، فإذا عجزت طهران عن حماية ضيفها الكبير، والذي لم يكن يقيم في أحد الفنادق العامة، ولكن حيث الحرس الثوري، ومع ذلك تصله اليد الإسرائيلية، ليس فقط في غرفة نومه، ولكن في سريره، فماذا بقي لها من قيمة؟!
ومع ذلك استبعدت الرد، وعندما رأيت الشيخ حسن الله على الشاشة، وهو صاحب ثأر، وولي دم، وقد طالت اليد الإسرائيلية قائدا عسكريا كبيرا في حزب الله، قلت: بالكثير سيكون الرد من النوع الذي يمكن للجانب الإسرائيلي استيعابه، فماذا بقي للهيبة الإيرانية، ونفوذ القوم تمدد في المنطقة من لبنان إلى العراق، وأخيراً إلى اليمن؟!
بعد تفكير استمعت اليه من باب العلم بالشيء، فوجدته يتحدث عن رد فعل كبير، فهل سيكتفون فقط بمجرد رشقة صاروخية تستهدف مواقع عسكرية تم اخلاؤه ليقولوا لقد تم الرد؟
أعترف أن خطاب حسن نصر الله رفع عندي سقف التوقعات، وإن كان بنسبة قليلة، فقد أعادني للنوم من جديد أمام شاشة «الجزيرة»!
«الماء يكذب الغطاس»!
أرض – جو:
بدا لي كما لو أن نتنياهو قام باستئجار الذباب الإلكتروني المصري، لهذا فلم يعد غريباً أن تشاهد نشراً على نطاق واسع لاتهام الشهيد إسماعيل هنية بأنه وراء مقتل الجنود المصريين في سيناء، يكتب أحدهم إن هناك مكالمة هاتفية بينه وبين مرسي يقول فيها إنه انتهى من مهمة قتلهم فيرد مرسي ساخراً كنت تنتظر بعد أن ينتهوا من تناول إفطارهم، إذ كانت الواقعة في رمضان!
عندما تسأل أحدهم عن مصدره يرد على الفور إن المكالمة جاءت في مسلسل «الاختيار»، وهكذا صارت المعلومات الرسمية تؤخذ من الدراما الفاشلة!
يوم الخميس الماضي مات ثلاثة من منتجي مسلسل «الاختيار» في حادث سير. رحم الله الجميع!

 صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية